الدرس في حديث بدء الوحي فوائد وأحكام 31، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يوضح المقطع أسباب عداوة الكفار لدين الله ورسله رغم تهيئة الله لهم، ويستعرض أساليبهم في رد الدعوة لا سيما الاستهزاء بالنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. وتؤكد الآيات القرآنية أن السخرية كانت منهجاً عاماً للأمم السابقة مع رسلها كما في سورة المطففين.
يصف المقطع كيف كان كفار قريش والمنافقون في المدينة يستهزئون بالنبي محمد ﷺ وأصحابه عند مرورهم، ويضحكون ويتبادلون الإشارات الساخرة ثم يعودون إلى أهلهم فرحين. كما يبين أن اليهود فضلوا دين المشركين على دين الإسلام حسداً وكفراً فاستحقوا اللعن الإلهي.
تستعرض الآيات لعن الله لأهل الكتاب الذين فضلوا دين المشركين على دين الإسلام، وتؤكد أن الله كفى نبيه شر المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلهاً آخر. وتختم بأن عاقبة المؤمنين هي الضحك على الأرائك يوم القيامة بينما يعاقب المستهزئون على أفعالهم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فإن شاء الله تعالى نستأنف دروسنا التي -كما تعلمون- في شرح حديث بدء الوحي، حديث عائشة رضي الله تعالى عنها. وذكرنا في آخر ما ذكرنا الأسباب التي جعلت الكفار يردون دين الله، مع أن الله عز وجل هيأ لهم أمورًا كثيرة كما قد ذكرنا، إلا أنهم أرادوا الكفر وأرادوا الشرك بالله جل وعلا، فلعادوا أهل الإسلام وعادوا أنبياء الله جل وعلا. وهذا مأخوذ من قول ورقة للنبي عليه الصلاة والسلام: «ما جاء أحد بما جئت به إلا عودي». فذكرنا الأسباب التي تجعل أولئك الناس يعادون دين الله جل وعلا ويعادون الأنبياء. وأيضًا هذه العداوة لها أساليب، ذكرها ربنا جل وعلا في القرآن، لها أساليب كثيرة. معنا نوع في أساليبهم في رد هذه الدعوة، في معاداتها، وخاصة كفار قريش، وقد يكون هذا أيضًا هذه الأساليب موجودة في الأمم السابقة، وهناك أساليب قد لا تكون موجودة في الأمم السابقة. فمن هذه الأساليب التي استخدموها: الاستهزاء والسخرية، الاستهزاء والسخرية بنبي الله صلى الله عليه وعليه وسلم وبمن معه. وهذا كثير في كتاب الله جل وعلا، وقد ذكر الله عز وجل أيضًا هذا الاستهزاء عن الأمم السابقة: ﴿ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ ﴾، وأيضًا الله عز وجل ذكر أن جميع الرسل الذين جاءوا استهزئ بهم وسخروا بهم، كما قال قوم نوح: ﴿ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ﴾. وقد سمعنا في قراءة إمامنا حفظه الله آخر سورة المطففين، ذكر الله عز وجل هذا الاستهزاء، فقال جل وعلا: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ﴾. معنى «يضحكون»: استهزاء، يقولون: هؤلاء جاءوا بدين جديد، هؤلاء جاءوا بكذا، فيستهزئون ويضحكون. معنى ضحك: استهزاء، حتى أن أحدهم لا يلقي بنفسه من كثرة الضحك. وهذا من باب أسلوب من أساليب خاصة كبار الكفار، حتى يوهم للناس أن من آمن بذلك النبي فإنه سيستهزأ به كما استهزئ به واستهزئ بأصحابه. فقال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ﴾. «يتغامزون»: استهزاء، أن هذا يغمز هذا الذي يمر عليه من أهل الإسلام. فهذا كان يحصل في مكة، وكذلك أيضًا كان يحصل في المدينة من المنافقين، من عبد الله بن أبي وأصحابه، كانوا أيضًا إذا مر النبي عليه الصلاة والسلام تجد أنهم يتغامزون، أو يغمزون النبي عليه الصلاة والسلام بكلام. وقال ذلك الشقي عبد الله بن أبي بن سلول لما مر النبي عليه الصلاة والسلام بحمار: «لا تغشد، فإن نتنى الحمار عكر علينا»، وغيرها من هذه الكلمات التي يريدون بها الاستهزاء واللمز. وهكذا كان كفار قريش، إذا مر بهم النبي عليه الصلاة والسلام استهزؤوا وقالوا: جاء الصابئ، وجاء كذا، فيضحكون ويصخرون. فلذلك قال الله عز وجل في هذه الآيات التي قد سمعناها في الصلاة: ﴿ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَىٰ أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ ﴾، عن الفرحين، وأنهم استهزأوا بالنبي وأصحابه، فهم يخبرون أهاليهم بهذا. ﴿ وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَىٰ أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَضَالُّونَ ﴾: أنا ضل الطريق، أخذوا دينًا غير الدين الذي نحن عليه. وسبحان الله، مع أنهم كانوا يعبدون الأصنام والأحجار ويظنون أنهم على شيء. ولما ذهب هؤلاء الكفار إلى اليهود في المدينة، فقالوا: أنحن الذي نعبده أفضل أم الذي يعبده محمد؟ فكان من فجور اليهود أنهم فضلوا دين المشركين على دين النبي عليه الصلاة والسلام، فلعنهم الله عز وجل بما قالوا، وبين: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا السَّبِيلَ ﴾. وأيضًا في الآية الثانية: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا ﴾، يقولون هؤلاء -معنى يحسنون دين المشركين- فلعنهم الله عز وجل بهذا الكلام؛ لأنهم يعرفون أن هؤلاء أهل شرك، فكيف يجعلون دينهم أفضل من دين رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ ﴿ هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا ﴾: أنا الكفار أهدى من المؤمنين، هؤلاء الذين يدعون أنهم مؤمنون أهدى من الذين آمنوا سبيلًا. ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ﴾. فلذلك أيدوهم على ذلك، فازدادوا استهزاءً واستكبارًا وسخرية بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم أن الله عز وجل بعد ذلك كفى الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام من استهزاء هؤلاء، فقال جل وعلا كما في آخر سورة الحجر: ﴿ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ * الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾. أنا لو كان أرادوا أن يستهزئوا، يستهزئوا بأنفسهم: كيف يعبدون حجرًا أو يعبدون أمواتًا غير أحياء؟ لو أرادوا الاستهزاء يستهزئون بأنفسهم. فقال الله عز وجل: ﴿ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ * الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾، فسوف يعلمون. ولهذا أيضًا في آيات المطففين ذكر الله عز وجل: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا الْيَوْمَ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾. إن الذين آمنوا، فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون: هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون؟ هل أثابهم الله؟ بل عاقبهم، عاقبهم الله عز وجل بهذه الأفعال التي كانوا يستهزئون بها بأنبياء الله وبأتباع الأنبياء. فلذلك قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ * الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾. ومن نظر في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام رأى ما كان يفعله أبو جهل وغيره من الاستهزاء بنبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبأصحابه، وهذا مدون وكثير في السيرة. فالمهم أننا أردنا أن نبين أن من أساليب الكفار في ردهم وفي معاداتهم أنبياء الله وأتباعهم، أنهم يستخدمون أسلوب الاستهزاء والسخرية. الاستهزاء والسخرية، فهذا شيء مما يذكر في هذا المقام. نسأل الله عز وجل السداد والهدى، ونسأله سبحانه وتعالى أن يعفو عنا وأن يغفر لنا، والحمد لله رب العالمين. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.