حديث بدء الوحي فوائد وأحكام 32

حديث بدء الوحي فوائد وأحكام 32

الدرس في حديث بدء الوحي فوائد وأحكام 32، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أساليب الكفار القولية في الصد عن دعوة النبي

يستعرض المحور الاتهامات الباطلة التي كالها الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم من كهانة وشعر وجنون وسحر وافتراء، مع الإشارة إلى اجتماعاتهم السرية لتنسيق هذه الحملات كما ورد في سورة الأنبياء وسيرة ابن إسحاق. وتبرز هذه الأساليب مدى حرصهم على تشويه صورة الدعوة وإبعاد الناس عن سماع القرآن.

مؤامرة قريش لتشويه الدعوة وإسلام ضمام بن ثعلب

اجتمع كفار قريش على اتهام النبي ﷺ بالسحر والشعر والكهانة لصرف الناس عن دعوته، فنزل القرآن يرد عليهم، وفي موسم الحج جاء ضمام بن ثعلب مكبّرًا أذنيه بالقطن خوفًا من سماع كلام النبي. فلما التقى به وسمع حمد الله وثناءه أعلن إسلامه قائلًا: «هذا الكلام لا يأتي به بشر»، وبايع النبي عن نفسه وقومه.

أذى قريش البدني والمعنوي للنبي وثباته عليه الصلاة والسلام

يسرد المحور أنواع الأذى التي تعرض لها النبي صلى الله عليه وسلم من كبار قريش كأبي لهب وامرأته أم جميل وأبي جهل، من تكذيب وسب وتضليل للناس، ويبين ثبات النبي صلى الله عليه وسلم ودعاءه عليهم. كما يشير إلى تشابه هذا الأذى بما يلاقيه أتباع السنة في العصور اللاحقة.

سنة الكفار في تنفير الناس عن اتباع الأنبياء والصالحين

يصف المحور عادة الكفار المستمرة في صد الناس عن اتباع دعوة الأنبياء والصالحين عبر العصور، مؤكدًا أن هذا النهج سمة ملازمة للمكذبين بالحق. ويختتم بدعاء أن يجعل الله القارئ من عباده الصالحين الموحدين الثابتين على الحق.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، أيها الإخوة الكرام، فكذلك من أساليب أهل الكفر في العداء والتنفير من دعوة الأنبياء -خاصة نذكر دعوة نبينا عليه الصلاة والسلام- فمن هذه الأساليب التنفير بالقول أو بالفعل، وهذا كثير جدًا، تنفيرهم من دعوة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالأقوال وبالأفعال. فأما بالأقوال فهي أيضًا أنواع، فمن ذلك ما ذكره الله عز وجل في القرآن عن الكفار أنهم يقولون على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أشياء حتى ينفروا الناس عن دعوته. ومن ذلك أنهم يقولون: إنه افترى على الله كذبًا، وقالوا: إنه شاعر، وقالوا: إنه كاهن، وقالوا: إنه مجنون، وغير هذه وغيرها من الأوصاف التي كانوا يصفون بها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد ذكر الله عز وجل في بداية سورة الأنبياء خبر هؤلاء الكفار وكيف واجهوا دعوة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فلما ذكر غفلتهم قال: ﴿ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ [الأنبياء: 3]. معنى «أسروا النجوى»: أنهم عقدوا اجتماعات، وأسروا وتناجوا، أي كبار الكفار، فعقدوا هذا الاجتماع لأجل أن ينفروا عن دعوة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿ أَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ * قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ ﴾ [الأنبياء: 3-5]. على ربنا جل وعلا يذكر آراءهم التي ذكروها في اجتماعهم هذا الذي أسروا به وتناجوا به. فلذلك فمنهم من يقول: نقول إنه رجل مفتري، ومنهم من قال: نقول إنه ساحر، ومنهم من قال: نقول إن هذا أضغاث أحلام، بمعنى: أو نام فرأى في الحلم أنه نبي فقام يخبر الناس بذلك، أو أضغاث أحلام. ﴿ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ ﴾، بمعنى: الآيات التي جاء بها عظيمة وهو القرآن الكريم. فلذلك قال الله عز وجل: ﴿ مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأنبياء: 6]. عن هؤلاء الذين يفعلون مثل هذا، حتى لو جاءتهم كل آية فهم يريدون فقط أن ينفروا عن دعوة رسول الله صلوات الله والسلام عليه. فلذلك يأتون بمثل هذه الأقوال: ساعة مجنون، ساعة ساحر، فساعة مثلاً شاعر، وغير هذه من الألفاظ التي تنفر عن النبي عليه الصلاة والسلام. وقد جاء في سيرة ابن إسحاق، وأيضًا ذكره البيهقي في الدلائل، أن كفار قريش اجتمعوا على ماذا يقولون على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ينفروا منه، وقد تكون هذه الآيات تعني هذا الاجتماع أو أنه مثله، بمعنى الآيات التي في سورة الأنبياء. فاجتمعوا على ما هو الأسلوب الذي يقولونه للناس حتى ينفروا عن دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال بعضهم: نقول إنه شاعر. فقال لهم الوليد بن المغيرة: إني قد عرفت الشعر، رجزه وهزله، أو كما قال. ثم قالوا: نقول كاهن. قال: فليس بكاهن، قد عرفت الكهنة وأهل الطب، بمعنى أصحاب السحر. ثم كلما جاءوا بشيء قال: لا. ثم آخر قال: نقول إنه ساحر، جاء ليفرق بين الرجل وولده، والزوج وزوجته، عن أنه ساحر يسحر الناس. فلذلك قال الله عز وجل: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ سَاحِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ ﴾ [الطور: 30-31]. لأن ساحرًا غالبًا يذهب سحره ويذهب ويهلك بسحره، فقالوا: نحن ننتظر أن هذا السحر سيذهب إذا ذهب هذا الشخص. فقال الله عز وجل: ﴿ قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ ﴾. فلذلك كانوا يجتمعون على مثل هذه الأمور، كما ذكر ربنا جل وعلا أنهم يجتمعون لأجل أن ينفروا، حتى أن الرجل يأتي إلى مكة وهو يرتعد لما يسمعه من الكلام. فقد جاء في صحيح مسلم بحديث ضمام بن ثعلب، كما جاء عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: جاء ضمام بن ثعلب إلى مكة، فقال: قد سمعت عن هذا النبي شيئًا كثيرًا، حتى من كثرة ما يذكر عنه، ومن خوفي أن أسمع شيئًا وضعت القطن في أذني. جاء إلى مكة في موسم الحج ووضع قطنًا في أذنه حتى لا يسمع شيئًا عن النبي عليه الصلاة والسلام من كثرة تهويل المشركين. قال: فلما كنت في مكة فقلت: يا ضمام، أنت رجل تعرف الطب، تعرف السحرة وتعرف غيرهم، وأنت أيضًا تعالج، فاذهب إلى ذلك الرجل لعل الله عز وجل يشفيه، لأنهم كانوا يقولون: به الطب، معنا مجنون، به سحر. قال: فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجدته عند الكعبة، فقلت: أنت محمد؟ قال: نعم. هذا الذي قال له الصادق. قال: نعم. فقال ضمام بن ثعلب: إن كان أن كنت بك طب فإني أعالج هذا الطب معنا، وإن كان بك جنون أنا سأعالجك. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله». فقال ضمام بن ثعلب: أعد علي. فأعادها النبي عليه الصلاة والسلام. ثم قال ضمام: أعد علي. فأعادها النبي عليه الصلاة والسلام. فبعد ذلك قال ضدام: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فهذا الكلام لا يأتي به بشر. قال: هذا الكلام، مع أنه ما جاء بشيء من القرآن، لكن جاء ثناء على الله عز وجل بهذا الثناء العظيم. فقال ضمام: والله هذا الكلام ما يأتي به بشر. فأسلم رضي الله تعالى عنه، وقال: إني ذاهب إلى قومي أدعوهم. ثم قال: تبايعني؟ قال: أبايعك عن نفسي وعن قومي، أبايعك عن نفسي وعن قومي. ثم جاء بهم. المهم أن كفار قريش كانوا يعلنون ويشيعون في الناس هذا، وأيضًا أول من كان يعارضه هو عمه أبو لهب، كان يعارض النبي عليه الصلاة والسلام ويكذبه، بل يمشي خلفه في الأسواق. وهكذا أيضًا زوجته تلك الخبيثة الظالمة أم جميل أخت أبي سفيان رضي الله تعالى عنه، وهي هذه المرأة امرأة أبي لهب التي توعدها الله عز وجل بالنار، فكانت أيضًا تؤذي النبي عليه الصلاة والسلام بأقوالها. ولما نزلت هذه السورة جاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام وكان عنده الصديق رضي الله تعالى عنه، فأعماها الله عز وجل عن النبي عليه الصلاة والسلام، وقالت: يا ابن أبي قحافة، أين صاحبه؟ والنبي عليه الصلاة والسلام جالس ولم تره. فقالت: ثم قالت: مذمم أبينا ودينه قلينا، مذمم أي تريد النبي عليه الصلاة والسلام، اسمه محمد وهم يقولون مذمم. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله يصرف عني شتم قريش ولعنهم، يشتمون مذممًا ويلعنون مذممًا، وأنا محمد». فيقولون مذمم، معنى هذا أيضًا من باب التشويه. فقالت: مذمم أبينا ودينه قلينا، أي غضبنا، معنى لم نرضَ بدينه. فهذه المرأة أيضًا كانت من يؤذي النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا أيضًا كان سفهاء قريش، أو كان كبار قريش يجعلون سفهاءهم يؤذون النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه. وهكذا كان أيضًا أبو جهل، كان من أشد الناس عداوة لرسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم، حتى سماه النبي عليه الصلاة والسلام فرعون هذه الأمة. وكان أيضًا يتوعد النبي عليه الصلاة والسلام، وإذا مر بهم النبي عليه الصلاة والسلام تضاحكوا ولمزوا وهمزوا، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في البخاري: لما رأاهم يتضاحكون ويقولون من الكلام، قال: «والله لقد جئتكم بالذبح». قال: «والله لقد جئتكم بالذبح». فسكت القوم، فسكت القوم. ثم أخذ النبي عليه الصلاة والسلام كفا من تراب وقال: «شاهت الوجوه». فقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ما وقعت، ما وقعت هذا التراب في رجل إلا قتل في بدر كافرًا، إلا قتل في بدر كافرًا. فهذا شيء مما يذكر من ما كان هؤلاء الكفار يعادون به رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم وينفرون عن دعوته، ينفرون الكبار والصغار والنساء. وكذلك أيضًا كل من جاءهم ويسمون النبي عليه الصلاة والسلام الصابئ، وكذلك يقولون الساحر، وغيرها من هذه الألفاظ حتى ينفروا عن دعوة رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم. وتجد أن هذا أيضًا يحصل حتى لأتباع رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم فيمن بعده من الأزمان، سواء كان في الأزمان المتأخرة في هذا الزمن، لما اندرست الدعوة وصار أكثر، أكثر، أو صارت دعوة الكفر ودعوة أيضًا الرفض ودعوة التصوف وغيرها من هذه الدعوات هي السائدة، ودعوة أهل السنة قليلة جدًا، قليلة جدًا. فتجد أيضًا هذه الألفاظ ترجع مرة أخرى، ويقولون: لا أئمة الإسلام، كما قيل لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، قيل فيه من الألفاظ المنفرة، وغيرهم من أئمة الإسلام. فهذا هو دأب هؤلاء الكفار في التنفير من دعوة الأنبياء والصالحين. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من عباده الصالحين الموحدين، والحمد لله رب العالمين.