تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 101

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 101

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 101، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير فرح الشهداء ومشروعية التهنئة بالنعم

يشرح العلامة سعد معنى فرح الشهداء بما آتاهم الله من فضل واستبشارهم بإخوانهم، مبيناً أن الله جمع لهم نعيم البدن والروح. ويستدل بالآيات على جواز التهنئة بكل فضل ونعمة من الله، سواء كانت عامة أو خاصة، ما لم تتخذ عادة ملزمة.

نعيم البرزخ وحال الشهداء عند ربهم

يبيّن المقطع أن قبول الطاعة يظهر بأثرها في القلب، وأن الله يضاعف أجور المؤمنين قليلاً كانت أو كثيرة. ثم يستدل بآيات الشهداء على إثبات نعيم البرزخ، حيث يكون الشهداء أحياءً عند ربهم مرزوقين فرحين مستبشرين بلحاق إخوانهم.

تلاقي أرواح الشهداء في الجنة وتبشيرهم لإخوانهم

تتلاقى أرواح الشهداء في الجنة معلقة على قناديل العرش، تسرح وتطوف وتبشر بعضها بعضاً، وتتمنى لحاق إخوانها بها لنيل النعيم. ويبين المقطع أن صفاء القلوب وبذل الخير للآخرين من صفات أهل الجنة، بينما الشح والأنانية تؤدي إلى النار.

خاتمة تفسير الآية الكريمة واستيفاء فوائدها

يختم المتحدث بذكر أن المقطع يحتوي على ما سبق بيانه، ويشير إلى استيفاء بعض الفوائد من الآية الكريمة. ويختتم الدرس بالبسملة مكتفياً بما تم ذكره من فوائد وعبر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة سعد رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. قال رحمه الله: مع هذا ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، أي: هؤلاء الشهداء، أي: متبطرين بذلك، وقد قرت به عيونهم، وفرحت به نفوسهم، وذلك لحسنه وكثرة وعظمته، وكمال اللذة في الوصول إليه، وعدم المنغص. فجمع الله لهم بين نعيم البدن بالرزق، ونعيم القلب والروح بالفرح بما آتاهم من فضله، فتم لهم النعيم والسرور. ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾، أن يبشر بعضهم بعضاً بوصول إخوانهم الذين لم يلحقوا بهم، وأنهم سينالون ما نالوا. ﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، أن يستبشرون بزوال المحذور عنهم وعن إخوانهم، المستلزم كمال السرور. ثم قال جل وعلا: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾، أن يهنى بعضهم بعضاً بأعظم مهنى به، وهو نعمة ربهم وفضله وإحسانه. وفيه التهنية، كما استدل ببعضها العلماء، بكل فضل وإحسان إذا صار لشخص فضل ونعمة. فالولد تهنئة، والولد لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام شيء في تهنئة الولد، لكن جاء عن السلف، جاء عن الحسن وغيره. فلهذا يقول بعض العلماء: أن كل فضل لا بأس بالتهنئة به، في دخول رمضان، وفي العيد، وغيرها من هذه النعم التي ينعم الله عز وجل بها، سواء كان نعم عامة أو خاصة. فلهذا فلا بأس أن يهنى مثلاً بأشياء قد تكون من الدنيا، بنجاحه في امتحان، في امتحان بكذا، فلا بأس من هذا؛ لأن التهنئة بالفضل طيبة. وأما حتى حق معناه التهنئة بالجمعة، معناه: إن لم تتخذ عادة وسنة فهي جائزة، لكن لأن الناس اتخذوها كالعادة أو سنة، يهنى بعضهم بعضاً، وإلا ولو كانت عفوية وأحياناً فلا بأس، كما قال الشنقيطي رحمه الله. ﴿وَاللَّهُ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فلينميه ويشكره، ويزيده من فضله ما لا يصل إليه سعياً، لأن الله عز وجل شكور. ولهذا ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله أن العبد إذا لم يجد أثر الطاعة في قلبه، فإنه يدل على أن هذه الطاعة لم يقبلها الله عز وجل، لأن الله عز وجل شكور، فاسمه الشكور يدل على أنه يشكر عباده ويثيبهم. وأما هذا الذي يفعلونه يؤثر على نفوسهم، وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين، بل يعطيهم وينمي لهم، أو ينمي لهم هذه الأعمال. فهذه الصدقة اليسيرة ينميها الله عز وجل حتى تصير مثل جبل أحد. كذلك الأعمال، فإن الله عز وجل يعطي العبد على عمله أجراً عظيماً، كما بينا قبل أن هذه الأمة جعل الله عز وجل لها الأجور المضاعفة في أعمالهم، يعملون أعمالاً قليلة ويؤجرون أجوراً عظيمة. قالوا: في هذه الآيات إثبات نعيم البرزخ، والبرزخ هو دور ثالث بين الدنيا والآخرة، كما ذكر أهل السنة، علماء السنة. قالوا: أن الدور ثلاث، الذي دلت عليه آيات الكتاب والسنة: الدنيا، والبرزخ، والآخرة. البرزخ هو دار بين الدنيا والآخرة، وهذه الدار إما أن يكون فيها نعيم، وإما أن يكون فيها جحيم. أن إما أن ينعم العبد فيها، فيكون مثلاً في قبره في روضة من رياض الجنة، أو يعذب فيها، فيكون في حفرة من حفر النار. فهذا هو البرزخ. فقال المؤلف: وفي هذه الآيات إثبات نعيم البرزخ، لأن الله عز وجل ذكر حال الشهداء بعد موتهم أنهم أحياء عند ربهم يرزقون، ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، فرحون بنعمة الله وفضله جل وعلا، ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾ أيضاً، عندهم البشرى أن أصحابهم، أن إخوانهم الذين كانوا يقاتلون معهم سيلحقون بهم، وينالون من هذا النعيم العظيم الذي أعطاهم الله عز وجل. قال: وأن الشهداء في أعلى مكان عند ربهم، لأنه قال: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، وعند هنا تفيد التقريب، أي أنهم مقربون إلى الله. ثم قال: وفيه تلاقي أرواح أهل الخير، لأنه قال الله عز وجل: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. معنى: كل واحد يبشر أخاه، يقول له: معنى بمعنى الكلام، أولئك إخواننا سيأتون ويلحقون بنا في هذا النعيم. فربنا، فربنا جل وعلا يذكر أن أرواح أولئك الشهداء تتلاقى في الجنة، وتطير كما جاء في الصحيحين، وهي معلقة على قناديل في العرش، تسرح وتروح، أن تسرح الصباح مثلاً في صبح أو في غيره، وأيضاً ترجع إلى مكانها. وهذا السروح أو هذا الخروج فيه أن هذه الأرواح العظيمة والأرواح الفاضلة تتلاقى بعضها بعضاً، فيبشر بعضهم بعضاً، يسألون عن إخوانهم، ويتمنون أنهم يلحقوا بهم في هذا النعيم، مثل ما قال ذاك الرجل في قوم يس، قال: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾، تمنى أن يكون قومه يلحقون به. وأيضاً يعطون من هذا النعيم العظيم، وهذا لصفاء أنفسهم، وما كانوا من أهل الجنة إلا لصفاء قلوبهم لإخوانهم، وكذلك عدم الضغائن في قلوبهم، فهم يحبون الخير لإخوانهم أهل الإسلام. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». فلهذا أهل الجنة أهل البذل، الذين يبدلون رحماتهم وتواضعهم وأموالهم، وكذلك كل شيء فيه خير يبدلونه لإخوانهم، وكذلك يتمنونه لإخوانهم، بخلاف الشحيح الطماع الذي لا يريد إلا لنفسه، الأناني كما نقول. فهذا غالباً لا يكون من أهل الجنة، لماذا؟ لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. ما تدخل هذه الجنة إلا إذا وقيت شحها. وأما هذا الطمع، وأيضاً كذلك الأنانية، غالباً ترجع العبد والعياذ بالله إلى جهنم. فلهذا لصفاء أنفس أهل الجنة يتمنون أن يكون كل أحد يرجع إليهم ويكون مثلهم، خاصة إخوانهم الذين معهم. ﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، يبشرونهم، يبشر بعضهم بعضاً، قد يكون هذا له أخ، ذاك له صديق، فيقول له: فلان مثلاً لا يحزن ولا يخاف، هو سيأتي إن شاء الله تعالى معنا، لأنه يعلم صدقه، ويعلم أيضاً كذلك تفانيه في الله عز وجل. فقال الله عز وجل: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾، وأيضاً قال سبحانه وتعالى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾، كأنهم على يقين أنهم يأتون، فلهذا يستبشرون ﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. فلهذا قال شيخنا: وفيه تلاقي أرواح أهل الخير، وزيارة بعضهم بعضاً، وتبشير بعضهم بعضاً. وفيه أيضاً ما ذكرنا قبل. فإن شاء الله هذه بعض الفوائد في هذه الآية، نكتفي بهذا. الله تعالى.