الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 99، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر العلامة السعدي آيات تصف المنافقين الذين تخلفوا عن الجهاد وادعوا كذباً أن طاعتهم كانت ستمنع القتل، مبيناً اعتراضهم على قدر الله. ويرد الله عليهم بتحديهم أن يدفعوا الموت عن أنفسهم إن كانوا صادقين، مؤكداً أن الأجل محتوم لا يرده قعود أو خروج.
يستعرض المقطع انتصار المسلمين في غزوة مؤتة بفضل حنكة خالد بن الوليد الذي أخرج الجيش سالماً رغم قلة العدد، ويذكر وفاة خالد على فراشه رغم جراحه الكثيرة. ثم ينتقل لرد القرآن على المنافقين الذين اعترضوا على قدر الله وتدبير النبي، مبيناً أن العبد قد يجمع بين خصال الإيمان والنفاق دون أن يخرج عن الإسلام.
يشرح المقطع أن المؤمن قد توجد فيه خصال من النفاق تنقص إيمانه دون أن تخرجه من الإسلام، بينما خصال الإيمان لا تنفع الكافر. ويستدل بحديث الأربع خصال وآيات أحد على أن العبد قد يجمع بين خصلتي إيمان وكفر، ويكون أقرب إلى إحداهما حسب أصل اعتقاده.
يختتم المتحدث بيانه بمسألة حكم تارك الصلاة مشيراً إلى أن شيخ الإسلام ابن تيمية في المجلد الثالث من الفتاوى والإمام ابن القيم في كتاب «تارك الصلاة» قد بينا المسألة بياناً كافياً. ثم يسأل الله الاكتفاء بذلك ويختتم بالدعاء والتسليم لعلم الله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال العلامة السعدي رحمه الله عند تفسير قول الله جل وعلا: ﴿الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا﴾، قل: ﴿فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين﴾. وهؤلاء كما تقدم في الآيات التي قبلها، سماهم الله عز وجل أهل النفاق: ﴿وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا﴾، قالوا: ﴿لو نعلم قتالاً لاتبعناكم﴾، هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان. اعتذروا بأعذار كاذبة، وأعذار ليست صحيحة. قال الله عز وجل عن هذه الأعذار: ﴿يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون﴾. ثم بيّن من هؤلاء الذين وصفهم الله عز وجل بالكفر والنفاق، قال: ﴿الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا﴾، أي: جمعوا بين التخلف عن الجهاد، وبين الاعتراض والتكذيب بقضاء الله وقدره. وهؤلاء كما ذكرنا قبل كانوا يريدون الرئاسة والصدارة لهم، مع أنهم يعلمون أن الله عز وجل مؤيد لرسوله، وأيضاً يعلمون أن النبي عليه الصلاة والسلام أعرف منهم بمثل هذه الأمور، لكن يظنون أنفسهم أنهم يعرفون الحروب، فلذلك قالوا: ﴿لو أطاعونا ما قتلوا﴾. وقالوا أيضاً قبل ذلك: ﴿لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا﴾، أي: ما قتل أصحابنا، لكن لم يكن لنا من الأمر شيء، عنوا: لو كان لنا المشورة ولنا الرأي لما قتلوا. وكذبوا الله، فهذا قدر الله عز وجل. ولهذا الله عز وجل رد عليهم فقال: ﴿قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين﴾. إن كنتم تقولون مثل هذا الكلام، أنهم لو أطاعوكم ما قتلوا، فادرءوا عن أنفسكم أولاً الموت، ادفعوا الموت عن أنفسكم. وقد قال الله عز وجل لهم قبل ذلك: ﴿قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم﴾. فالأجل من الله جل وعلا، فإذا جاءت الساعة، ساعة العبد جاء أجله، وليس أنه خرج لجهاد أو أنه جالس في بيته أو كذا، وإنما هذه أسباب فقط، وإلا فالموت قد يأتي الإنسان وهو في بيته، وقد يأتيه وهو في الجهاد في القتال. فلذلك تجد أن بعض الصحابة، وبعض الصحابة، ما من قتال إلا وهو قد حضر. وعلى أقرب مثال: خالد بن الوليد رضي الله عنه، ما من قتال منذ أسلم إلا وقد حضر، والفتوحات كان من قادة الفتوحات في الشام والعراق وغيرها، وما من معركة دخل فيها إلا كان منتصراً رضي الله عنه، أي ينتصر بها للإسلام. حتى في مؤتة فكان نصراً للمسلمين، لأن عددهم كان قليلاً مع ذلك الجيش العرمرم من الروم، إلا أن خالداً بحنكته أخرج المسلمين من بينهم، ولم يستطيعوا أن يأتوا خلفهم، خافوا أن يكون لهم مدد، وبخبرته في الحروب وحنكته أخرج المسلمين من ذلك المكان دون خسائر كثيرة. وقد قتل القادة في تلك المعركة، لكن الله عز وجل سلمهم. فهذا خالد بن الوليد رضي الله عنه، مع هذه الحروب التي خاضها، وما من موضع في جسمه إلا فيه طعنة رمح أو رمية سيف، إلا أنه مات على فراشه، مات على فراشه رضي الله عنه. كان يقول: «لا قرت أعين الجبناء». فهؤلاء أصلاً جبناء، وجمعوا مع الجبن أيضاً النفاق. فقال الله عز وجل: ﴿الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا﴾، وهو اعتراض على قدر الله، وأيضاً اعتراض على تدبير رسول الله صلى الله عليه وسلم للحرب، كأنهم يعرفون أفضل من رسول الله. قال الله عز وجل: ﴿قل فادرءوا﴾، أي: ادفعوا عن أنفسكم الموت، ﴿إن كنتم صادقين﴾ أنهم لو أطاعوكم ما قتلوا، لا تقدرون على ذلك ولا تستطيعون. وفي هذه الآيات دليل على أن العبد قد يكون فيه خصلة كفر وخصلة إيمان، وقد يكون إلى حد إحداهما أقرب منه إلى الأخرى. وقد بيّن هذه المسألة الإمام ابن القيم رحمة الله عليه في رسالته «تارك الصلاة»، بيّن أن العبد قد يكون مؤمناً وفيه خصلة أو خصال من خصال الكفر، وقد يكون أيضاً كافراً ومنافقاً وفيه خصلة من خصال أو فيه خصال من خصال أهل الإيمان، أو شعب من شعب أهل الإيمان. لكن بحسب اعتقاد الشخص، فإن كان مؤمناً فهذه الخصلة التي من النفاق قد لا تضر، أي قد لا تخرجه عن الإسلام، لكن تضر إيمانه، لكنها لا تخرجه عن الإسلام، فيظل مؤمناً وفيه شعب من شعب الكفر. لهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي ذر: «يا أبا ذر، إنك امرؤ فيك جاهلية». ثم إن أبا ذر رضي الله تعالى عنه نزع عن نفسه هذه الأشياء وتاب إلى الله، أو أنه كان يعمل لما عير رجلاً أو عير مملوكاً له، فكان بعد ذلك لا يعير أحداً رضي الله تعالى عنه، بل كان يمشي مع مملوكه حتى لا يميز الناس من هو السيد ومن هو المملوك، أو من هو السيد ومن هو المولى. لكن الشاهد هو قوله: «إنك امرؤ فيك جاهلية». وكذلك أيضاً يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «اثنتان في أمتي هما بهم كفر: الطعن في الأنساب، والفخر بالأحساب». وكذلك «أربع من أمر الجاهلية». وقول النبي عليه الصلاة والسلام أيضاً في حديث عبد الله بن عمرو في الصحيحين: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من نفاق حتى يدعها». كان فيه خصلة من نفاق حتى يدعها، فهو مؤمن لكنه فيه خصال من خصال المنافقين، وفيه خصال من خصال أهل الكفر. وقد يكون أيضاً العكس، قد يكون الرجل كافراً أو منافقاً لكنه فيه خصال من خصال أهل الإيمان، لكن هذه الخصال لا تجعله مؤمناً، لا تجعله مؤمناً. لهذا قالت عائشة رضي الله عنها للنبي عليه الصلاة والسلام: عبد الله بن جدعان كان يفعل ويفعل، هل ينفعه ذلك؟ قال: «لا». لم يقل يوماً: «اللهم اغفر لي ذنبي وأرشد أمري»، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «عن أنه لم ينفعه تلك الخصال التي كان يفعلها»، مع أن الخصال خير، فيها مساعدة للناس، وأيضاً كذلك إحسان لهم، لكنها لم تنفعه، لماذا؟ لأنه كان كافراً. فلذلك فخصال الإيمان لا تنفع الكافر، لكن خصال الكفر تضر بإيمان العبد، تضر بإيمان العبد، لكنه لا تخرجه عن الإسلام، لا تخرجه عن الإسلام. فلذلك قال المؤلف رحمه الله: هذه الآيات دليل على أن العبد قد يكون فيه خصلة كفر وخصلة إيمان، وقد يكون إلى إحداهما أقرب منه إلى الأخرى. لأن الله عز وجل بيّن في هذه الآيات أولاً لأهل الإيمان، ثم قال: ﴿وليعلم الذين آمنوا﴾، أو ﴿ليعلم الذين نافقوا﴾، وقيل لهم: ﴿تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا﴾، فوجه الخطاب إلى أهل الإيمان، ثم وجهه إلى أهل النفاق. ﴿وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله﴾، ﴿وليعلم المؤمنين﴾، ﴿وليعلم الذين نافقوا﴾، وقيل لهم: ﴿تعالوا قاتلوا في سبيل الله﴾. فقد يشترك أهل الإيمان وأهل النفاق في بعض الصفات، وهذا لا يدل على أن المؤمن يعتبر منافقاً، لا، ولا يدل أيضاً أن المنافق مؤمن. فالأمر إنما بأصل الإيمان وأصل الكفر. فإن كان الرجل مؤمناً معتقداً للإيمان، فإن خصلة النفاق تضر إيمانه، أي تنقص إيمانه، لكن لا تخرجه من دائرة الإسلام، إلا إذا ناقضت هذا الإيمان. إذا ناقضت هذا الإيمان فإنها تخرجه. وأما إذا كانت من خصال الكفر التي لا تناقض الإيمان، أو أنها تناقضه لكن تاب ورجع منها، فإنه يبقى على إيمانه. فلذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «حتى يدعها». فقال: هذه الآيات دليل على أن العبد قد يكون فيه خصلة كفر وخصلة إيمان، وقد يكون إلى إحداهما أقرب منه إلى الأخرى. وقد بينا أيضاً هذه المسألة، شيخ الإسلام في المجلد الثالث من الفتاوى، وكذلك كما قلنا الإمام ابن قيم في كتابه «تارك الصلاة»، بينا هذه المسألة بياناً كافياً. فنسأل الله أن نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. جزاكم الله خيراً. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر