تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 97

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 97

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 97، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير آيات غزوة أحد: تسلية المؤمنين وبيان سبب المصيبة

يشرح العلامة السعدي آيات سورة آل عمران المتعلقة بغزوة أحد، مبيناً أن الله سلى المؤمنين بمقتل سبعين من المشركين في بدر مقابل استشهاد سبعين في أحد. ويوضح أن سبب المصيبة هو تنازع المسلمين وعصيانهم لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم.

نتائج غزوة أحد وحكمتها الشرعية: ليست هزيمة عسكرية

يبيّن المقطع أن ما أصاب المسلمين في أحد ليس هزيمة بالمعنى العسكري بل مصيبة وابتلاء، بدليل عدم أسر الكفار للمسلمين ولا غنائمهم ومطاردة النبي صلى الله عليه وسلم لهم حتى حمراء الأسد. ويرجع السبب المباشر إلى مخالفة الرماة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، مؤكداً أن المصيبة من عند أنفسهم.

تولية المسلمين يوم أحد وعاقبة سوء الظن بالله وحكمة الابتلاء

يستعرض المقطع سبب انكشاف المسلمين وتوليهم مدبرين يوم أحد مع تأكيد عفو الله عنهم وتحذيرهم من تكرار المعصية. ويختم بذكر نتائج الغزوة في حمراء الأسد والأحزاب، محذراً من سوء الظن بالله كما فعل المنافقون، ومبيناً أن الابتلاء بالعدو سنة إلهية لتمحيص المؤمنين.

تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ وبيان حكمة الابتلاء

يوضح المقطع أن الله سبحانه قادر على الانتصار من الكافرين بذاته، لكنه شرع الجهاد ليبتلي المؤمنين ببعضهم وليختبر صبرهم وإيمانهم. ويشير إلى أن المؤلف ذكر هذا المعنى في تفسير الآية على أن يكمل شرحه في الدرس القادم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ ۝ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ ۝ الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. فهذا بعد الفصل الذي ذكره الله عز وجل بعد الآيات التي جاءت في غزوة أحد، ذكر فصلًا ذكر ربنا جل وعلا ببعض الأشياء، ومنها وجود النبي عليه الصلاة والسلام بينهم وفيهم، وأنه رحمة وهدى، وأنه أيضًا يزكيهم ويطهرهم، ومن ابتعد عنه فإنه يكون من أهل الريب ومن أهل النفاق والشك؛ لأنه لا يزكى. ثم إن الله عز وجل أراد أيضًا أن يذكرهم بعد ما أصابهم من ما حصل في أحد من قتل سبعين منهم، فقال: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾، أي في بدر. قال المؤلف رحمه الله: هذه تسلية من الله تعالى لعباده المؤمنين حين أصابهم ما أصابهم يوم أحد، وقتل منهم نحو سبعين، فقال الله: إنكم قد أصبتم من المشركين مثليها، أي يوم بدر، فقتلتم سبعين من كبارهم وأسرتم سبعين، فليهن الأمر ولتخف المصيبة عليكم، مع أنكم لا تستوون أنتم وهم؛ فإن قتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار. فهذه تسلية من الله عز وجل لما أصاب من الحزن، أو خاصة الأنصار؛ لأن أكثر القتل كان في الأنصار، قتل منهم أربع وستون رجلًا من الأنصار، فلذلك كان الحزن فيهم أكثر، فأراد ربنا جل وعلا أن يسليهم وذكرهم ما حصل في بدر. وأيضًا كذلك أن هذا الشيء الذي أصابكم هو من عند أنفسكم، أي بسبب ما حصل منكم حين تنازعتم وعصيتم، من بعد ما أراكم ما تحبون، أراكم النصر، فتنازعتم وعصيتم الرسول. فقال الله عز وجل: ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾، فإني قد أصبتم مثليها، ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾، أي من أين أصابنا ما أصابنا وهُزِمنا. وهناك بعض الخلاف بين أهل السير وأهل التاريخ: هل في أحد تسمى هزيمة أو لا تسمى هزيمة؟ لأن بعض أهل السير يقولون: إنها لا تسمى هزيمة؛ لأن الهزيمة يتبع مدبرهم، بمعنى إذا حصلت الهزيمة يكون هذا المنهزم يخرج من المكان ويتبعه هذا الغالب والمنتصر. لكن في أحد حصل العكس: النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه صعدوا الجبل، وبقي أبو سفيان ومن معه في ذلك المكان قليلًا، ثم خرجوا، وخرجوا وهم خائفون. فلو كانوا هم المنتصرون لدخلوا إلى المدينة وجاءوا إلى المدينة، لكن ما استطاعوا يفعلوا ذلك. عندهم غلبة، لكن غلبتهم أيضًا لا زالت في خوف منهم؛ لأنه بسبب ما حصل للمسلمين من التفاف، أو التفاف الكفار عليهم، فحصل شيء من الهروب لأنهم حُصروا في مكان واحد. فلذلك لم يستطع هؤلاء الكفار أن يغلبوهم في المواجهة؛ لما تواجهوا بسرعة انهزم هؤلاء الكفار. لكن لما فعلوا هذه الحيلة وأنهم جاءوا من خلف وحصروا المسلمين، فحصل أنه قتل جماعة كبيرة من المسلمين، لكن لا زال الخوف فيهم. فلذلك لما دخلوا، أو لما طلع النبي صلى الله عليه وسلم الجبل، خرجوا بسرعة من المكان. ولما رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، أرسل في إثرهم، أرسل في إثرهم جماعة ممن حضر أحد، وقال: لا يذهب إلا من كان في أحد. فخرجوا وهم سبعمائة، وقيل أكثر، فخرجوا حتى جاءوا إلى حمراء الأسد، كما سيأتي إن شاء الله في الآيات. فلذلك قال بعض العلماء: إن أحدًا ما كانت هزيمة. وأيضًا مما يدل على أنها ليست هزيمة: أنه ليس لهم أسارى، ليس للكفار أسارى، ولا غنائم؛ لم يغنموا شيئًا، ولم يؤسروا أحدًا من المسلمين. بل أن الأسر كان فيهم، على ما ذكر ابن إسحاق وغيره، أنهم أسروا رجلًا يقال له: أبو عزة. أنا أهل الإسلام، أو المسلمون، أسروا رجلًا يقال له: أبو عزة، أسروه عندما لحقوا بهم، فلحقوا فوجدوا أبا عزة هذا ومعه رجل آخر، فذاك قاوم فقتل، وأبو عزة استسلم فأخذوه أسيرًا، ويقال أنه قُتل، أو قُتل في المدينة، أنا قتلوه. فلذلك فهم لم يكن معهم أسارى من المسلمين، ولم يكن معهم غنائم. فلذلك قال بعض العلماء، كما قلنا: إن ما حصل للمسلمين في أحد ليس هزيمة، لكن شيء من الغلبة الذي أصابهم، شيء من الغلبة. ولهذا الله عز وجل لم يسمه هزيمة، وإنما سماه مصيبة، وسماه قرحًا وهو الجرح: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾. قال: فقال الله عز وجل: ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾، أي من أين، من أين أصابنا ما أصابنا وهُزِمنا. قال: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾، أي حين تنازعتم وعصيتم، من بعد ما أراكم ما تحبون، أي من النصر في البداية. لأن البداية لما تواجهوا انهزم الكفار، بل بعضهم قد ولوا الدبر وخرجوا، ومنهم خالد بن الوليد رضي الله عنه ومعه مجموعة من الكفار، أولاً خرجوا من ساحة القتال. لكن لما رأى أن الرماة قد خرجوا، وأن هناك مكانًا يأتي به من خلف، ذهب إلى ذلك المكان. وهذا كله من الله عز وجل، وله الحكمة البالغة جل وعلا. قال: فعودوا على أنفسكم باللوم، واحذروا من الأسباب المردية. معناه: هذا بسبب أنفسكم، لا تلوموا أحدًا، لوموا أنفسكم. من أين جاءت هذه الهزيمة؟ ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. حصل معناه أنهم خرجوا بدون إذن النبي عليه الصلاة والسلام، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم أكد عليهم، قال لهم: «إن رأيتمونا نغنم فلا تخرجوا، وإن رأيتمونا نُقتل فلا تخرجوا». هذا كلام واضح، معناه في الحالتين: حتى لو رأيتمونا نغنم، نجمع الغنيمة، لا تخرجوا. وإذا رأيتمونا نُقتل أيضًا لا تخرجوا. حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن لا يخرجوا حتى في وقت الهزيمة. لكن لما رأى بعض الصحابة الآخرين يجمعون الغنيمة، خرجوا، أرادوا أن يجمعوا الغنيمة معهم، فحصل ما حصل. فلذلك قال الله عز وجل: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾. والأمر الآخر أيضًا: التولية التي حصلت من كثير من جيش المسلمين، التولية التي حصلت من كثير من جيش المسلمين؛ لأنهم لما فاجأهم الكفار، كثير، كما قال الله عز وجل: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾. تصعدون، معناه: تودون الهرب، ولا تنظرون في أصحابكم: أين ذهبوا؟ أين كل واحد يريد أن يفر من ذلك المكان حتى ينجو بنفسه؟ فهذا التولي الذي حصل، لا محالة الله عز وجل عليه، لكن بعد ذلك عفا عنهم: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْكُمْ﴾. فلذلك حصل أشياء في أحد، لكن الله عز وجل غفرها لهم. وإن من باب التذكرة فقط، من باب أن يذكرهم حتى لا يحصل منهم مرة أخرى. وإلا وإن كان قد قتل منهم سبعون، لكن لم يؤسروا أحدًا. وكذلك أيضًا بقية جيش المسلمين لا زالت، بل إنه لما خرجوا إلى حمراء الأسد، أحدث رعبًا شديدًا في الكفار، أن خروجهم جعل الكفار يهربون، يقولون: كيف هؤلاء بهم جراحات وبهم كذا وهم يخرجون إلى ذلك المكان؟ وحمراء الأسد أقرب إلى مكة. فلذلك أصابهم الذعر والرعب. ولهذا صار أبو سفيان يجمع العرب ويجمع القبائل لأجل أن يغزوا المدينة، فحصل ما حصل في الأحزاب، وانهزم هؤلاء أهل الشرك. وقال النبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك: «الآن نغزوهم ولا يغزونا». وكل ذلك هي أحكام من الله جل وعلا، وهو ربنا جل وعلا يعلم بمصلحة العباد، وكذلك هو خبير جل وعلا ولطيف بعباده. فقال: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾، حين تنازعتم، من بعد ما أراكم ما تحبون. فعودوا، فإياكم وسوء الظن بالله، فإنه قادر على نصركم. لأن هذا حصل من بعض المنافقين، أنهم أساءوا الظن، بل قالوا كما سيأتي في الآيات: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾. هذا سوء ظن بالله وبرسوله، وأن النبي صلى الله عليه وسلم ما يعرف يدبر الحرب، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام إنما يأتمر بأمر الله. فهذا فيه سوء ظن بالله جل وعلا. فربنا جل وعلا يحذر أهل الإيمان أن تسيء بهم الظنون، مثل أولئك المنافقين. ولهذا ذكرهم الله عز وجل بعد ذلك، فقال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. الله عز وجل قادر أن ينصركم، قادر أيضًا أن يجعل لكم النصر في كل مرة، لكن له الحكم البالغة سبحانه وتعالى. قال: فإياكم وسوء الظن بالله، فإنه قادر على نصركم، ولكن له أتم الحكم في ابتلائكم ومصيبتكم. وكما ذكر الله عز وجل: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾، أو قال الله عز وجل: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾. فهذا تمحيص من الله عز وجل لأهل الإيمان. قالوا: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾، ولكن ليبلو بعضكم ببعض، ﴿لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾، يجعل بعضكم ابتلاء بعض، فيجعل الكفار ابتلاء المسلمين، ويجعل أهل الإسلام ابتلاء الكفار. معنى كيف يبتليهم؟ يبتليهم بالكفار، بمعنى أنه يسلط عليهم الكفار ابتلاء من الله. ولهذا لما دعا النبي عليه الصلاة والسلام بدعوات ثلاث، فقال: «اللهم لا تسلط علينا عدوًا من غيرنا فيستبيح بيضتنا»، أي يقتلنا كلنا. لكن الله عز وجل يجعل هؤلاء الكفار فتنة لأهل الإسلام، فتنة لضعاف الأنفس أحيانًا، أو أحيانًا لأجل أن يبتليهم حتى يرى إيمانهم وصبرهم في ذات الله جل وعلا. قالوا: لكن له أتم الحكم في ابتلائكم ومصيبتكم، ذلك ﴿وَلَوْ شَاءَ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾، معنى لا جعل النصر لكم والغلب عليهم، لكن الله عز وجل له الحكمة جل وعلا. قال: ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾. فهذا ما ذكره المؤلف رحمه الله في هذه الآية. إن شاء الله تعالى نكمل في الدرس اللاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى على ما نقول شهيد.