التعليق على كتاب الداء والدواء 34

التعليق على كتاب الداء والدواء 34

الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 34، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

عقوبات الذنوب: الخوف والوحشة ومرض القلب

يستعرض المحاضر عقوبات الذنوب التي ذكرها ابن القيم كإلقاء الرعب في قلب العاصي والوحشة بينه وبين الخالق والمخلوق. ويؤكد أن مرض القلب الناتج عن المعصية يمنع صاحبه من الانتفاع بالطاعات وصلاح الجوارح.

أثر الذنوب في القلب وصلاحه بنعيم الدارين

يشرح المقطع أن الذنوب أمراض للقلب لا دواء لها إلا تركها، وأن صلاح القلب سبب لصلاح الجوارح ونعيم الدنيا والآخرة. بينما فساد القلب يورث الرياء والشقاء في البرزخ ويبعد العبد عن محبة الله.

مقارنة عذاب المعصية بنعيم الطاعة في المراحل الثلاث

يقارن المحاضر بين أنواع العذاب الثلاثة التي يلاقيها العاصي في الدنيا والبرزخ والآخرة، ونعيم أهل الطاعة في تلك المراحل. محذراً من غبن من باع حظه الأخروي بثمن بخس من ملذات الدنيا الفانية.

الخاتمة والدعاء بالخير والصلاة على النبي

يختتم المتحدث الدرس بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، والحمد لله رب العالمين على تمام النعمة. ويسلم الأمر لعلم الله المحيط بكل شيء داعياً بالقبول والتوفيق.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمةً للعالمين بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. أما بعد، فلا نزال أيها الأحبة في الله مع الداء والدواء، وهو الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لشيخ الإسلام الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي، المشهور بابن القيم، ويقال ابن قيم الجوزية. أبوه رحمه الله تعالى كان قيمًا وقائمًا على تلك المدرسة المشهورة الكبيرة المسماة بالجوزية، فيقال له ابن القيم وابن قيم الجوزية. ونحن لا نزال مع عقوبات سببها الذنوب والمعاصي. وأطال رحمه الله تعالى وأجاد وأفاد في سرده هذه العقوبات، وصرده يدل على رسوخه وعلى تمكنه في هذا الباب وفي غيره من الأبواب، فهو من فرسان هذا الميدان ومن الأئمة في هذا الباب، ألا وهو ما يتعلق بطب القلوب وأمراضها وعلاجها. فأجاد رحمه الله تعالى في طرحه وصرده رحمه الله تعالى. ومن آخر ما تكلمنا عنه حول هذه العقوبات، ذكرنا ما ذكره أن من عقوبات الذنوب والمعاصي ما يلقيه الله سبحانه من الرعب والخوف في قلب العاصي، فلا تراه أي العاصي إلا خائفًا مرعوبًا. فسبب هذا الرعب وهذا الخوف هو ماذا؟ هذه المعاصي التي يتلبس بها، يخاف أن يكشف ويخشى أن يطلع أحد على جرمه وعلى فعله، وخاف من أي حركة ومن أي صوت إلى غير ذلك. وكذلك أيضًا بينما الطاعات على العكس، فهي سبب للأمن والأمان، طمأنينة في القلوب، وهكذا راحة في الأجساد. كذلكم أيضًا ذكر أن من عقوبات الذنوب والمعاصي وحشة عظيمة في قلب العاصي، هذا المذنب يجد نفسه استوحشا، فلا يشعر براحة ولا يجد طمأنينة. هذه الوحشة بينه وبين نفسه، وبينه وبين الآخرين، وأعظم من هذا كله بينه وبين الله تبارك وتعالى. يسمع القرآن يتضايق وينزعج، بينما لو سمع غناء الشيطان تجده لربما تسكن جوارحه وترتاح نفسه. وهكذا قل في غيرها من العبادات ك الصلوات وغيرها، يشعر أنه في سجن لا يدري متى يخرج منه بسلام. الإمام، ولهذا أول ما يسلم الإمام تجد البعض يتقافز ومصرعًا إلى الأبواب، جالسًا على الدكك أو فاتحًا للجوالات والأجهزة إلى غير ذلك. نسأل المولى تبارك وتعالى العافية والسلامة. فإن كنت قد أوحشتك الذنوب، فدعها إذا شئت واستأنس بذكر الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. استأنس بالصلاة، كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر، أخافه، أزعجه أمر، فزع أو فزع إلى الصلاة، فزع إلى الصلاة. وهكذا كان يقول: «يا بلال أرحنا بها، يا بلال أرحنا بها». وكان عليه الصلاة والسلام يقول: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِن دُنْيَاكُمُ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ»، وجعلت قرة عيني في الصلاة. فأسأل المولى عز وجل أن يحفظ علينا ديننا وأن يتوفانا مسلمين. قال رحمه الله تعالى: قال فصل، قال: ومن عقوباتها، أي عقوبات الذنوب والمعاصي، قال: أنها تصرف القلب عن صحته واستقامته إلى مرضه وانحرافه. تصرف القلب من ماذا؟ من صحته واستقامته إلى ماذا؟ إلى مرضه وانحرافه. قال: قال: فلا يزال مريضًا معلولًا لا ينتفع بالأغذية التي بها حياته وصلاحه، وإن صلى وصام وحج وجاهد وتصدق، لا ينتفع بهذا، لماذا؟ للمرض الموجود في القلب، للمرض الموجود في القلب. مثله كمثل المريض، كمثل المريض جسمه، إنسان مصاب بحمى أو بغيرها من الأمراض الشديدة، فمهما أعطي من الطعام لا يشتهيه، لربما يشعر بمرارة الحال منه. وهكذا مرض القلب، وهكذا مرض القلب، يسمع القرآن ما يتأثر، يدخل في الصلاة لا يخشع، تلقى عليه المواعظ والنصائح فلا ينتفع بها. والنبي صلى الله عليه وسلم من أحاديثه الجامعة، فقد أوتي جوامع الكلم عليه الصلاة والسلام، ما جاء في حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ»، واضح ظاهر، وإن الحرام بين، أي واضح ظاهر. أين الإشكال؟ قال: «وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ»، يعني فيها شبه بالحلال، في نفس الوقت فيها شبه بالحرام، ولأجل هذا الاشتباه قد يخفى حكمها، ليس على القليل وإنما على الكثير من الناس. قال: «بَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ». طيب، ما هو الحل؟ قال: «فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ». استبرأ، السين هذه السين ماذا يا أبا خالد؟ استبرأ، هذه السين سين ماذا؟ الطلب، أي طلب البراءة لدينه من النقص، ولعرضه من الطعن. قال: «فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ». ما سيسلم من الحرام، إن سلم أولاً قد لا يسلم ثانيًا أو ثالثًا. قال: «كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى»، هذه منطقة يمنع رعي الأغنام فيها، يأتي واحد يقول: أنا ما سأدخل داخل المنطقة لكن سأكون على مقرب منها. قال: «يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ»، تدخل أحد هذه الأغنام إلى المنطقة المحظورة، من سيعاقب البهيمة أم صاحبها؟ لا شك أن صاحبها هو الذي سيعاقب. قال: «يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى». هذه المحرمات يا إخوان، هناك أشياء ماذا قد يقع فيها الشخص قبل وقوعه في الحرام؟ هذه قد تكون مكروهات، قد تكون بعض المشبوهات إلى غير ذلك. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةٌ». ما هي المضغة؟ ما هي المضغة يا أبا تميم؟ قطعة من اللحم. المضغة ثم يكون مضغة مثل ذلك، قطعة من اللحم. لكن هذه المضغة التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم، بل ذكرها، هذه خطيرة جدًا. قال: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةٌ، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ». إذن هنا المركز الذي تنطلق منه الأوامر إلى بقية الأعضاء، إلى بقية الأعضاء. القلب كالملك، وبقية الأعضاء كالجنود المطيعين لهذا الملك. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا مُدْرِكُ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ». قال: «فَالْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْأُذُنَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ، وَالْيَدُ تَزْنِي وَزِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا الْخُطَى». ماذا بعدها؟ قال: «وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى». من الذي يأمر العين أن تنظر؟ القلب. والأذن أن تسمع؟ القلب. واليد أن تأخذ أو تعطي أو تبطش أو غيرها؟ القلب. من الذي يأمر الرجلين أن تمشيان إلى مكان كذا وأرض كذا؟ القلب. إذن هنا الأوامر، والجوارح تستجيب لهذا الأمر. فإذا كان القلب صالحًا، أوامره صالحة. على سبيل المثال معك جوال تقلب فيه، فتظهر بعض الصور، من باب إحسان الظن تظهر بعض الصور. القلب إذا رأى الصورة هنا يظهر حاله، فإن كان مريضًا قال: اضغط عليها، انظر ماذا بالداخل. فهناك أشياء ماذا تسر الناظرين وتريح القلب، هذا لأنه مريض، سيبقى يسترسل من صورة إلى صورة ومن مقطع إلى مقطع. نسأل الله العافية والسلامة. لكن القلب السليم ينزعج إذا رأى شيئًا يغضب الله عز وجل، قل: احذف، اخرج، ابتعد. هنا أوامر من القلب إلى العين إلى الأذن إلى غيرها من الجوارح. قال: «أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ». ولهذا يا إخوان هذا الكتاب يخاطب القلوب، وفيه جهد عظيم لعلاج القلوب. إذا صلح القلب وسلم القلب، هنا مباشرة تصلح الجوارح وتسلم وتسلم. قال رحمه الله تعالى: قال: فلا يزال مريضًا معلولًا لا ينتفع بالأغذية التي بها حياته وصلاحه، وإن صلى وصام وحج وجاهد وتصدق، كان فاسد القصد والاستقامة في ذلك كله. قال: والغالب على من هو كذلك أن تقع أعماله غالبًا رياء وسمعة، رياء وسمعة. وهذا يا إخوان كحال المنافقين، كحال المنافقين: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، إلا قليلاً، إلا قليلاً. يخرجون في الغزوات إلى الجهاد، قال تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾. يخرجون إلى الغزوات لكن ليس بنية نصرة الدين وعز المسلمين، وإنما رياء، وهكذا سعيا في الفتنة وإرباك صفوف المسلمين. وهكذا لو وجدوا فرصة لنالوا من النبي صلى الله عليه وسلم. في غزوة تبوك تآمر مجموعة من المنافقين على قتل النبي صلى الله عليه وسلم، لكن الله دفعهم عنه عليه الصلاة والسلام، فلم يصل إلى المقصود ولم يحقق الهدف المنشود. قال: فإن تأثير الذنوب في القلوب كتأثير الأمراض في الأبدان. قال: بل الذنوب هي أمراض القلوب وأدواؤها، ولا دواء لها إلا تركها. مرّ معنا قول القائل: رأيت الذنوب تميت القلوب، وقد يورث الذل إدمانها، إدمانها يجعل في القلوب ذل. قال: وترك الذنوب حياة القلوب، وخير لنفسك عصيانها. وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها؟ فمن القائل يا بفواز؟ الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: قال: وقد أجمع السائرون، السائرون يعني إلى الله عز وجل من أهل العلم والخير والصلاح. قال: وقد أجمع السائرون إلى الله أن القلوب لا تُعطى مناها حتى تصل إلى مولاها. هذا يا إخوان من درر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، يقول: أجمع السائرون إلى الله أن القلوب لا تُعطى مناها. ما معنى مناها يا با محمد؟ مناها: أحسن بغيتها ومطلوبها، لا تُعطى مطلوبها. قال: حتى تصل إلى مولاها. قال: ولا تصل إلى مولاها حتى تكون صحيحة سليمة، ولا تكون صحيحة سليمة حتى ينقلب داؤها فيصير نفس دوائها، فيصير نفس دوائها. ينقلب داؤها، فالداء إذا ترك أصبح تركه دواء، أصبح تركه دواء. وترك الذنوب حياة القلوب، وخير لنفسك عصيانها. قال: ولا يصح لها ذلك إلا بمخالفة هواها، فهواها مرضها وشفاؤها مخالفته. قال: فإن استحكم المرض، فإن استحكم، ومعنى استحكم أي تمكن. قال: فإن استحكم المرض قتل أو كاد، قتل أي قتل صاحبه، أو كاد أي كاد أن يقتله، كاد أن يقتله. قال: وكما أن من نهى نفسه عن الهوى كانت الجنة مأواه، فكذلك يكون قلبه في هذه الدار في جنة عاجلة، في جنة عاجلة لا يشبه نعيم أهلها نعيم أبدًا، بل التفاوت الذي بين النعيمين كالتفاوت الذي بين نعيم الدنيا والآخرة. قال: وهذا أمر لا يصدق به إلا من باشر قلبه هذا وهذا. قال: ولا تحسب أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾، لفي جحيم، مقصور على نعيم الآخرة وجحيمها فقط. لاحظوا يا إخوان، هذه من الأمور المهمة جدًا. الله عز وجل يقول: إن الأبرار لفي نعيم، وإن الفجار لفي جحيم. يقول: النعيم والجحيم، هذا ليس مقصورًا على نعيم وجحيم الآخرة، وإنما قال: بل ذلك في دورهم، أو في دورهم الثلاثة، هم كذلك. الأبرار في نعيم في دار الدنيا، وفي نعيم في دار البرزخ، وفي نعيم في الدار الآخرة. الفجار كذلك في جحيم في الدار الدنيا، وإن تظاهر بالنعيم والراحة، فما في قلوبهم تعب وشقاوة، تعب وشقاوة. يتظاهر البعض أمام الكاميرات، تصوره وهو على المسرح أو في الحلبة أو على أرضية الملعب أو غيرها، يتظاهر أنه سعيد، يضحك ويقفز إلى غير ذلك، لكن ما يعانيه من ضيق في الصدر، وهكذا جحيم في القلب، هذا يظهر أثره بعد ذلك. قد لا ينام إلا إذا تناول مهدئًا مسكنًا منومًا. كم منهم أتعبه الأرق والقلق والضيق؟ بل كم نسمع عن حالات انتحار؟ قالوا: الفنان الفلاني وجد منتحرًا، قتل نفسه، واللاعب الفلاني أيضًا وجد ميتًا، وهكذا. حدث ولا حرج عن أحوال أهل الجحيم، وهكذا عن ماذا؟ عن حال الفجار. قال رحمه الله تعالى: قال: بل ذلك في دورهم الثلاثة، هم كذلك. قال: أعني دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار. ودار القرار، الدنيا معروفة، هذه التي نعيش أيامها ولياليها. ودار البرزخ يا أبا معاوية، ودار البرزخ ما المقصود بها؟ دار البرزخ أين يذهب العبد بعد الموت؟ القبر. إذن دار البرزخ هي القبر، هي القبر. والبرزخ يعني الفاصل بين شيئين: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ما يدخل المالح في العذب ولا الحلو في المالح، بينهما برزخ لا يبغيان. ودار القرار، ودار القرار الذي خلفك يا أبا خان. ودار القرار من هذا شامل، لا شامل هنا، نعم عنده لا لا أنت آه دار القرار الجنة هنا. طيب أين العبيد؟ العبيد أين؟ طيب، إذن دار القرار ليس الجنة فحسب، وإنما الدار الآخرة، الدار الآخرة. طيب. قال: فهؤلاء في نعيم، وهؤلاء في جحيم. قال: وهل النعيم إلا نعيم القلب؟ وهل العذاب إلا عذاب القلب؟ قال: وأي عذاب أشد من الخوف والهم والحزن وضيق الصدر وإعراض القلب عن الله والدار الآخرة؟ أي عذاب أشد من هذا؟ قال: أشد من الخوف والهم والحزن وضيق الصدر وإعراض القلب عن الله والدار الآخرة، وتعلقه بغير الله، وتعلقه بغير الله، وتفرقه عن الله، وتفرقه عن الله. ومعنى تفرقه يعني انقطاعه عن الله، كما في بعض النسخ: «بِكُلِّ وَادٍ مِّنْهُ شُعْبَةٌ». وكل شيء تعلق القلب به وأحبه من دون الله، قال: فإنه يسومه سوء العذاب. قال: فكل من أحب شيئًا غير الله عذب به ثلاث مرات. فكل من أحب شيئًا غير الله، غير الله، وماذا يخرج من هذا؟ محبة الله عز وجل ومحبة ما يحبه الله سبحانه وتعالى. قال: عذب به ثلاثة مرات في هذه الدار، أي في الدنيا. قال: فهو يعذب به قبل حصوله حتى يحصل، فإذا حصل عذب به حال حصوله بحفظه والخوف من سلبه وفواته والتنغيص والتنكيد عليه وأنواع المعارضات. قال: فإذا سلبه، أي أخذ منه، اشتد عذابه عليه وحسرته على فواته. قال: فهذه ثلاثة أنواع من العذاب في هذه الدار. معاصي يا إخوان، هذا هو حال أصحابها عند بحبوحتها عن المعصية، معذب، يبقى يشقى، يبحث، يخطط، يبذل من الأموال، هذا قبل المعصية. فإذا وقعت هو كذلك أيضًا يصيبه من العذاب ما يصيبه. وهكذا بعد المعصية إذا فاتت أو صلبت، فإنه يصيبه من التنغيص والتنكيد ما يصيبه. وملذات المعاصي ما هي إلا ما هي إلا لها فترة وجيزة يعقبها الألم والضرر. ترون أصحاب القات كيف حالهم حين أن يخزن؟ يقول لك: والله الدنيا تمام ومرتاح إلى غير ذلك. طيب، بعد ما يخرجه يجتمع عليه الأرق، ضيق، قلق، يدخل إلى بيته محمر عيناه، منتفخ وجهه وأوداجه، سريع الانفعال، شديد الغضب. ماذا؟ ضيق الصدر إلى غير ذلك. قالوا: أما في دار البرزخ فعذاب يقارنه ألم الفراق الذي لا يرجو عوده، وألم فوات ما فاته من النعيم العظيم، اشتغاله بضده، وألم الحجاب عن الله، وألم الحسرة التي تقطع الأكباد، التي تقطع الأكباد. قال: وفي الدار الآخرة ألم الحساب والعذاب وفوات الثواب. فالهم والغم والحسرة والحزن تعمل في نفوسهم نظير ما تعمل الهوام والديدان في أبدانهم. نسأل الله العافية والسلامة. قال: قال: بل عملها في النفوس دائم مستمر حتى يردها الله إلى أجسادها. قال: فحينئذ ينتقل العذاب إلى نوع آخر هو أشد وأمر وأدهى من ذلك، وأدهى من ذلك. قال: فأين هذا من نعيم؟ أو من نعيم من يرقص قلبه طربًا وفرحًا وأنسًا بربه واشتياقًا إليه وارتياحًا بحبه وطمأنينة بذكره، حتى يقول بعضهم في حال نزعه: وطرباه. والمقصود هاهنا طربوا وفرحوا القلب، وهكذا الرقص ليس المقصود أنه يرقص، وإنما قلبه يرقص فرحًا، دليلًا على السرور الذي يجده، الذي يجده. من كان هذا حاله حتى عند النزع، عند الموت، وفي السكرات، وفي السكرات، كان بعضهم ماذا حاله؟ فرح، وماذا كان يقول؟ وطرباه. وقد جاء عن الصحابي الجليل بلال بن رباح رضي الله تعالى عنه، رضي الله تعالى عنه، أنه كان يعني كما جاء من طريق سعيد بن عبد العزيز، قال: قال بلال رضي الله عنه حين حضرته الوفاة، حين حضرته الوفاة: «غَدًا نَلْقَى الْأَحِبَّةَ مُحَمَّدًا وَحِزْبَهُ، مُحَمَّدًا وَحِزْبَهُ». قال سعيد بن عبد العزيز: قالت امرأته: وويلاه. امرأته تقول: وويلاه، يعني زوجها سيموت. فقال رضي الله عنه: وفرحاه، وفرحاه. لماذا؟ سيلقى أحبابه، يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. لكن هذا إسناد منقطع بين سعيد بن عبد العزيز وبين بلال، فلم يسمع من بلال رضي الله تعالى عنه. ويقول الآخر: ويقول الآخر: «إِنْ كَانَ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ»، أي من الراحة والطمأنينة والنعيم، قال: «إِنَّهُمْ لَفِي عَيْشٍ طَيِّبٍ، إِنَّهُمْ لَفِي عَيْشٍ طَيِّبٍ». وهذا قد ذكره الإمام ابن كثير في البداية والنهاية عن الإمام أبي سليمان الداراني رحمه الله تعالى. ويقول الآخر: «مَسَاكِينُ أَهْلِ الدُّنْيَا، مَسَاكِينُ أَهْلِ الدُّنْيَا، خَرَجُوا مِنْهَا وَمَا ذَاقُوا لَذِيدَ الْعَيْشِ فِيهَا، وَمَا ذَاقُوا أَطْيَبَ مَا فِيهَا». يقول: مساكين هؤلاء أهل الدنيا، يظن أحدهم أن الراحة والنعيم في الشهوات والملذات، ومنها المحرمة، ما يدري أن لذة الطاعة ونعيم العبادة هو يعتبر من أعظم النعيم واللذة. قال: «وَمَا ذَاقُوا أَطْيَبَ مَا فِيهَا». أطيب ما فيها. وهذا كما ذكر المعلق عندنا، ذكره أبو نعيم في الحلية عن ابن المبارك: قال أهل الدنيا إذا خرجوا من الدنيا قبل أن يتق، قبل أن، قبل أن يتطعم أطيب ما فيها. قيل له: أي لابن المبارك، وما أطيب ما فيها؟ قال: المعرفة بالله، المعرفة بالله عز وجل. وهكذا جاء عن الإمام مالك بن دينار رحمه الله تعالى أنه قال: «خَرَجَ أَهْلُ الدُّنْيَا وَلَمْ يَذُوقُوا أَطْيَبَ شَيْءٍ فِيهَا، وَلَمْ يَذُوقُوا أَطْيَبَ شَيْءٍ فِيهَا». قالوا: وما هي يا أبا يحيى؟ كنية مالك بن دينار. قال: معرفة الله، معرفة الله. ويقول الآخر: «لَوْ عَلِمَ الْمُلُوكُ وَأَبْنَاءُ الْمُلُوكِ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ لَجَالَدُونَا عَلَيْهِ بِالسُّيُوفِ». لكنهم يا إخوان مساكين، يظنون أن الراحة والسعادة في القصور، بينما هي في المساجد أعظم. يظنون أن الراحة والسعادة في الأموال والترف وغير ذلك من الملذات، وإلا لو علموا بما عليه طلاب العلم في دروسهم والعباد في صلواتهم وغير ذلك، لأتوا بالسيوف كي يأخذوا ما عندهم، كي يأخذوا ما عندهم. وهذا الأثر جاء عن الإمام إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى كما في الحلية لأبي نعيم، وهكذا عند البيهقي وابن عساكر وغيرهم. وماذا؟ إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى، ماذا كان يقول؟ «لَوْ عَلِمَ الْمُلُوكُ وَأَبْنَاءُ الْمُلُوكِ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنَ السُّرُورِ وَالنَّعِيمِ، إِذًا لَجَالَدُونَا عَلَى مَا نَحْنُ فِيهِ بِأَسْيَافِهِمْ». قال: «أَيَّامُ الْحَيَاةِ عَلَى مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ لَذَّةِ الْعَيْشِ وَقِلَّةِ التَّعَبِ». صدق رحمه الله تعالى. ويقول الآخر: «إِنَّ فِي الدُّنْيَا جَنَّةً مَنْ لَمْ يَدْخُلْهَا لَمْ يَدْخُلْ جَنَّةَ الْآخِرَةِ». وهذا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وقد نقله ابن القيم في مدارج السالكين عن شيخه ابن تيمية. قال: فيا من باع حظه الغالي بأبخس الثمن، وغبن كل الغبن في هذا العقد، وهو يرى أنه قد غبن إذا لم يكن لك خبرة بقيمة السلع، فسل المقومين. هذا في الدنيا يا إخوان، كذلك أيضًا في ماذا؟ في أعمال الآخرة. إذا ما عندك خبرة في ثمن هذه العبادات والطاعات وفضلها، اسأل أهل الخبرة، وهم العلماء. قال: فيا عجبا من بضاعة معك الله مشتريها، وثمنها جنة المأوى، والسفير الذي جرى على يده عقد التبايع، وضمين الثمن عن المشتري هو الرسول، وقد بعتها بغاية الهوان. إذا كان هذا فعل عبد بنفسه، إذا كان هذا فعل عبد بنفسه، فمن ذا له من بعد ذلك يكرم؟ قال: ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾. وهذا الفصل ماتع، ومن أجمل ما يكون وأحسن ما ينتفع به أو ينتفع به المسلم، ويعتبر شاحذًا للهمم لترك الذنوب والبعد عنها، وأن الجحيم ماذا يجده الفجار في الدنيا والبرزخ والآخرة، والنعيم يجده أهل الطاعة في الدنيا وفي البرزخ، وهكذا أيضًا يوم القيامة. فأسأل المولى تبارك وتعالى أن يجعلنا من الأبرار ومن أهل النعيم، ومن المسابقين إلى الخيرات، وأن يجنبنا سبيل أهل الجحيم، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.