الدرس في كتاب الحدود 3، ألقاها
يُعرَّف الزنى لغةً وشرعًا بأنه وطء المرأة بغير عقد شرعي، وهو محرم ومن كبائر الذنوب. وردت آيات قرآنية تحرمه وتوعّد مرتكبيه بالعذاب.
الزنا يترتب عليه اختلاط الأنساب وتفكك الأسرة، وهو من أعظم الجرائم التي حذر منها الإسلام ورتب عليها أشد العقوبة. الإسلام يدعو إلى تحصيل المصالح وتقليل المفاسد.
الأدلة الشرعية من القرآن والسنة تحذر من الوسائل الموصلة إلى الزنا، وتوعظ بالابتعاد عنها. القرآن والسنة مليئان بالتحذير من هذه الوسائل.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، الباب الثاني من كتاب الحدود في حد الزنى، وفيه مسائل. أي أن هذا الباب مدخلٌ للكلام على أحكام حد الزنى وما تضمَّنه من مسائل. المسألة الأولى من مسائل هذا الباب في تعريف الزنى وحكمه وخطورته. تعريف الزنى لغةً يُطلق على وطء المرأة من غير عقدٍ شرعي، وعلى مُباشرة المرأة الأجنبية. وشَرعًا: وَطْءُ الرَّجُل المرأة في القُبُل من غير الملك وشُبهته، أو هو فعل الفاحشة في قُبُلٍ أو دُبُر. تعريف الزنى شرعًا كما ذُكِرَ ها هنا: وطءُ الرَّجُل المرأة، فخرجَ وطءُه لغير المرأة، فإنه لا يُسمَّى زِنَة. وقولُه: في القُبُل، خَرَجَ ما إذا كان وطءُ الرَّجُل المرأة في غيره. وقولُهم: من غير الملك وشُبهته، من غير الملك يدخل فيه ملك البضع بعقد النكاح، وهذا بناءً على القول بأن عقد النكاح هو تمليك البضع. وعلى ما مر معنا أن الصحيح أنه يتضمن ذلك ويتضمن كذلك المنفعة. والمراد بالملك: ملك اليمين، كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾، فيحلُّ للرجل أن يطأ الوطء الحلال، إما وطء زوجه بعقدٍ صحيح، وإما وطء من كانت في ملك يمينه ملكًا تامًا. وما عدا هذا من الوطء من الرجل لامرأة ما، فإن هذا يسمى زناء. والعلماء رحمهم الله تعالى ذكروا تعاريف كثيرة يحدون بها ويبينون فيها معنى الزناء. ومن أحسنها أن يقال: إنه وطء الرجل لامرأة لا تحل له، بغير عقد ولا ملك يمين. فخرج وطء الرجل المرأة التي تحل له، سواء كانت بعقد أو بملك يمين. حكم الزناء: الزناء محرم، وهو من كبائر الذنوب، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾، ولقول الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾، ولقول الله جل وعلا: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾. وأدلة ذلك كثيرة، منها أيضًا قول الله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾. ولحديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أي ذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًا وهو خلقك». قلت: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك». قلت: ثم أي؟ قال: «أن تزني بحليلة جارك». والحديث متفق عليه. وأجمع العلماء على تحريمه، بل تحريمه من الأمور المعلومة في دين الله جل وعلا بالضرورة. فمن أنكر تحريم الزنا فقد كفر؛ لأنه من الأمور المعلومة تحريمها في دين الله جل وعلا بالضرورة. خطورة جريمة الزنا وشناعتها ومفاسدها: الزنا من أعظم الجرائم وأشنعها وأكثرها خطرًا على الأفراد والمجتمعات؛ لما يترتب عليه من اختلاط الأنساب، باعتبار أن المرأة إذا حملت من ماء ذلك الزاني يحصل فيه خلط للأنساب. قالوا: وضياع التعارف والتناصر على الحق، وهو سبب في تفكك الأسرة وضياع الأبناء وسوء تربيتهم وفساد أخلاقهم. كل ذلك من جراء هذه الفاحشة والعياذ بالله. لذا حذر منه الإسلام أشد التحذير، ورتب على ارتكابه أشد العقوبة كما سيأتي بيانه؛ لأن الإسلام الذي شرعه الله جل وعلا لهذه الأمة يدعو إلى تحصيل المصالح وتكميلها، ويحذر وينهى عن المفاسد ويدعو إلى تقليلها وتخفيفها. والناظر في الأدلة الشرعية من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يجد أن القرآن مليء، والسنة المطهرة كذلك مليئة في التحذير عن الوسائل والأسباب الموصلة إلى الزنا. فنحمد الله جل وعلا على عظيم فضله وكريم إحسانه، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحابة أجمعين.