التعليق على كتاب الداء والدواء 61

التعليق على كتاب الداء والدواء 61

الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 61، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

أنواع العقوبات على الذنوب: الشرعية والقدرية

يوضح ابن القيم تقسيم العقوبات إلى شرعية وقدرية تشمل القلب والبدن في الدارين، مؤكداً أن كل ذنب له عقوبة لا محالة لكن العاصي قد لا يشعر بها لجهله. تشبه المعاصي بالسموم التي لا يحس بضررها إلا بعد فوات الأوان.

تأخر عقوبة المعاصي وتأثيرها التدريجي

يشبه النص المعاصي بالسموم المتأخرة الأثر مستشهداً بقصة ابن سيرين، مبيناً أن العقوبة قد تكون معجلة أو مؤجلة وأخطرها قسوة القلوب. يحذر من التمادي في الذنوب لعدم رؤية أثرها المباشر موضحاً سبل الوقاية.

قسوة القلوب وعواقب الغفلة عن ذكر الله

يحذر المقطع من قسوة القلوب الناتجة عن الغفلة مستشهداً بآية الحديد وقصة الفضيل بن عياض، مبيناً أن حرمان القلب من لذة المناجاة أعظم من المصائب الدنيوية. يختم بالتأكيد على ضرورة مراجعة النفس وإصلاح القلب.

الدعاء الختامي والصلاة على النبي

يختتم المتحدث بالدعاء بطلب اللطف والمغفرة والرحمة وصلاح الظاهر والباطن، ثم يصلي على النبي محمد وآله ويختم بالحمد لله. يعكس الختام التواضع والرجاء في عفو الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع رسالة الإمام شيخ الإسلام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي، المشهور بابن القيم، ويقال ابن قيم الجوزية، رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. وهي رسالة «الداء والدواء»، وهو الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي. وما أحوجنا جميعًا إلى أن نتذاكر مثل هذه الفصول الماتعة النافعة، التي فيها علاج لأمراض القلوب، وهكذا إصلاح للنفوس والأبدان. وآخر ما تكلمنا عنه هو فصل في العقوبات القدرية، وأنها نوعان: عقوبات قدرية على القلوب، وعقوبات قدرية على الأبدان. أيهما أشد يا أبا خالد الحداد؟ أيهما أشد: العقوبات القدرية التي تكون على القلوب، أم التي تكون على الأبدان؟ نعم، على القلوب. أحسنت. العقوبات التي تكون على القلوب هي أشد العقوبتين، بل أصل عقوبة الأبدان هو العقوبة التي تنزل على القلوب. فذكر رحمه الله تعالى العقوبات القدرية على القلوب، وأنها على نوعين: الأول: آلام يجدها العبد في قلبه، آلام وجودية يضرب بها القلب، يجد الغفلة، ويجد القلق والضيق والهم والحزن، وغيرها. الأمر الثاني: أنه قطع المواد التي بها حياته وصلاحه، فلا يصل إلى هذه القلوب ما يكون سببًا لنشاطها، وسببًا لحياتها، وسببًا لصلاحها، كانتفاعها بالذكر وسماعه، وهكذا العلم وفائدته، وهكذا غيرها. عندها تضعف القلوب، وعندها تمرض القلوب، وإذا مرضت فلم تعالج كان ذلك سببًا لموتها. وتكلم رحمه الله تعالى حول هذه العقوبات التي تكون على القلوب، وأنها تكون في الدنيا، وهكذا أيضًا تكون في البرزخ، وهكذا أيضًا تكون في الدار الآخرة. وذكر العقوبات القدرية على الأبدان، وأنها نوعان: نوع يكون في الدنيا، ونوع يكون في الآخرة. وأجاد وأفاد في كلامه حول هذه العقوبات التي سببها الذنوب والمعاصي. قال رحمه الله تعالى: «والمقصود أن عقوبات السيئات تتنوع إلى عقوبات شرعية وعقوبات قدرية». ما هي العقوبات الشرعية؟ ما هي العقوبات الشرعية؟ نعم يا عبد الرحمن: الجلد والرجم. ماذا تسمى هذه؟ الجلد والرجم والقتل تسمى ماذا؟ حدود. أحسنت، تسمى حدودًا. فالحدود التي تقام على أصحابها كجلد شارب الخمر، وقاذف المحصن والمحصنة، وهكذا جلد الزاني البكر، وهكذا أيضًا كقتل قاتل النفس بغير حق، وهكذا رجم الثيب الزاني، وهكذا قطع يد السارق، وغيرها من الحدود. وهكذا التعزيرات التي هي دون الحد، وهكذا الكفارات. هذه كلها عقوبات شرعية. ما مثال العقوبات القدرية؟ ما مثال العقوبات القدرية يا أبا الزبير؟ ما مثالها؟ ما مثال العقوبات القدرية؟ هذه الفصول التي أطلنا فيها كلها عقوبات قدرية: كحرمان العلم، قد يحرم الرزق، قد يحرم، أو ماذا؟ قد يبتلى كذلك بالوحشة فيما بينه وبين الله، أو فيما بينه وبين الناس، بل وحشة بينه وبين نفسه، وهكذا غيرها. غيرها من قلة البركة في الزرع، أو في الضرع في الحيوان، أو في المال، أو غيره. فهذا وغيره كثير تعتبر عقوبات قدرية، سببها الذنوب والمعاصي. قال: «وهي إما في القلب، وإما في البدن»، أي عقوبات قلبية أو بدنية كما سبق. «وإما فيهما»، أي في القلب والبدن معًا. «وعقوبات في دار البرزخ». قلنا: ما هو البرزخ عندك؟ ما هو البرزخ؟ نعم، الذي بجانبك يا باجعفر، أوضح له السؤال. ما معنى البرزخ؟ ما معنى البرزخ؟ نعم، ارفع صوتك. ما معنى البرزخ؟ عقوبات في دار البرزخ. الدور ثلاثة: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار الآخرة. ما هو البرزخ؟ نعم، بين الدنيا والآخرة. فما هو؟ ماذا يسمى؟ آه، أحسنت. القبر. لله درك، أحسنت. فدار البرزخ هي دار القبر، والقبر فاصل بين الدنيا وبين الآخرة: ﴿ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ ﴾ [الرحمن: 19-20]، لهذا يدخل على هذا، ولهذا يدخل على ذاك. «وعقوبات في دار البرزخ بعد الموت، وعقوبات يوم حشر الأجساد». ويوم حشر الأجساد يعني في يوم القيامة. قال رحمه الله تعالى: «فالذنب لا يخلو من عقوبة ألبتة، ولكن لجهل العبد لا يشعر بما هو فيه من العقوبة». لاحظوا يا إخوان، هذه درر، هذه قواعد عظيمة، نثرها ابن القيم رحمه الله تعالى. يقول: «فالذنب لا يخلو من عقوبة ألبتة»، قال: «ولكن لجهل العبد لا يشعر بما هو فيه من العقوبة، لأنه بمنزلة السكران والمخدر والنائم الذي لا يشعر بالألم، فإذا استيقظ وصح أحس بالمؤلم». والعاصي يعيش سكرة المعصية ونشوة اللذة، فلا يشعر بهذه العقوبات. فمتى صح أحس بالألم. قال: «فترتب العقوبات على الذنوب كترتب الإحراق على النار، والكسر على الانكسار، والإغراق على الماء، وفساد البدن على السموم، والأمراض على الأسباب الجالبة لها». ومعنى هذا يا إخوان: أن الذنوب هي التي تجلب العقوبة، الذنوب هي التي تجلب العقوبة، والعقوبة مترتبة على فعل الذنب، على فعل الذنب. لكن كما سبق: العبد قد لا يشعر بما هو فيه من العقوبة، قد لا يشعر، لماذا؟ بسبب جهله. ومثل ابن القيم رحمه الله تعالى مثل ذلك بأمر واقعي: كمثل الذي يأكل أطعمة ضارة، يأكل مثلًا الميتة، أو يشرب الخمر، أو يأكل الخنزير، أو يأكل الألقات، أو يمضغ التنباك، أو غيرها من هذه الأطعمة التي فيها مضرة لصحته وإهلاك له. فحين أن يتناولها فهو معجب بها، يرتاح ويشعر براحة عند تناوله لها، فيأكل، فيأكل منها مرة بعد مرة أخرى، والمرض يسري وينتشر في بدنه حتى يفتك به، حتى يهلكه تمامًا. ما يشعر إلا ويقال: يا فلان، عندك سرطان؛ يا فلان، عندك تليف في الكبد؛ يا فلان، عندك تسمم في الدم؛ فشل كلوي، إلى غير ذلك. كيف ومن أين؟ المرض يسري وينتشر، وصاحبنا لا يشعر، لأن نشوة المعصية ولذتها هي التي غلبت عليه. وهكذا يا إخوان، فالمعاصي كهذه السموم، ولا يشعر العاصي لربما بأثرها لعظم جهله، فيمضي في الذنوب ويتمادى فيها، يتمادى فيها. قال رحمه الله تعالى: «وقد تقارن المضرة للذنب، أي قد تقع معه، يفعل الحرام فيرى العقوبة مباشرة. وقد تتأخر عنه إما يسيرًا وإما مدة، كما يتأخر المرض عن سببه أو يقارنه، مثل الأمراض الحسية: البعض قد يتناول شيئًا ضارًا فيغمى عليه مباشرة، أو يصيبه مغص في بطنه مباشرة، وأحيانًا لا يتأخر ظهور الضرر بعد أيام، بل ربما يتأخر كثيرًا، فلا يظهر المرض والضرر إلا بعد سنوات». وهكذا المعاصي. يقول التابعي الجليل محمد بن سيرين رحمه الله تعالى: قال ابن سيرين: «أصابني الإفلاس، وتحملت من الديون، فأصابني غم شديد». شف، بعد أن كان من الأغنياء والأثرياء، أصيب بالإفلاس، وتحمل من الديون، فكان ذلك سببًا للهم والغم الشديد. قال: «وإني لأعلم سبب ذلك». وإذا علم السبب بطل... يا أبا حذيفة، إذا عرف السبب بطل... أكمل. إذا عرف وعلم السبب بطل... يا أبا عبد الرحمن: العجب العجب، إذا عرف السبب بطل العجب. هذا من الأمثلة العربية المشهورة. قال: «وإني لأعرف سبب ذلك». تدرون ما سبب ذلك؟ قال: «عيرت إنسانًا قبل أربعين سنة، قبل أربعين سنة عيرت إنسانًا، فقلت له: يا مفلس، فابتلاه الله بالإفلاس بعد أربعين سنة، بعد أربعين سنة». قال رحمه الله تعالى: «وكثيرًا ما يقع الغلط للعبد في هذا المقام، ما يقع الغلط للعبد في هذا المقام، ويذنب الذنب فلا يرى أثره ولا عقوبته عقبه، أي لا يرى أثر هذا الذنب بعده مباشرة، بعده مباشرة، فيكون تأخر العقوبة سببًا في تمادي العبد في الذنب». البعض يقولون: القات ضار، أنا لي عشرين سنة أخز، ما رأيت شيئًا. آخر يقول: يقولون الخمر خبيثة، أنا لي أربعين سنة وأنا أشربها، وما وجدت شيئًا فيها. وهكذا البعض يقول: أنا أستخدم تنباكًا لي عشرين سنة، ما رأيت شيئًا. يا إخوان، العقوبة قد تكون مع المعصية مقترنة بها، وقد تكون متأخرة عنها بفترة وجيزة: بأيام، أسابيع، أشهر، وقد تكون متأخرة عنها بسنوات، بسنوات. كم يا إخوان ممن كانوا يشربون الخمور سنين، منذ بداية شبابه، وما عرف المرض ووجد أثره إلا وقد بدأ الشيب ينتشر في لحيته ومفرق رأسه؟ قالوا له: يا فلان، الكبد فسدت عندك، تليف الكبد، ما سببه؟ قالوا: أكيد تتناول مسكرات. قال: نعم. إذن هذا هو المرض. البعض قد يبتل بالفشل الكلوي، تذهب كليتاه، مع أنه لربما يستخدم بعض المحرمات وبعض السموم والمضرات على مدى عشرين، ثلاثين، أربعين سنة. فهنا يا إخوان غلط يقع فيه الكثير من الناس: فيذنب الذنب فلا يرى أثره ولا عقوبته عقبه، أو عقيبه، أي بعده. قال: «ولا يدري أنه يعمل عمله على التدريج، شيئًا فشيئًا، أي الذنب يعمل في صاحبه على التدريج، شيئًا فشيئًا، كما تعمل السموم والأشياء الضارة، حذو القذة بالقذة». قال: «فإن تدارك العبد نفسه بالأدوية والاستفراغ والحمية، وإلا فهو صائر إلى الهلاك». ومر معنا أن مما تُحمى به النفوس، وهكذا الأبدان، هذه الأشياء الثلاثة: أن يتناول ويعمل شيئًا يكون سببًا لصحته، كتناول العلاجات النافعة، أو الأطعمة المفيدة، أو بالاستفراغ. ما هو الاستفراغ؟ مرة معنا قريبًا. ما هو الاستفراغ؟ الاستفراغ يا أبا عبد الرحمن، ما هو الاستفراغ؟ إخراج. أحسنت، المواد الفاسدة، إخراج المواد الضارة من البدن، وهكذا من القلب، إخراج هذه الأمراض: من الحسد، والنفاق، والرياء، والشحناء، والبغضاء، والعجب، والشهرة، وغيرها. قال: «والحمية». ما هي الحمية يا أبا الفاروق؟ ما هي الحمية؟ أولاً: تناول الأشياء المفيدة. ثانيًا: إخراج الأشياء الفاسدة. ثالثًا: الحمية. وإلا فعند أستاذك يا أبا زرع، ما هي الحمية؟ أحسن، يعني المحافظة على النفس باجتناب هذه الأشياء المضرة. أحسنتم. فهذه تسمى حمية. مثل الذي عنده ارتفاع في ضغط الدم، يجتنب ماذا يا أبا عبد الرحمن؟ يجتنب الملح، وهكذا الأشياء التي تؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم، الأشياء الدسمة ونحوها. الذي عنده سكر مرتفع، يجتنب تناول الأشياء السكرية، والتي فيها حلو ونحو ذلك. هذه حمية، هذه حمية. قال: «وإلا فهو صائر إلى الهلاك. هذا إذا كان ذنبًا واحدًا»، هذا أي الذي سبق ذكره، «إذا كان ذنبًا واحدًا ولم يتداركه بما يزيل أثره، قال: فكيف بالذنب على الذنب، كل يوم وكل ساعة؟». قال رحمه الله تعالى: «وأعظم عقوبات الذنوب ما يخص القلوب منها». لاحظوا، لاحظوا يا إخوان، ابن القيم ينبه على خطورة أمراض القلوب. قال: «وأعظم عقوبات الذنوب ما يخص القلوب منها: من القسوة، والحيلولة بينها وبين معرفة الله ومحبته، وحلاوة ذكره ومناجاته، وخشيته وخوفه، والإنابة إليه، والإخبات له، والاستعداد للقائه، ونحو ذلك». قال: «فهذه العقوبات أعظم من عقوبات الأجساد، والأجساد». وكم يا إخوان لهذه العقوبات من آثار سيئة وعواقب وخيمة! يوم أن يقرأ أحدنا القرآن فلا يتأثر به، ولا يتعظ به، ولا يخشع، ولا كذلك جوارحه تخضع. كم يا إخوان إذا غلبت الغفلة على القلوب، نسمع الخطب، ونسمع المواعظ والنصائح وغيرها، فلا نتأثر؟ ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ ﴾ [الحديد: 16]. لاحظ ما هي النتيجة: ﴿ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ [الحديد: 16]. الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى، مر معنا قريبًا شيء يتعلق بقصة هدايته: كان ساهرًا شريرًا، وذات يوم صعد على جدار يريد أن يتسلل إلى بيت، فسمع قارئًا يقرأ: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ﴾ [الحديد: 16]، فتأثر بها، وقال: بلى، بلى، يا رب. فرجع وأصلح حاله، وأصبح من كبار الزهاد العباد العلماء، ممن يشار إليه بالبنان، ممن يشار إليه بالبنان. وهكذا غيره، وهكذا غيره. فيا إخوان، يوم أن نجد قسوة في قلوبنا وغفلة عندنا، يوم أن لا نشعر بلذة عند مناجاتنا لربنا، ﴿ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ﴾ [متفق عليه]، نعلم يا إخوان أن هناك ذنوبًا، ذنوبًا هي التي حالت بيننا وبين ذلك. فليراجع كل منا حساباته، ويحرص على إصلاح حاله وإصلاح نفسه. نسأل الله العافية والسلامة. قال: «فهذه العقوبات أعظم من عقوبات الأجساد، وأخذ الأموال، وموت الأولاد، وخراب الديار، وغير ذلك، وغير ذلك. وإن كان البعض لربما يرى أن إصابة بدنه، وموت بعض أهله، وفقدان شيء من ماله، وخراب داره، البعض يرى أنها أشد، وهذا مفهوم خاطئ. فما نصاب به في قلوبنا أشد وأعظم من ذلك». قال: «قال بعض علماء بني إسرائيل». من المقصود ببني إسرائيل يا أبا أسامة؟ قال بعض علماء بني إسرائيل... من هم بنو إسرائيل يا بني إسرائيل؟ ﴿ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ [البقرة: 47]. فمن بني إسرائيل؟ بلغوا عن أبي أسامة، فأصوتك، ماذا يقول يا أبا الحسن؟ موسى وهارون هم من بني إسرائيل. نعم يا أبا الحسن، بنو يعقوب. إسرائيل هو لقب نبي الله يعقوب، ﴿ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ ﴾ [آل عمران: 93]، أي يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، عليهم صلوات ربنا وسلامه. وبنو إسرائيل المقصود بهم اليهود والنصارى وغيرهم. قال: «قال بعض علماء بني إسرائيل». واليهود يا إخوان، اليهود الخونة، اليهود الجبناء، اليهود أهل الإجرام والبغي والظلم، يسمون دولتهم الأثيمة المجرمة التي أقاموها في أرض فلسطين «دولة إسرائيل»، وإسرائيل براء من ظلمهم وبغيهم وجرائمهم وعدوانهم. هي دولة الصهاينة، هؤلاء بنو صهيون، هؤلاء أخبث الأمم. فما وجدوا في مجتمع إلا ومقتهم وأبغضهم ذلك المجتمع على مر تاريخهم. يا إخوان، لا يوجد اليهود في مجتمع إلا وهم مكرهون مبغوضون، لماذا؟ بسبب كبرهم وغطرستهم، وأيضًا غرورهم، وهكذا أيضًا ما عندهم من صفات ذميمة: فيهم الغدر، وعندهم المكر، وهكذا صفتهم الجبن والخور. هم أهل الفساد ودعاة الإفساد، هم تجار الحروب على مر تاريخهم. كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله، ويسعون في الأرض فسادًا، والله لا يحب المفسدين. أي حرب تقام، ابحث عنها، فتش فيها، قلب أوراقها، تجد أن اليهود هم الذين يقفون وراء الكواليس، فهم الذين يؤجج نيرانها، ويشعل فتيلها، ويتلذذون بآهات الحروب لأنهم تجارها، عندهم القروض، ويبيعون الأسلحة، وغير ذلك، وغير ذلك. «قال بعض علماء بني إسرائيل: يا رب، كم أذنبت ولم تعاقبني؟ كم أذنبت ولم تعاقبني؟» قال: «فأوحى الله»، قال: «فأوحى الله إلى نبيهم أن قل له: وكم أعاقبك وأنت لا تشعر؟ وكم أعاقبك وأنت لا تشعر؟ ألم أمنعك لذيذ مناجاتي وذكري؟ ألم أحل أو أحل بينك وبين معرفتي؟ ألم أشغلك بغيري عني؟» ونحو ذلك. وهذا كما أشار عندنا في التعليق: ماذا روى أبو نعيم في الحلية؟ فقال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا محمد، قال: حدثنا عبد الله، قال: أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام: «لا تغضب على الحمقى فيكثر غمك». قال: «وكان حبر»، أي عالم من أحبار بني إسرائيل، يقول: «يا رب، كم أعصيك ولا تعاقبني؟» فأوحى الله تعالى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل: «قل له: كم أعاقبك وأنت لا تدري؟ ألم أسلبك حلاوة مناجاتي؟» قال: «وانظر تفسير ابن كثير». فهذا من الأخبار الإسرائيلية، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج». وهكذا، ماذا؟ النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن أخبار بني إسرائيل، أي التي لم يأتِ في الكتاب والسنة ما يدل عليها، لا تصدق ولا تكذب. قال رحمه الله تعالى في خاتمة هذا الفصل: «فهذه عقوبات قد تضرب بها القلوب، فخرب خرابًا لا ترجى عمارته. فأي خير في جسد يعمره صاحبه بأنواع الملابس، ويغذوه بأنواع الأطعمة، ومالكه -أي القلب، ملك هذا الجسد- القلب ومالكه ميت، ومملكته معطلة، قفرًا خربًا، لا ينتفع بها؟ فالله المستعان». لهذا يا إخوان، هذا يدلنا على أهمية العناية بإصلاح القلوب وسلامتها من الآثام والمعاصي، لكي لا تقع العقوبات على هذه القلوب وهذه الأبدان، لا في الدنيا، ولا في البرزخ، ولا في الدار الآخرة. أسأل المولى تبارك وتعالى أن يلطف بنا، وأن يغفر لنا، وأن يرحمنا، وأن يتجاوز عن تقصيرنا وإساءتنا، وأن يصلح ظاهرنا وباطننا، وسرنا وعلانيتنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.