الدرس في تفسير سورة المطففين من تفسير الجلالين 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول تفسير الآيات من سورة المطففين، موضحًا معنى 'ويل' وصفات المكذبين بيوم الدين. كما يبين المقارنة بين الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر.
يفسر آية الران ويشرح تأثير المعاصي على القلوب، موضحًا أن التكذيب والمعاصي تؤدي إلى غلبة الران على القلوب، وأن التوبة تمحو هذا الأثر.
يتناول تفسير كلمة 'كلا' واستخداماتها في القرآن، كما يستدل على إثبات رؤية الله يوم القيامة من خلال تفسير الآية 'كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون'.
يشير إلى انتهاء الدرس مع الدعاء لله بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، معبرًا عن عدم الرغبة في الإطالة.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا في سورة المطففين، وكان الكلام عن قول ربنا جل في علاه حين قال: ﴿كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم﴾، فوقفنا عند هذه الآية وشرحنا ما قبلها من الآيات والكلمات، ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾. قلنا: «ويل» -عن القول الصحيح من أقوال المفسرين- أنها كلمة ردع وزجر، وأنها تذكر في حق من أوقع نفسه في الهلاك، هذا هو القول الصواب في هذه الكلمة. وإن كان بعض المفسرين يفسرها بأنها واد في جهنم. نعم، هذا يذكره كثير ممن تكلم في التفسير عند هذه الآية، واستدلوا بأحاديث جاء عند أحمد والترمذي من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ويل واد في جهنم». إلا أن هذا الحديث جاء من طريقي الدراج عن أبي الهيثم، وهذه السلسلة ضعيفة، الدراج عن أبي الهيثم. وممن صرح بضعف هذا الحديث الإمام المفسر ابن كثير، وهكذا شيخنا مقبل بن هادي الوادعي، وهكذا العلامة الألباني -رحمهم الله-. فعلى القول الصحيح أن نقول: إن «ويل» هي كلمة ردع وزجر. قال: ﴿ويل يومئذ للمكذبين الذين يكذبون بيوم الدين﴾، قال: «الجزاء» بدل أو بيان للمكذبين الذين يكذبون بيوم الدين. وما المقصود بيوم الدين؟ قال المؤلف: «ويوم الجزاء» بمعنى يوم القيامة. وهنا لفتة -إخواني في الله- تجد أن القرآن كثيرًا عندما يتحدث عن قضايا الإيمان فإنه يقرن بين الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر، كهذه الآية: ﴿الذين يكذبون بيوم الدين﴾ أي يوم القيامة. وما المقارنة بينهما؟ المقارنة فيها بيان للبداية والنهاية، الإيمان بالله هو الإيمان البدائي والابتدائي، والإيمان باليوم الآخر هو النهاية لهذه الدنيا، فالإنسان عليه أن يؤمن ابتداءً بالله ونهايةً باليوم الآخر. قال سبحانه: ﴿وما يكذب به إلا كل معتد أثيم﴾، قال: «متجاوز الحد»، أثيم: «صيغة مبالغة»، أي أن هذا التكذيب ليوم الدين إنما صدر من معتد أثيم. وما يكذب به إلا كل معتد أثيم، المعتدي -كما قال المؤلف- هو المتجاوز الحد من الاعتداء، فهو يعتدي. وأما «أثيم»، قال: «صيغة مبالغة»، لأن أثيم أصلها آثم، وهو الذي يكسب الإثم، لكن هذا الإنسان ليس آثمًا بمعنى أنه يكسب الإثم بين الفينة والأخرى، لا، بل هو أثيم، يعني شديد الطلب للإثم، صيغة مبالغة، أي أن جل حياته الذي قضاها في هذه الدنيا أنه في إثم، في فسوق، في فجور، وفي مجون، أثيم. إذن، هذا صفة الذي كذب بالدين أنه معتد أثيم. وأيضًا هنا مقارنة بين هذين الوصفين، أثيم معتد، أثيم -قال جماعة من المفسرين- إذ أن هذا الرجل معتد في أفعاله، أثيم في أقواله، معتد في أفعاله، آثم أو أثيم في أقواله، ففي الأعمال والأقوال قد خالف الصواب والسداد، فهذا المعتدي الأثيم. قال: ﴿إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين﴾، وهذا من بهتانه ومن تكذيبه بالله واليوم الآخر، ما كان من تكذيبه لآيات الله، ومنها القرآن، فإذا سمع بالقرآن قال: «قال أساطير الأولين»، قال: «الحكايات التي سطرت قديمًا»، جمع أسطورة، أسطورة بالضم أو إسطارة بالكسر، يعني أسطورة أو إسطارة. وفسر المؤلف -رحمه الله تعالى- أن الأسطورة هاهنا هي الحكايات التي سطرت قديمًا، كما يقال: قصص من التراث تسمى أساطير. ومن أهل العلم من فسر الأسطورة بأنه الكلام الذي يذكر للتسلية ولا حقيقة له، هذا تعريف آخر عند العلماء في معنى الأسطورة، وهو الكلام الذي يذكر للتسلية ولا حقيقة له. وهذا قريب من هذا أن الإنسان يأتي بأساطير، قصص قديمة ولا حقيقة لها، قصص عن العنقاء وعن العمالقة وعن بعض التراث الماضي في كل أمة من الأمم، هذه أساطير. فهذا الضال المكذب إذا سمع بآياتنا ومنها القرآن قال: «أساطير الأولين». وهذا الصنف لا زال -لأقول- من اليهود والنصارى من المكذبين للقرآن، بل يوجد من ارتد من جماعات من المرتدين ممن كانوا بالأمس من المسلمين فارتدوا، بل أصبحت لهم مواقع، ويتهكمون بالقرآن، ويجعلون القرآن عبارة عن أساطير وأنا قصص ملفقة أتى بها محمد بن عبد الله، هذا عين التكذيب والكفر المبين. قال: ﴿إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين كلا﴾، قال: «ردع وزجر لقولهم ذلك»، أي ليس الأمر كما يقولون، وليس الأمر كما يزعمون، ما كان القرآن أبدًا من الأساطير. قال: ﴿كلا﴾ ردع وزجر لقولهم ذلك، بل ران، قال: «غلب على قلوبهم»، فغشيها ما كانوا يكسبون من المعاصي، فهو كالصدى في هذه الآية في قوله تعالى: ﴿كلا بل ران على قلوبهم﴾. هنا في بعض القراءات وفي بعض المصاحف تجعل سكتة لطيفة، فتقرأ: ﴿كلا بل ران على قلوبهم﴾، وأحيانًا في بعض المصاحف تلغى هذه السكتة، وهذا لا يضر لأن المعنى سواء كان بالسكتة أو بغيرها لا يتغير المعنى. فالأمر في ذلك سهل. فقال: ﴿كلا﴾، قال: «بل ران»، قال: «غلب على قلوبهم»، الران يأتي في اللغة بمعنى غلب وغطى، أي هؤلاء غطى وغلب على قلوبهم بشيء. ومن طبيعة هذا الران مع أنه وصف لكميته، كذلك فيه فائدة على أن الران هذا لا يكون إلا من أشياء تكون غالبًا لا تزال بالغسل. الأصل أن الران هي مادة يغطى وتغطى بها الأشياء، إلا أن من طبيعة الران في صفة أخرى أن من صفة الران أنه مادة لا تزال بالغسل. فمن ذلكم عبروا بالقار، تعفونا القار، أهل الذي عندنا يسمونه الزفت، هذا المادة الزفت الذي تفعل في الشوارع يتسمى قار أيضًا، هذا إذا سقطت فيه ما تزال. ومثله كما عبر المؤلف: الصدى، الصدى إذا وقع في مكان ما يزال. فالران فيه طبيعة أنه في الحجم يغلب، وأن من طبيعته الأخرى أنه إذا وجد ما يزال. فهنا قال ربنا عز وجل واصفًا حال المكذبين: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾، أي أن هؤلاء قد غلب على قلوبهم هذا الران، فهو لا يزال عنهم. قال هنا: «فهو كالصدأ»، كالصدأ. ومن باب الفائدة الذي أشار إليها المؤلف قال: «فغشيها ما كانوا يكسبون من المعاصي»، أن هذا الران ليس فقط يتولد من الكفريات والشركيات، بل يتولد حتى من المخالفات من المعاصي. فإذا فعلت معصية ما فإن هذا الران يوجد في قلبك، شعرت به أو لم تشعر. ولهذا جاء في السنن عند الترمذي من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء»، قال: «فإذا هو نزع واستغفر وتاب سقل قلبه»، أي أعاد القلب إلى ما كان عليه إذا تاب بعد ذنبه، أحدث ندما بعد معصيته. يستدرك قال: «وإن عاد» -أي عاد هذا العاصي لمعصيته- ثم تواصل واستمر، قال: «وإن عاد زيد فيها»، زيد فيها حتى يعلو على قلبه، ثم قرأ نبينا -صلى الله عليه وسلم- قول الله: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾. فهذا الران -يا عبد الله- هو لي ولك ولكل من خاله، فالران يقع على القلوب على إثر المعاصي، لكن من رحمة الله يجعل لنا فيها فرصة، فمن استدرك المعصية بتوبة وندم أزيحت، ورجع قلبه كما كان. وأما من استمر في معصيته فلا زال الران يعظم حتى يغلب على قلبه، فحينئذ يطبع على قلبه، فإذا طبع على قلبه فعلى قلبه السلام، فلن يتأثر بمواعظ الله لا الشرعية ولا الكونية، بل يكون من قساة القلوب. ولهذا نجد الناس يتفاوتون في مشاعرهم وذلك على حسب مخالفاتهم. وأما المؤمن عكس، فإذا فعل عملًا صالحًا نكت في قلبه نكتة بيضاء، يبيض قلبه حتى تصير القلوب بعد ذلك على قلبين: أسود مثل الصفا، أسود مربادة كالكوز مجخية، وأبيض صافية لا تضرها فتنة. ثم قال: ﴿كلا﴾، قال: «حقًا طيبًا»، كلا هنا قال: «حقًا»، وكلا قبل ذلك قال: «ردع وزجر»، نعم، هذا أمر يشكل على القارئ والناظر، تجد أن جلال الدين في هذا التفسير أحيانًا عند كلمة «كلا» يقول: «كلمة ردع وزجر»، وإذا جاء عند كلمة «كلا» يقول: «بمعنى حقًا»، فيكون القارئ متحيرًا: ما هي القاعدة هنا؟ المؤلف ما ذكر قاعدة حتى نعرف متى تكون «كلا» بمعنى ردع وزجر ومتى تكون «كلا» بمعنى حقًا؟ لكن أقول -والله تعالى أعلم- من خلال النظر في تفسير المؤلف، تجد أن كلمة «كلا» الذي يفسرها المؤلف على أنها ردع وزجر تجد أنها مسبوقة بكلام للكفار أو فيه فحوى لاعتقاد كافر، فتعقب هذه الكلمات أو هذا الاعتقاد أو هذا الفحوى من فحوى الخطاب من الكافر تتبع بكلمة «كلا» بمعنى ردع وزجر. فلما هذه الآية مثلًا لما قال الكافر: ﴿أساطير الأولين﴾ جاء التكذيب: ﴿كلا﴾ هنا بمعنى ردع وزجر. لكن تكون حقًا إذا كان ما قبلها من كلام الله فيه تثبيت لعقيدة وتصويب لفعل وتحقيق لأمر، فتجد أن «كلا» هنا تأتي بمعنى حقًا، كهذه الآية. فلما ذكر ربنا عز وجل: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾ هذه الحقيقة، قال ربنا: ﴿كلا﴾، قال المؤلف: «حقًا»، لماذا هنا حقًا؟ تأييد لما سبق. فأقول -والله تعالى أعلم- من خلال النظر من أسلوب المؤلف في كلمة «كلا»: أن إذا سبقت بما فيه عبارة من عبارات الكفار أو فحوى لمعتقدهم فتكون «كلا» ردعًا لما سبق، وإذا كان ما قبل «كلا» في بيان عقيدة صحيحة أو تقرير شرعي فإن «كلا» تأتي بمعنى حقًا. وأقول -والله تعالى أعلم- هذا الذي يظهر من خلال المؤلف. قال: ﴿كلا﴾، قال: «حقًا»، إنهم عن ربهم يومئذ -يوم القيامة- لمحجوبون، فلا يرونه، أي أن هؤلاء المكذبين يوم القيامة سيحجبون عن ربهم جل وعلا. وهذا الحجب من باب الجزاء من جنس العمل. وجهه أن هؤلاء لما احتجبوا عن الشريعة فما التفتوا إليها وما قاموا بها، وإنما أعرضوا عنها، كان الجزاء من جنس العمل أن الله عز وجل أعرض عنهم واحتجب عنهم، بخلاف الذي يقبل على دين الله، فالله يقبل عليه. ومن احتجب عن دين الله فالله ينحجب عنه. وهذه الآية -إخواني في الله-: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ استدل بها العلماء على إثبات رؤية الله يوم القيامة، وهذا الذي يعتقده أهل السنة والجماعة. وقد جاء ذلك مصرحًا في كلام أئمتنا، وعلى رأسهم الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- استدلالًا بهذه الآية. روى الإمام الحاكم في مستدركه بسنده أن الإمام الشافعي -رحمه الله- سئل عن هذه الآية: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ فقال: «لمن حجب عن هؤلاء في السخط كان فيه دليل على أن أولياءه يرونه في الرضا». أنظر لبديع استنباطه -رحمه الله- لما أن الله إن حجب عن هؤلاء الكفرة في حال السخط دل على أنه لن يحتجب عن غيرهم، وهم أهل الإيمان، وأنه سيقبل عليهم في حال الرضا. وهذا الأثر رواه الإمام الطبراني واللالكائي والبيهقي، وعلق عليه ابن كثير -رحمه الله تعالى- قال: «وهذا الذي قاله الإمام الشافعي في غاية من الحسن»، في غاية من الحسن، لأن فيه تأكيد وتأييد لهذه العقيدة السلفية في أن الله عز وجل يراه المؤمنون يوم القيامة. فلما أن الله ذكر أن الكفار لن يروه وأنه سيحتجب عنهم دل على أن غيرهم، وهم المؤمنون، سيرون ربهم سبحانه وتعالى. ثم قال جل في علاه: ﴿ثم إنهم لصالوا الجحيم﴾، قال: «لداخل النار المحرقة»، ومر معنى أن الصال والتصلية هو الإحساس بحر النار، هذا الأصل في معنى التصلية الإحساس بحر النار. وفي هذه الآية والتي قبلها اجتماع العذاب على الكفار، اجتماع معنوي واجتماع حسي، الاجتماع المعنوي حينما أن يحتجب عنهم الله فلا يرونه، وهذه أعظم حسرة على الكافر، ثم بعد ذلك يأتي العذاب الحسي وهم يدخلون إلى نار جهنم أبد الآبدين، نسأل الله السلامة والعافية. نكتفي إلى هذا الحد، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.