الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 95، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستعرض الشارح المداخل الأربعة للشهوات إلى القلب: اللحظات، واللفظات، والخطوات، والخطرات. ويؤكد على حفظ اللسان وأثره في استقامة الأعضاء مستدلاً بحديث أبي سعيد الخدري.
يسرد حرص السلف على محاسبة النفس في أدق الأقوال مخافة الاعتراض على قدر الله. ويذكر قصة توبيخ الجنيد في المنام لقوله: ما أحوج الناس إلى المطر، مع ثناء ابن تيمية عليه.
يروي قصة الصحابي شداد بن أوس الذي ندم على كلمة في السفر. ويذكر وصية النبي صلى الله عليه وسلم بالاكتناز بالدعاء عند كنز الناس الذهب والفضة مع نص الدعاء المأثور.
يختم المتحدث الدرس بالإشارة إلى تتمة الفصل في درس قادم. ويدعو بالخير للجميع ويصلي على النبي محمد، ويختم بالحمد لله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمةً للعالمين بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. أما بعد، مواصلةً أيها الأحبة في الله مع كتاب "الداء والدواء"، وهو الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لشيخ الإسلام الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي، المشهور بابن القيم، ويقال ابن قيم الجوزية. ولا نزال مع هذه الأمور الأربعة التي هي تُعتبر مداخل لهذه الشهوات التي تدخل على قلب هذا العبد. وهذه الأربع المداخل التي يجب على المسلم أن يتنبه لها، وأن يحرص على حمايتها وحراستها، هي أربعة أشياء. من يأتي بها؟ يا أبا الفضل: اللحظات، واللفظات، والخطوات، والخطرات. فهذه أربع يجب على المسلم أن يتنبه لها. ذكر رحمه الله تعالى أول ما ذكر اللحظات، أي النظرات، وأجاد وأفاد في بيانها والتحذير من النظرات المسمومة. وهكذا أيضًا تكلم حول ما يتعلق بالخطرات، ما يخطر على ذهن وقلب العبد، وأنها من الأمور التي تصعب، وهي تعتبر أصعب مما سبق قبلها. وهكذا أيضًا ما يتعلق باللفظات، وذكر رحمه الله تعالى فصلًا ممتعًا يتعلق باللفظات، وأهمية المحافظة على اللسان، «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت». وختم رحمه الله تعالى هذا الفصل المتعلق باللفظات، فذكر رحمه الله تعالى حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أصبح العبد فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان، تقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا». وحديث أبي سعيد هذا كما مر معنا أخرجه أحمد والترمذي، وقد اختلف العلماء على حماد بن زيد في رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو وقفه على أبي سعيد، وقد رجح جماعة من الحفاظ أنه مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد حسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في "صحيح الترغيب والترهيب" وغيرها من كتبه. قال ابن القيم رحمه الله تعالى عقبه: «وقد كان السلف يحاسب أحدهم نفسه في قوله: يوم حار، ويوم بارد، ويوم بارد، وذلك خشية أن يكون في هذا شيء من الاعتراض على قدر الله عز وجل أو في حكمته تبارك وتعالى». قال: «وقد رُئي بعض الأكابر من أهل العلم في النوم بعد موته، فسئل عن حاله، فقال: أنا موقوف على كلمة قلتها. قلت: ما أحوج الناس إلى غيث، رأى القحط، رأى الجفاف، فقال كلمة: ما أحوج الناس إلى غيث، أي إلى مطر يُغاث به. قال: فقيل لي: وما يدريك؟ أنا أعلم بمصلحة عبادي». يعني: أن الله عز وجل قال له: «وما يدريك؟ أنا أعلم بمصلحة عبادي». وهذا قد ذكره أبو القاسم الرافعي في كتابه "التدوين في أخبار قزوين"، ذكر قصة نحوها عن أبي العباس بن عطاء، قال: رأيت الجنيد في النوم. والجنيد يا إخوان، الجنيد هو أبو القاسم الجنيد بن محمد النهاوندي ثم البغدادي القواريري، وُلد في بغداد عام مئتين وخمسة عشر. قال فيه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: قال في الجنيد: «كان الجنيد رضي الله عنه سيد الطائفة». سيد الطائفة يعني كان من المتصوفة القدامى، يغلب عليهم الزهد والورع والخير إلى غير ذلك، وليس كالمتصوفة الذين ذهب بعضهم إلى الفلسفة وعلم الكلام، أو إلى الشركيات والخرافات والبدع والمحدثات. قال: «سيد الطائفة، ومن أحسنهم تعليمًا وتأديبًا وتقويمًا». هكذا قال عنه، وهكذا قال عنه أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية: «كان الجنيد رضي الله عنه سيد الطائفة، إمام الهدى». قال: «والجنيد وأمثاله أئمة هدى، أئمة هدى، ليس كغيرهم من أولئك أئمة الباطل». فأبو العباس بن عطاء قال: رأيت الجنيد في النوم، فقلت: ما فعل الله بك؟ ما فعل الله بك؟ فقال: «تذكر السنة الفلانية، تذكر السنة الفلانية، وقد احتبس على الناس المطر». فقلت: بلى، يعني اذكرها. قال: «قلت مع الناس: ما أحوج الناس إلى المطر، ما أحوج الناس إلى المطر». قال: «فوبخني الله على ذلك، فقال: يا جنيد، وما يدريك أن الناس يحتاجون إلى المطر؟ وأنا أدبر الخليقة بعلمي، إني عليم خبير. اذهب فقد غفرت لك، اذهب فقد غفرت لك». فهذا الذي أبهمه ابن القيم رحمه الله تعالى جاء نحوه عن الجنيد البغدادي رحمه الله تعالى. والجنيد يضرب به المثل في العبادة والطاعة والزهد، وله كلمات نيرة وعبارات مفيدة في ذلك. قال رحمه الله تعالى: «وقال بعض الصحابة لخادمه يومًا: هاتي السفرة نعبث بها. هاتي السفرة، يعني سفرة الطعام، هاتي الطعام نعبث بها، نعبث بها». ثم قال: «أستغفر الله، ما تكلمت بكلمة منذ أسلمت إلا وأنا أخطمها وأزمها، وأزمها، إلا هذه الكلمة خرجت مني بغير خطام ولا زمام، أو كما قال». وهذا قد جاء عن الصحابي الجليل شداد بن أوس رضي الله تعالى عنه، جاء من طريق حسان بن عطية عن شداد بن أوس. قال رحمه الله تعالى: «كان شداد بن أوس في سفر، فنزل منزلًا، فقال لغلامه: ائتنا بالسفرة نعبث بها، نعبث بها». هذه من الكلمات التي قد يحصل فيها التساهل، ولا سيما إذا كان الشخص في سفر ومع عناء السفر. قال حسان بن عطية: «فأنكرت عليه». فأنكرت عليه، فقال شداد بن أوس: «ما تكلمت بكلمة منذ أسلمت، إلا وأنا أخطمها وأزمها، إلا هذه الكلمة خرجت مني بغير خطام ولا زمام، ولا زمام». ثم قال: «فلا تحفظوها علي، فلا تحفظوها علي، واحفظوا مني ما أقول لكم: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا كنز الناس الذهب والفضة فاكنزوا هذه الكلمات». ما هي؟ قال: «اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وأسألك حسن عبادتك، وأسألك قلبًا سليمًا، وأسألك لسانًا صادقًا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب». وقد جاء مرفوعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا جاء أثرًا، وكلاهما المرفوع والأثر حسن، ولهذا حسن العلامة الألباني رحمه الله تعالى هذا الحديث، وله طرق كما في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" للشيخ الألباني رحمه الله تعالى. والفصل له تتمة، يسر الله إتمامها في درس لاحق إن شاء الله تعالى. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.