شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري 29

شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري 29

الدرس في شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري 29، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني

النهي عن صوم الدهر وحقوق البدن والأهل

يستعرض المقطع حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في النهي عن صوم الدهر (الوصل) وتوجيه النبي ﷺ إلى صيام داود عليه السلام (يوم ويفطر يوم)، مبيناً أن صوم الدهر حرام لعقوبة من يصومه. كما يبرز حديث «إن لعينك عليك حقاً، وإن لنفسك وأهلك عليك حقاً» مؤكداً مراعاة الشرع لقدرة العبد وحقوق بدنه وأهله، وأن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل.

الاعتدال في العبادة الشاملة والنهي عن الغلو في القراءة والصيام

يؤكد النص أن العبادة في الإسلام شاملة ومتنوعة وليست مقتصرة على الصيام، وينقل توجيه النبي ﷺ لعبد الله بن عمرو بالاعتدال في قراءة القرآن (لا في أقل من ثلاث) وفي الصيام (صوم يوم وإفطار يوم). يحذر الإمام الذهبي من أن الإكثار المفرط يخالف الحنيفية السمحة ويضيع حقوق الجسد والأهل وسائر العبادات اليومية، وأن التزام السنة النبوية هو سبيل الكمال لا التشدد الرهباني.

فضل صوم داود وحكمة التوسط في حفظ القوة وإبعاد الرياء

يركز المقطع على إرشاد النبي ﷺ لعبد الله بن عمرو إلى صوم داود عليه السلام (صوم يوم وإفطار يوم) باعتباره أكمل أنواع الصوم، وينهى عن صوم الدهر لتحريم مشقته وإفضائه إلى السآمة وفوات الحقوق. يبين أن هذا الاعتدال يحفظ القوة والنشاط، ويبعد عن الرياء، مقتدياً بهدي النبي ﷺ في صلاة الليل.

التفريغ النصي الكامل

موقع دار الحديث بالفيوش يقدم لكم شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني، رحمه الله تعالى. قال: «باب صوم الدهر». قال رحمه الله: «باب صوم الدهر». حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني سعيد وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أن عبد الله بن عمرو قال: أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أقول: والله لا أصوم النهار ولا أقوم الليل ما عشت. فقلت له: قد قلته، بأبي أنت وأمي. قال: «فإنك لا تستطيع ذلك، فصم وأفطر، وقم ونم، وصم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر». قلت: إني أطيق أفضل من ذلك. قال: «فصم يوماً وأفطر يوماً». قلت: إني أطيق أفضل من ذلك. قال: «فصم يوماً وأفطر يومين». قلت: إني أطيق أفضل من ذلك. قال: «فصم يوماً وأفطر يوماً، فذلك صيام داود عليه السلام، وهو أفضل الصيام». فقلت: إني أطيق أفضل من ذلك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا أفضل من ذلك». صيام الدهر معناه: أنه يسر الصوم ولا يفطر، أي: يسرد الصوم ولا يفطر. هذا معنى صوم الدهر. وقد اختلف العلماء من المتقدمين والمتأخرين في حكم صوم الدهر، والراجح من أقوال أهل العلم أنه حرام، لا يجوز صوم الدهر، أي: أن يسرد الصوم ولا يفطر، يصوم كل يوم، يصوم الدهر كله، هذا لا يجوز. ما هو الدليل؟ الدليل على الروايات التي ذكرها المصنف، رحمه الله، قال: «لا صوم فوق صوم أخي داود عليه السلام». وفي لفظ: «لا صام ولا أفطر، لا صام ولا أفطر». يعني: الذي يصوم الأيام كلها ويسردها، هذا «لا صام ولا أفطر». وأيضاً حديث أبي موسى الأشعري، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من صام الدهر ضيقت عليه جهنم، من صام الدهر ضيقت عليه جهنم». رواه أحمد بن أبي شيبة وغيرهما، وسنده صحيح. «من صام الدهر ضيقت عليه جهنم». وهذا ظاهر الدلالة في حرمة صيام الدهر، فهو الراجح من أقوال أهل العلم. وإذا قال قائل: هل كلما زاد الإنسان عبادة لله يزاد عقوبة وعذاباً؟ هل يعذب على عبادته لله؟ الجواب: لا. ليس كل عمل صالح له أن يعمله متى ما شاء، ويعمل منه ما شاء. بل هناك من الأعمال الصالحة، كما دلت عليه الأدلة، ما يعاقب عليه الإنسان. من ذلك: الصلاة في أوقات النهي. قل: إن صلي لله، لكنه في أوقات النهي، وجاء الشرع بالنهي عن الصلاة في أوقات معلومة. فهذا يدل على أن ليس كل عمل صالح للإنسان أن يفعله متى ما شاء، بل لا بد أن يكون مقيداً بحكم الشرع. ثم قال المصنف رحمه الله: «باب حق الأهل في الصوم». رواه البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: حدثنا عمر بن علي، قال: أخبرنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: سمعت عطاء، أن أبا العباس السائب أخبره، أنه سمع عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما يقول: بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن أسرد الصوم وأصلي الليل، فأما أرسل إليه، وأما لقيته، فقال: «لم أخبر أنك تصوم ولا تفطر، وتصلي ولا تنام، فصم وأفطر، وقم ونم، فإن لعينك عليك حقاً، وإن لنفسك وأهلك عليك حقاً». قال: إني لأقوى على ذلك. قال: «فصم صيام داود عليه السلام». قال: وكيف كان يصوم؟ قال: «كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، ولا يفر إذا لاقى». قال: منِّي بهذه يا نبي الله. قال عطاء: لا أدري كيف ذكر الصيام الأبد. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صام من صام الأبد». نعم، هذه الترجمة فيها: قال: «باب حق الأهل في الصوم». يعني: فيما تقدم ذكره في الدرس الماضي، وهو أن الشرع جاء بما يعود بالنفع على المتعبد. فإن عبادة الله عز وجل من أعظم الأمور، لكن جاء الشرع بالترغيب في العبادة التي يستطيع أن يستمر عليها، وأن يدوم عليها. لأنه يتعبد لله عز وجل في وقت قصير ثم ينقطع، ليس هذا هو المطلوب. فإن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل. لأن يتعبد الإنسان لربه عز وجل بعبادة قليلة ولكنها مستمرة، أفضل من أن يجتهد ويشق على نفسه في العبادة ثم ينقطع بعد برهة من الزمن. ليس هذا المطلوب. المطلوب أن تعبد ربك عز وجل وتتقرب إليه حتى يتوفاك الله سبحانه وتعالى بعبادة تشعر فيها باللذة والرغبة والجد والقوة والنشاط. من خلاف الذين يشقون على أنفسهم، فإنهم يسأمون ويكلون ويملون هذه العبادة. فلهذا النبي صلى الله عليه وسلم أرشده إلى أن يخفف على نفسه، لأنه لا يستطيع أن يفعل ذلك، أن يصوم الدهر كله ولا يفطر، وأنه يقوم الليل جميع الليالي ولا ينام. هذا فيه مشقة. قال: «فإنك لا تستطيع ذلك». إما في الحالة الراهنة، وإما في الوقت الراهن، أو في الزمن المستقبل، على ما أوحي إليه عليه الصلاة والسلام من حال هذا الصحابي. فأرشده إلى الأفضل والأكمل. قال: «ألم أخبر أنك تصوم ولا تفطر، وتصلي ولا تنام؟ فصم وأفطر، وقم ونم». وهذا كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان يصوم ويفطر، ويقوم وينام. وخير الهدي هدي محمد عليه الصلاة والسلام. لأن من خالف هذا الهدي وهو أكمل الهدي وأحسنه وأتمه وأفضله، فلا شك أنه سيقصر في كثير من العبادات. لأن الإنسان لم يتعبده ربه عز وجل بعبادة الصوم فقط. هل تظن أن الله عز وجل تعبدك بعبادة الصوم فقط؟ الجواب: لا. فهناك أنواع من العبادات. إكرام الضيف عبادة من العبادات. ملاعبة ومعانسة الأهل مع النية الصالحة تعتبر عبادة من العبادات. والقيام بحق الزوجة والأولاد عبادة من العبادات. والقيام بحق الناس أجمعين ممن له حق، هذه عبادة من العبادات. واكتسابك لأهلك هذه عبادة من العبادات مع النية. وهكذا عندك عبادة الصلاة، وعندك عبادة الصيام، وعندك عبادة الأذكار بما فيها تلاوة القرآن، وعندك عبادات وعبادات أنت مكلف بها ومطالب بها. فلهذا من أقبل على نوع من العبادة وأفرغ الوقت كله فيه، لا شك أنه سيكون على حساب العبادات الأخرى التي هو مرغب فيها. فلذلك يقول له النبي صلى الله عليه وسلم تذكيراً وتنبيهاً: «فإن لعينك عليك حقاً». هذه النفس التي بين جنبيك، أنت لست مالكاً لها، وإنما المالك لها والمالك لما في السماوات والأرض هو الله عز وجل. فالجسد له حق عليك، أن تعطي لجسدك الراحة التي يحتاج إليها في وقت الراحة. قالوا: «وإن لنفسك وأهلك عليك حقاً» إلى آخره. فأرشده النبي عليه الصلاة والسلام إلى أكمل الأحوال. هنا كلام جيد للإمام الذهبي رحمه الله في كتابه «سير أعلام النبلاء» في ترجمة عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، ذكر في ترجمته شيئاً من ألفاظ هذا الحديث. قال: «وصح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نازله إلى ثلاث ليال، وأنهاه أن يقرأه» - يعني: القرآن - «في أقل من ثلاث». وهذا كان في الذي نزل من القرآن. ثم بعد هذا القول نزل ما بقي من القرآن. فأقل مراتب النهي أن تكره تلاوة القرآن كله في أقل من ثلاث. فما أدريه ولا تدبر من تلا في أقل من ذلك. ولو تلا ورتل في أسبوع ولازم ذلك لكان عملاً فاضلاً. فالدين يسر. فوالله إن ترتيل سبع القرآن في تهجد قيام الليل، مع المحافظة على النوافل الراتبة، وأبوية، وتحية المسجد، مع الأذكار المأثورة الثابتة، والقول عند النوم واليقظة، ودبر المكتوبة، والسحر. انظروا إخواني في الله إلى الأعمال الفاضلة التي يحتاج أن يعملها المسلم كل يوم. كل يوم صارت مجموعة من العبادات التي يحتاج أن يفعلها العبد ليكون على أكمل الأحوال. قال: «ولو رتل في أسبوع ولازم ذلك لكان عملاً فاضلاً. فالدين يسر. فوالله إن ترتيل سبع القرآن في تهجد قيام الليل، مع المحافظة على النوافل الراتبة، وأبوية، وتحية المسجد، مع الأذكار المأثورة الثابتة، والقول عند النوم واليقظة، ودبر المكتوبة، والسحر، مع النظر في العلم النافع والاشتغال به مخلصاً لله، مع الأمر بالمعروف وإرشاد الجاهل وتفهيمه، وزجر الفاسق ونحو ذلك، مع أداء الفرائض في جماعة بخشوع وطمأنينة وانكسار وإيمان، مع أداء الواجب واجتناب الكبائر، وكثرة الدعاء والاستغفار والصدقة، وصلة الرحم، والتواضع، والإخلاص في جميع ذلك. لا شغل عظيم جسيم، ولا مقام أصحاب اليمين وأولياء الله المتقين. فإن سائر ذلك مطلوب. فمتى تشاغل العبد بختمة في كل يوم، فقد خالف الحنيفية السمحة، ولم ينهض بأكثر ما ذكرناه، ولا تدبر ما يتلوه». قال: «هذا السيد العابد الصاحب كان يقول لما شاخ: ليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم». وكذلك قال له عليه السلام في الصوم: «وما زال يناقصه حتى قال له: صم يوماً وأفطر يوماً. صم صوم أخي داود عليه السلام». وثبت أنه قال: «أفضل الصيام صيام داود». ونهى عليه الصلاة والسلام عن صيام الدهر، وأمر عليه السلام بنوم قسط من الليل. وقال: «لكني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، وآكل اللحم. فمن رغب عن سنتي فليس مني». قال: «وكل من لم يضبط نفسه في تعبده وأوراده بالسنة النبوية يندم ويترهب، ويسوء مزاجه، ويفوته خير كثير من متابعة سنة نبيه الرؤوف الرحيم بالمؤمنين، الحريص على نفعهم. وما زال صلى الله عليه وسلم معلماً للأمة أفضل الأعمال وآمراً بها، وجاهلاً التبتل الرهبانية التي لم يبعث بها. فنهى عن سرد الصوم، ونهى عن الوصال، وعن قيام أكثر الليل إلا في العشر الأخير، ونهى عن العزبة للمستطيع، ونهى عن ترك اللحم، إلى غير ذلك من الأوامر والنواهي. فالعابد بلا معرفة لكثير من ذلك معذور مأجور، والعابد العالم بالآثار المحمدية المتجاوز لها مفتول مغرور. وحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قل. علمنا الله وإياكم حسن المتابعة، وجنبنا الهوى والمخالفة». انتهى. كلام عظيم ينبغي أن يعرفه المسلم، ولاسيما طالب العلم المتفرغ، أن يقوم بهذه العبادة التي ذكرها: أداء الواجب، وأكثر من المستحب والمندوب، مع طلب العلم. وهذا يجعل الإنسان من خير الناس. بقي بابان في هذا الحديث نفسه، نقرأهما ونعلق عليهما سريعاً. قال المصنف رحمه الله: «باب صوم يوم وإفطار يوم». قال: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا غندر، قال: حدثنا شعبة، عن مغيرة، قال: سمعت مجاهداً، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صم من الشهر ثلاثة أيام». قال: أطيق أكثر من ذلك. فما زال حتى قال: «صم يوماً وأفطر يوماً». فقال: «اقرأ القرآن في كل شهر». قال: إني أطيق أكثر. فما زال حتى قال: «في ثلاث». ذكرت: يعني النهي عن قراءته في أقل من ثلاث. خارج الصحيح. والواقع أنه في الصحيح. الواقع كما هنا أنه في الصحيح. هنا فيه ذكر صوم وإفطار يوم. نقرأ الترجمة التي بعدها فيها هذا الأمر. قال: «باب صوم داود عليه السلام». قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا شعبة، قال: حدثنا حبيب بن أبي ثابت، قال: سمعت عبد الله بن أبي مليكة، وكان شاعرا، وكان لا يتهم في حديثه، قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «إنك لتصوم الدهر وتقوم الليل». فقلت: نعم. قال: «إنك إذا فعلت ذلك هجمت لك العين، هجمت له العين، ونهبت له النفس. لا صام من صام الدهر. صوم ثلاثة أيام صوم الدهر كله». قلت: فإني أطيق أكثر من ذلك. قال: «فصم صوم داود عليه السلام، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، ولا يفر إذا لاقى». وقال أيضاً: حدثنا إسحاق بن منصور الواسطي، قال: حدثنا خالد بن عبد الله، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، قال: أخبرني أبو المليح، قال: دخلت مع أبي على عبد الله بن عمرو، فحدثنا، فحدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر له صومي، فدخل علي، فألقيت له وسادة من أدم حشوها ليف، فجلس على الأرض، وصارت الوسادة بيني وبينه. فقال: «أكفيك من كل شهر ثلاثة أيام». قال: قلت: يا رسول الله، خمساً. قال: «خمساً». قلت: يا رسول الله، سبعاً. قال: «سبعاً». قلت: يا رسول الله، تسعاً. قال: «تسعاً». قلت: يا رسول الله، إحدى عشرة. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صوم فوق صوم داود عليه السلام، شطر الدهر، صم يوماً وأفطر يوماً». أيضاً هذه الرواية الأخيرة ذكرت في الدرس قبل الماضي أنها خارج الصحيح، وهي الآن تمر بنا في صحيح البخاري، أنه نازله من العشرة إلى أن وصل: «صم يوماً وأفطر يوماً». هذه الترجمة فيها ذكر أفضل أنواع الصوم. ما هو أفضل أنواع الصوم؟ أن يصوم يوماً ويفطر يوماً. هذا أفضل من صوم الدهر. فصوم الدهر محرم، لما فيه من المشقة والتعب. أما صوم يوم يفطر يوم، فيشعر به صاحبه بلذة العبادة. كما بسط الشارح وغيره قبله، أن من صام الدهر فإنه يعتاد هذا النوع من الصوم، ولا يشعر بلذة للأكل، لا يشعر برغبة ولا لذة للأكل والشرب، بل يعني يتغير طبعه، ويصير على طبع آخر، وهو أنه يأكل في الليل ويصوم في النهار، فما يجد المكابدة للعبادة. وروح العبادة تكون بالمكابدة والرغبة والنشاط في ذلك. بخلاف من يصوم يوماً ويفطر يوماً، فإنه يصوم يوماً ويفطر يوماً، ويأكل في الصباح ويمسك في اليوم الثاني، وهكذا يجد لذة للعبادة. بخلاف الذي يصوم الدهر، فإنه يصير ذلك عادة له، ولا يشعر بطعم ولذة العبادة. أيضاً لما يترتب على صوم الدهر كله من السآمة والملل، ومن التعب والمشقة، ولما يترتب عليه من تفويت كثير من الحقوق، وإعراض عن كثير من العبادات المرغب فيها. بخلاف من صام يوماً وأفطر يوماً، فإنه يستطيع بهذا النوع من الصوم أن يفعل الحقوق التي عليه، وينوع العبادات التي يرغب فيها، ويجد من الرغبة واللذة والنشاط والقوة ما هو مذكور في كلام أهل العلم، ولمن يعني زاول هذا النوع من العبادة. هو صوم يوم يفطر يوم. ثم أرشده النبي صلى الله عليه وسلم، لأن هذا أفضل صوم، وهو صوم داود. الذي جاء في بعض الروايات في الصحيح أنه كان: «أعبد الناس». من أعدل الناس؟ داود عليه السلام. من هو داود؟ ذلك الملك الذي أوتي من الملك الشيء العظيم، ومع ذلك صار من العابدين لله. بل نصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أعبد الناس. والله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ دَاوُودَ﴾، ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾، ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. إيش معنى «ذا الأيد»؟ أي: ذا القوة. كان قوياً في عبادة الله، وكان قوياً في الجهاد في سبيل الله. ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾: أي رجاع إلى الله بعبادته والتوبة إليه واستغفاره. فأعبد الناس، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: إنه كان يصوم يوماً ويفطر يوماً. فلا صوم فوق صوم داود عليه الصلاة والسلام. فهو أكمل الصوم. كما أنه لا صلاة فوق صلاة داود عليه السلام. فإن أحب الصلاة إلى الله ما كان يفعله داود، العابد لله عز وجل، من الصلاة. وهو هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أنه كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه. هذا أكمل أنواع صلاة الليل: أنه ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه. فلا شك أن هذا أفضل أنواع الصلاة. فإن من نام نصف الليل، فإن نفسه تستجمع، ويقوى على العبادة، ويجد من الرغبة والقوة والنشاط. ثم يقوم ثلث الليل، ثم ينام سدس الليل. لماذا؟ لأنه إذا نام سدس الليل، يجد القوة بصلاة الفجر، وللقيام بما يحتاج إليه في النهار. من خلاف إذا واصل السهر، فإنه كما ذكر أهل العلم، إذا أصبح يصبح متعباً، ويصبح كليلاً. من خلاف من يعني يعوض هذا السهر في ثلث الليل بشيء من النوم، فإنه يجد من القوة والرغبة، ويبتعد عن الرياء والسمعة. قالوا: من واصل السهر قد يظهر عليه، إذا أتى إلى صلاة الفجر، أنه كان ساهراً في الليل، بتعبه وأرقه. من خلاف من إذا نام قبل الفجر قليلاً، فإنه لا يشعر به، ولا يتفطن لقيامه أحد، فهو أقرب إلى الإخلاص، وأبعد عن الرياء والسمعة. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. والحمد لله. ترجمة نانسي قنقر.