التعليق على كتاب الداء والدواء 130

التعليق على كتاب الداء والدواء 130

الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 130، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

مراتب العشق وعلاج الابتداء ومآلاته المدمرة

يشرح المحور المراتب الثلاث للعشق مبتدئاً بمرتبة الابتداء وعلاجها بالمدافعة والزواج المشروع أو اللجوء لله، ثم ينتقل لمرتبتي التوسط والانتهاء محذراً من الإفشاء ووصف المحاسن، ويسرد قصصاً واقعية توضح كيف يؤدي العشق إلى الردة والقتل وخراب البيوت، مبيناً أن الزنا دين يُقضى من أهل البيت.

خطر النظرة الأولى ودور الشيطان في تزيين المحرمات

يبيّن المحور كيف أن نظرة واحدة قد تجر إلى العشق المهلك، مبيناً دور الشيطان في تزيين المحرمات للناظرين، وأهمية غض البصر وحفظ اللسان للوقاية، كما يستعرض الشروط التي تمنع وقوع العشق كخوف الله أو الخوف الدنيوي.

نقد أقوال المادحين للعشق وموازنة مفاسده بمنافعه

ينقل المحور عن ابن القيم فتوى لابن تيمية تستعرض أقوالاً تمدح العشق وتزعم أنه يرقق الروح ويهذب الأخلاق، ثم يرد عليها مبيناً أن هذه الأقوال غير مسلمة، وأن مفاسد العشق وآثامه أعظم من منافعه المشكوك فيها، مشبهاً إياه بالخمر في أن إثمهما أكبر من نفعهما.

موقف السلف من العشق والفرق بينه وبين الحب العفيف

يبيّن المحور أن العشق يجلب العذاب والهم لا اللذة، ويسوق قصصاً عن السلف كعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وعمر بن عبد العزيز رحمهم الله، الذين امتنعوا عن الحرام وردوا الحقوق لأهلها رغم شدة المحبة، مؤكداً أن الحب العفيف المقترن بالتقوى غير مذموم.

قصة الغلام والجارية مع عمر بن الخطاب في تحريم النسب

يروي المحور قصة غلام أراد شراء جارية فنهاه عمر بن الخطاب لاحتمال أن يكون أباه قد وطئها، فتنازل الغلام عنها لعمر، لكن عمر رفض شرائها، فبقيت الجارية على حالها حتى ماتت، ويذكر ابن القيم هذه القصة في باب تحريم ما يحرم بالنسب والرضاع.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فمرحباً بكم في درس ماضٍ، الكلام حول فصل من فصول الداء والدواء، وهو كما سبق: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لشيخ الإسلام الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر، المشهور بابن القيم، ويقال ابن قيم الجوزية. وذكر رحمه الله تعالى في هذا الفصل مقامات العاشق، وذكر ثلاث مقامات: المقام الأول: مقام الابتداء، وذكر علاجه أن يدافعه الشخص بكل ما يقدر عليه، بكل ما يقدر عليه. هذا إذا كان الوصول إلى المعشوق متعذراً، إما شرعاً أو قدراً. أما إذا كان المعشوق امرأة ويمكنه الزواج بها، فيتزوجها. وأما إذا كان لا يمكنه الزواج بها، أو كان يعشق شخصاً أو نحو ذلك، فالواجب عليه هو المدافعة، هو المدافعة. وهكذا أيضاً كما سبق: يكثر من اللجوء إلى الله تبارك وتعالى، فلا يستطيع أن ينجيه من هذا البلاء، ولا أن يشفيه من هذا الداء إلا الله عز وجل، إلا الله عز وجل. «اللهم رب الناس، أذهب البأس، اشفِ أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً». يكثر من الاستعانة بالله عز وجل، يطلب من الله أن يعينه على التخلص من هذا الداء. وماذا كذلك أيضاً؟ يدعو الله تبارك وتعالى بالعافية، فقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يكثر من سؤال العافية في صباحه وفي مسائه، وهكذا عند نومه، وهكذا عند نومه. وكذلك أيضاً المقام الثاني: مقام التوسط، والثالث: الانتهاء. فمن ابتلي بشيء من ذلك، فليكتم ولا يفشي، ولا يبقى يذكر محاسن المعشوق، وماذا يذكر من أوصافه وأخباره، فيجمع إلى ما سبق من المفاسد، يجمع الإساءة إلى المعشوق، والوقوع في ظلمه، والوقوع في ظلمه. وذكر رحمه الله تعالى ذكر نفائس، وهكذا جوانب مهمة تتعلق بهذا الباب. ومن ذلك: ذكر رحمه الله تعالى أن عشق الصور، والوقوع في هذا، قد يؤدي بصاحبه إلى أن يخرج من دين الإسلام بالكلية. كما ذكر قصة ذلك الرجل الذي كان يؤذن، فأبصر امرأة شابة، فتاة نصرانية، على سطح بيتها، ففتن بها، فنزل ودخل عليها، فماذا؟ فسألها نفسها، فقالت: هي نصرانية، فإن دخلت في ديني تزوجت بك. لاحظ ماذا يفعل العشق بصاحبه: ترك الإسلام، ودخل في النصرانية. فكان آخر أمره في ذلك اليوم: صعد على درج، فسقط، فمات. فسقط، فمات. وكم يا إخوان من أحوال هؤلاء العشاق أن ماذا؟ يفتنوا، وتكون فتنتهم في دينهم، فتكون فتنتهم ومصيبتهم في دينهم. وهذا منها. وقد ذكر الإمام الحافظ أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير رحمه الله تعالى، ذكر في كتابه «البداية والنهاية»، ذكر قصصاً عديدة في هذا الباب، قصصاً عديدة في هذا الباب، من مصارع هؤلاء العشاق، من مصارع هؤلاء العشاق. وذكر ابن القيم هنا، ذكر أن النصارى إذا أرادوا أن ينصروا الأسرى الذين عندهم، ويدخلوهم في النصرانية، فإنهم يسلطوا عليهم من النساء التي عندهن من الجمال، فماذا؟ فتطعمه، فتطمعه في نفسها، تظهر له من زينتها ومفاتنها حتى يقع في حبها. فعند ذلك ماذا؟ فعند ذلك، آه، ماذا؟ تبدل له نفسها، لكن مقابل ذلك أن يدخل في دينها. وهنا يا إخوان: تزل أقدام الكثير من هؤلاء العشاق، ولا يسلم إلا من سلمه الله عز وجل. يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويضل الله الظالمين، ويفعل الله ما يشاء، ويفعل الله ما يشاء. وذكر رحمه الله تعالى، ذكر رحمه الله تعالى أيضاً هنا أمراً، ألا وهو: أن بعض المعشوقين يعرض من يعشق إلى التلف والمرض، فيفتنه، ولا يمكنه من نفسه، ولا يمكنه من نفسه. يحصل التزي والتجمل، لكن لا يمكنه من نفسه، فيأخذ منه فائدته، يأخذ مالاً، يأخذ مصلحة، يأخذ غرضاً أو عرضاً أو غيرها. وسبب ذلك يقول: إذا مكنته فسيأخذ حاجته ويترك. لكن ماذا يجعله يبقى؟ يبقى متعلقاً به. وبسبب هذا قد يقدم بعض العاشقين على قتل من يعشقون، على قتل من يعشقون، ليشفي نفسه منه، ليشفي نفسه منه. ولا سيما إذا علم أن من يعشق قد اتصل بغيره من الناس، هنا تحصل غيرته، وغيرها من الأمور، فيقع ما يقع، فيقع ما يقع. وذكر رحمه الله تعالى، ذكر في آخر ما ذكرنا في الدرس الماضي، ذكر عبارة جميلة تدل على خطورة العشق على أصحابه، قال: «فكم للعشق من قتيل، من الجانبين، من قتيل من الجانبين. وكم قد أزال من نعمة». العشق يا إخوان، كم أزال من نعمة، قال: «وأحل من نقمة، وأفقر من غنى، وأسقط من مرتبة، وشتت من شمل، وكم أفسد من أهل للرجل وولد». فإن المرأة إذا رأت بعلها عاشقاً لغيرها، ماذا تفعل المرأة إذا علمت أن زوجها يراسل نساء، وله علاقات، علاقات ببعض النساء؟ انظر إلى ردود أفعال النساء الزوجات: تذهب وتريد أن تكيد هذا الزوج، فماذا تصنع؟ تذهب هي وتعمل لها علاقات مع بعض الرجال. الزوج يذهب ويزني، والمرأة تعلم بذلك، ماذا تفعل هي؟ تذهب وتمكن رجلاً من نفسها، تمكن رجلاً من نفسها. وهذا يا إخوان من العقوبات العاجلة: أن من اعتدى على أعراض المسلمين، يبتليه الله عز وجل في عرضه، يبتليه الله عز وجل في عرضه. قال: قال: قال: «اتخذت هي أيضاً معشوقاً لنفسها». قال: فيصير الرجل متردداً بين خراب بيته بالطلاق، وبين القواد، يعني أنه يذهب في ماذا؟ في العلاقات المشبوهة والمحرمة مع بعض النساء. قال: فمن الناس من يؤثر هذا، ومنهم من يؤثر هذا. قال: فعل العاقل: ألا يحكم على نفسه، على نفسه عشق الصور، لألا يؤديه ذلك إلى هذه المفاسد، أو أكثرها، أو بعضها. قال: فمن فعل ذلك فهو المفرط بنفسه، المغرر بها. وكم يا إخوان، كم يسيء إلى نفسه، وهكذا يسيء إلى أهله وولده، إلى أهله وولده. كم فسدت من الزوجات بسبب فساد الزوج، وكم فسدت من البنات بسبب فساد البعض من الآباء، الآباء. وكم يفسد من يفسد من الأمهات بسبب فساد البعض من الأبناء، البعض من الأبناء. ولهذا مر معنا في الدرس الماضي، مر معنا حديث أبي أمامة في قصة ذلك الشاب الذي أتى يستأذن ويطلب رخصة في الزنا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أترضاه لأمك؟ أترضاه لابنتك؟ أترضاه لأختك؟ لعمتك؟ لخالتك؟». فالزنا كما قال الإمام ناصر السنة، الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى: قال: «إن الزنا دين، إن أقرضته كان الوفاء من أهل بيتك، فاعلمي». الزنا دين، إن أقرضته، قال: «كان الوفاء من أهل بيتك، فاعلمي». قال رحمه الله تعالى: قال: «فإذا هلكت، قال: فهو الذي أهلكها». قال: «فلولا تكراره النظر إلى وجه معشوقه، وطمعه فيه وفي وصاله، لم يتمكن عشقه من قلبه». وهنا لفتة يا إخوان مهمة جداً: ألا وهي ما الذي أوصل هذا العاشق إلى ما وصل إليه؟ نظرة. نظرة إلى صورة. هذه الصورة قد تكون صورة ثابتة، وقد تكون صورة متحركة: صورة امرأة، صورة أمرد، إلى غير ذلك. فلو أنه، لو أنه عمل بما في قول الله عز وجل: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾، من أبصارهم، لسلِم، لسلِم. لكن يتبع النظرة النظرة، فيقع في قلبه مرض وفتنة. وهذا الابتلاء، هذا الابتلاء، قال: «فإن أول أسباب العشق الاستحسان، والاستحسان». يا إخوان، أيضاً كما سبق معنا، يكون من الشيطان. النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «المرأة عورة، المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان»، أي جعلها ماذا؟ ينظر إليها بمنظر الاستحسان، ويزينها في أعين الناظرين، ولو كانت ذميمة الخلقة، قبيحة. المرأة، المرأة، فالشيطان هو الذي يزينها. وهذا يبين لنا سبب ذهاب بعض الرجال للفاحشة ببعض النساء، مع ذمامة الخلقة. وللأسف يا إخوان: عنده في البيت زوجة أجمل من تلكم، بكرات ومرات عديدة، لكن هو زين الشيطان. ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾. أكد، يقول الله تبارك وتعالى: قال: «سواء تولد عن نظر، أو سماع، أو سماع». وهكذا أيضاً يا إخوان: الأذن قد تسمع فتعشق. ولهذا ربنا تبارك وتعالى نهى النساء، نهى النساء بقوله: ﴿وَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾. أكد، أكد أمر الله عز وجل، أمر المرأة إذا احتاجت أو اضطرت أن تتكلم مع الرجال الأجانب، فإنها تجتنب الخضوع في القول، لا تكثر من الكلام لغير ما حاجة، ولا تجعل كلامها ليناً رقيقاً فيفتن ذلكم الرجل. تأتي المرأة إلى صاحب المحل لكي تشتري منه سلعة: «بكم هذه السلعة؟» قال: «رخيصة». طيب، «بكم؟» رخيصة. قال: «شلي». طيب، «بكم؟» ما تغلع عليك. يبقى هنا ماذا؟ الحديث يطول. وبعض النساء للأسف من أجل أن يتعاون معها التاجر أو العامل فيرخص لها، فتطمعه في نفسها، إما بكشف بعض المحاسن والمفاتن، وإما بالضحكات والخضوع في القول وتليين الكلمات. وهذه مصيبة، وهذه مصيبة. فالأسد، وهكذا السباع والمفترسات من الطباع البشرية، هذه تعتدي على الفريسة التي لا حارس لها، التي لا حارس لها. قال رحمه الله تعالى: قال: «فإن لم يقارنه طمع في الوصال، وقارنه الإياس من ذلك، لم يحدث له ذلك عشقاً، لم يحدث له ذلك عشقاً. فإن اقترن به الطمع، فصرفه عن فكره، ولم يشتغل قلبه به، لم يحدث له ذلك». وهنا يبين رحمه الله تعالى أن إذا حصل الاستحسان خلال النظر أو السماع: نظرت، فصورة امرأة جميلة مفتنة، لكن لا تحدث نفسك أنك تصل إليها وتقع معها في الفاحشة، فهنا لا يقع عشق، لا يقع عشق. وهكذا أيضاً، وهكذا أيضاً: ما إذا وقع في نفسه شيء من ذلك، فلم يشغل قلبه به، أيضاً لم يقع العشق. قال: «فإن أطال مع ذلك الفكر في محاسن المعشوق، وقارنه خوف ما هو أكبر منه عنده من لذة وصاله، إما خوف ديني: كدخول النار، وغضب الجبار، واحتقاب الأوزار، واحتقاب الأوزار، في بعض النسخ: واجتناب الأوزار. وأوزار جمع وزر، وهو ماذا؟ الذنب والخطيئة». قال: «وغلب هذا الخوف على ذلك الطمع، على ذلك الطمع والفكر، لم يحدث له العشق». ولهذا يا إخوان: مما يذكر به من ابتلي بهذا الداء، يذكر بالنار وعذابها، ويذكر بالوقوف بين يدي الله عز وجل، وأن الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو، إلا من، إلا المتقين. من كانت علاقتهم علاقة طاهرة، علاقة مشروعة، هذه تجعلهم على منابر من نور، على منابر من نور. وانظر إلى العلاقات المشبوهة والتواصل المحرم، يجعل بعضهم لبعض عدو، بعضهم لبعض عدو. قال رحمه الله تعالى: قال: «وإن فاته هذا الخوف، فقارنه خوف دنيوي: كخوف تلف نفسه وماله، وذهاب جاهه، وسقوط مرتبته، وسقوط مرتبته عند الناس، وسقوطه من عين من يعز عليه، وغلب هذا الخوف». داعي العشق دفعه بعض الناس يا إخوان، قد يكون تفكيره دنيوي، فيترك التعلق بالمعشوق، ليس أن ذلك يعتبر ذنباً وخطيئة، وإنما لأمر دنيوي: يخاف على نفسه أن يمرض ويقلق، لا يتلذذ بنوم، ولا أيضاً يتلذذ بمطعم أو مشرب، يخاف على نفسه من هذا. أيضاً يخاف على سمعته ومكانته، ومكانته، فلأجل هذه الأمور الدنيوية يعرض عن أولئك الذين كان عشقهم وقع، وقع في قلبه. قال: «وكذلك إذا خاف من فوات محبوب هو أحب إليه وأنفع له من ذلك المعشوق، وقدم محبته على محبة المعشوق، إن دفع عنه العشق». قال: «فإن انتفى ذلك كله، فإن انتفى ذلك كله، أي ما سبق، قال: أو غلبت محبة المعشوق لذلك، إن جذب إليه القلب بكليته، ومالت إليه النفس كل الميل، الميل». وهنا يا إخوان: تقع الفأس على الرأس، تقع الفأس على الرأس، فتصب مفاسد وأضرار العشق على هذا العاشق، فيصبح ماذا؟ ضحية ذلك. قال: «فإن قيل». وهذه العبارة: «فإن قيل»، مر معنا في ما سبق من فصول ماضية، أن ابن القيم رحمه الله تعالى يستعملها في إيراد الاعتراضات، يعني: «فإن قيل كذا»، أي اعتراضاً، فجوابه كذا وكذا. قال: «فإن قيل: قد ذكرتم آفات العشق ومفاسده، فهل لا ذكرتم منافعه وفوائده، التي من جملتها: رقة الطبع، تجعل صاحبها ماذا؟ طبعه رقيق، يسمونه رومانسي في الصلاحات العصرية اليوم، يقول لك: فلان رقيق الطبع، فلان رقيق الطبع». قال: «وترويح النفس، يعني إدخال الراحة عليها وخفتها وزوال ثقلها، ورياضتها، وحملها على مكارم الأخلاق: من الشجاعة والكرم والمرؤة، ورقة الحاشية، ولطف الجانب، ولطف الجانب». قال رحمه الله تعالى: «وقد قيل ليحيى بن معاذ الرازي، أحد أعلام السلف، رحمة الله عليه، قال: وقد قيل ليحيى بن معاذ الرازي: إن ابنك عشق فلانة، فقال: الحمد لله الذي صرّفه إلى طبع الآدم، إلى طبع الآدم، ويعني بطبع الآدم: أن الرجل بطبعه يميل إلى المرأة، إلى المرأة، بخلاف من يقع في عشق الصبيان والمردان، فيخرج عن طباع بني آدم، بل ويقع في أمر يتنزه عنه حتى الكثير من الحيوان». قال: «وقال بعضهم: العشق دواء أفئدة الكرام، العشق دواء أفئدة الكرام». وقال غيره: «العشق لا يصلح إلا لذي مروءة ظاهرة، وخليقة طاهرة، أو لذي شأن فاضل وإحسان كامل، أو لذي أدب بارع وحسب ناصع». هذا الآن كله يذكره في سياق، في سياق ماذا؟ منافع العشق، منافع العشق. قال: «وقال آخر: العشق يشجع جنان الجبان، يشجع جنان الجبان، وجنان يعني قلب الإنسان الجبان». قال: «ويصفي ذهن الغبي، ويسخ كف البخيل، يعني يجعل يد البخيل تنفق». قال: «ويذل عزة الملوك، ويسكن نوافر الأخلاق، وهو أنيس من لا أنيس له، وجليس من لا جليس له». وآما ذا؟ كأن ابن القيم رحمه الله تعالى ينقل من كلام شيخه ابن تيمية رحمه الله تعالى، فله فتوى في العشق، في جامع المسائل، لشيخ الإسلام ابن تيمية، له فتوى في العشق، ذكر منها مقولات وأشياء تتعلق بذلك. قال: «وقال آخر: العشق يزيل الأثقال، ويلطف الروح، ويصفي كدر القلبي، ويوجب الارتياح لأفعال الكرام، كما قيل: سيهلك في الدنيا شفيق عليكم، سيهلك، سيهلك في الدنيا شفيق عليكم، إذا غاله من حادث الحب غائله، إذا غاله، إذا غاله، ومعنى غاله: أي إذا أهلكه وأخذه من حيث لا يدري، من حيث لا يدري، إذا غاله من حادث الحب غائله، كريم يموت السر، أو كريم يميت السر، حتى كأنه إذا استفهموه عن حديث كجاهله، يود بأن يمسي سقيماً، لعلها إذا سمعت عنه بشكوى تراسله». انظر: يتمنى المرض، يتمنى أن يمرض، ولماذا يتمنى أن يمرض؟ يقول: «لعلها إذا سمعت بأنه مريض ترسل له رسالة، يقول: لا بأس عليك، طهور إن شاء الله، الله يعافيك من المرض، فيتمنى المرض من أجل أنها لو سمعت أنه مريض قد تراسله رسالة». قال: «ويهتز للمعروف في طلب العلا، ويهز للمعروف في طلب العلا، لتحمد يوماً عند ليلة شمائله». قال: «فالعشق على حسب قولهم، فالعشق يحمل على مكارم الأخلاق». وقال بعض الحكماء: «العشق يروض النفس ويهذب الأخلاق، إظهاره طبعي، وإضماره تكلفي، يعني بطبيعة الإنسان أنه يظهره مباشرة، الشيء الذي في القلب يظهر على صفحات وجهه، أو يظهر في كلمات لسانه، وإخفاء ذلك يحصل فيه من التكلف، فيما يحصل هكذا». قال بعضهم: «وقال آخر: من لم تبتهج نفسه بالصوت الشجي، من لم تبتهج، من لم تبتهج، أي من البهجة، وهو الفرح والسرور، قال: من لم تبتهج نفسها بالصوت الشجي، ما معنى الشجي؟ أي الصوت الجميل الحسن، والوجه البهي، أي من البهاء والحسن، قال: فهو فاسد المزاج، محتاج إلى علاج، محتاج إلى علاج». وهذا يا إخوان الذي يقال في مدح العشق، ليس من الأمور المسلمة، ليس من الأمور المسلمة. وقد سمعتم ما سمعتم من المفاسد والأضرار، وإثمهما أكبر من نفعهما. الله، الله عز وجل لما ذكر الخمر والميسر، ذكر أن فيهما إثم كبير ومنافع للناس، ثم قال سبحانه: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾. والعشق، والإثم الذي فيه، أكبر وأكبر وأكبر مما فيه من المنافع. يا إخوان: لو سلمنا، لو سلمنا أن فيه منفعة، وإلا فهو أضرار على أضرار. قال: «وأنشدوا في ذلك: إذا أنت لم تعشق ولم تدرم الهوى فأنت وعير في الفلاة سواء». لاحظ: هذا سبق معنا البيت: «إذا أنت لم تعشق ولم تدرم الهوى»، أي هوى الحب والعشق، «فأنت وعير في الفلاة سواء». ما هي العير يا أبا صفي؟ ما هي العير؟ ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾. ما هي العير؟ في غزوة بدر، خرج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه طلباً للعير، فأفلتت عليها، وقدر الله لهم النفير، الجيش، فوقعت المعركة، وكان نصر مؤزر للمسلمين. فما هو العير يا أبا جعفر، يا أبا صالح، عند أخيك؟ العير: ما هي الجمال، أحسن الإبل، ويطلق على الإبل إذا كان أيضاً عليها متاع وبضائع وغيرها. يقول: إذا أنت لم تعشق، يعني على نيتك إنسان مسكين، ليس لك علاقة بامرأة، ولا تعشق صبياً أمرد، ولا شيء من هذا، ولم تدري ما الهوى، ما عندك خلفية حول العلاقات الغرامية ونحوها، قال: فأنت وعير، أي وبعير أو ناقة، في الفلاة سواء، أي في صحراء، أنت وبعير وناقة سواء، إيش فرق بينكم؟ وهذا ليس بصحيح. قال: «وقال آخر: إذا أنت لم تعشق ولم تدري ما الهوى فكن حجراً من جانب الصخر، جلمد من جانب الصخر، جلمد». وهذا جاء في ماذا؟ في شعر أحد الشعراء الجاهليين، عمر بن أبي ربيعة، وهذا أيضاً ليس بصحيح. وقال آخر: «إذا أنت لم تعشق ولم تدري ما الهوى، فقم واعتلف تبناً، فأنت حمار». وهذا أيضاً مر معنا قريباً: «إذا أنت ما تعرف العشق، وليست لك علاقات، يعني حب وغرام، فقم واعتلف تبناً، أي كل قصباً يابساً مقطعاً، لماذا؟ لأنك حمار، لأنك حمار». وهذا أيضاً غير صحيح. قال: «وقال آخر: إذا أنت لم تعشق ولم تدري ما الهوى، فما لك في طيب الحياة نصيب». وقال بعض العشاق من أولي العفة والصيانة: «عفواً، عفواً، تشرفوا واعشقوا تضرفوا». عفواً، تشرفوا، أي تنالوا الشرف، واعشقوا، فماذا؟ تضرفوا، أن يكون الشخص عنده شيء من الضرافة، وماذا؟ وهذا كذلك أيضاً ليس بصحيح، وإنما الخير كل الخير في العفة، في العفة يقع الشرف، ويقع كذلك أيضاً من الأخلاق الفاضلة ما يقع، من الأخلاق الفاضلة ما يقع. قال رحمه الله تعالى: «وقيل لبعض العشاق: ما كنت تصنع لو ظفرت بمن تهوى؟ ما كنت تصنع إذا ظفرت بمن تهوى؟ فقال: كنت أمتع طرفي بوجهه، وأروح قلبي بذكره وحديثه، وآسر منه ما لا يحب كشفه، ولا أصير بقبح الفعل إلى ما ينقض عهده، إلى ما ينقض عهده». وهذا حال البعض من العشاق: يعشق ليس لأجل الفاحشة، بل يريد أن يستمتع بالنظر والحديث ونحو ذلك. قال: «وآسر منه ما لا يحب كشفه، ولا أصير بقبح الفعل إلى ما ينقض عهده». قال: «ثم أنشد: أخلو به فأعف عنه تكرماً، خوف الديانة، لست من عشاقه كالماء في يد صائم يلتذه، ظمآن، فيصبر عن لذيذ مذاقه». يقول: مثلي كمثل الصائم، أطشان، لكن إذا رأى الماء ارتاح، إذا رأى الماء ارتاح، هل يريد أن يشرب؟ الجواب: لا، لا يريد أن يشرب. قال: «وقال إسحاق بن إبراهيم: أرواح العشاق عطيرة لطيفة، وأبدانهم رقيقة خفيفة، نزهم المؤانسة، وكلامهم يحيي موتي القلوب، ويزيد في العقول، ولولا العشق والهوى لبطل نعيم الدنيا، لبطل نعيم الدنيا». قال: «وقال آخر: العشق للأرواح بمنزلة الغذاء للأبدان، إن تركته، وإن تركته، وإن أكثرت منه قتلك». وفي ذلك قيل: «خليليا، إن الحب فيه لذاذة، وفيه شقاء دائم وكروب على ذاك، على ذاك، ما عيش يطيب بغيره، ولا عيش إلا بالحبيب يطيب ولا خير في الدنيا بغير صبابة، ولا في نعيم ليس فيه حبيب، ليس فيه حبيب». وهذا يا إخوان وغيره كثير، مما يذكر لربما غر بعض الناس إلى أن يقع في شباك العشق. يقول: اسمعوا ماذا يقول هؤلاء الحكم، كيف يثنون على العشق، وأنه من الأمور التي تطيب بها الحياة؟ اقرأ في الخمر، واسمع ماذا يقول عنه أهل الخبرة، من المنافع والفوائد الموجودة في الخمر، لكن كم هي المضار والمفاسد، وكم هي الآثام المترتبة على شربه وبيعه وشرائه وحمله، وماذا غيرها من أوجه التعامل معها؟ والإثم أعظم من النفع والفائدة. وهكذا أيضاً يقال في العشق: يقال: المفاسد والآثام كثيرة وعديدة، إذا ما قرنت بماذا؟ بالمنافع. هذا يا إخوان: إذا سلمنا أن هناك منفعة، وإلا فالعشاق يا إخوان: أحدهم يظن أنه يعيش لذة وراحة، وهو في حقيقة الأمر يعيش في عذاب، ويعيش في حياة ضنكة، حياة ضنكة. وهذا يشمل جميع أنواع العشق، حتى الذين يعشقون الكرة، يظن أحدهم أنه يستمتع بمتابعة ومشاهدة المباريات، وهو في حقيقة الأمر، أما ذا؟ قلبه يتقطع إذا هزم فريقه الذي يشجعه، أو حصل ما حصل، فيعيش أحدهم في ماذا؟ في ضيق وهم، في ضيق وهم. أما ذا؟ السلامة لا يعادلها شيء، السلامة لا يعادلها شيء. قال رحمه الله تعالى: وهنا، بعد أن ذكر ما ذكر، سيذكر جملة من قصص العشاق، من قصص العشاق. قال: «وذكر الخرائطي عن أبي غسان، قال: مر أبو بكر الصديق بجارية وهي تقول: وهويته من قبل قطع تمائمي، وهويته من قبل قطع تمائمي متميساً بمثل القضيب الناعمي، متميساً مثل القضيب الناعمي». قال: فسألها، يعني أبا بكر، أو يعني أبو بكر الصديق، قال: فسألها: «أحرة أنت أم مملوكة؟» قالت: بل مملوكة. فقال: «من هواكِ؟» من هويكِ، يعني: من هذا الذي أنت تتغنين فيه وتعشقينه؟ من هويكِ؟ فتلكأت، فأقسم عليها، فقالت: فقالت: «وأنا التي لعب الهوى بفؤادي، وأنا التي لعب الهوى بفؤادي قتلت بحب، أو قتلت بحب محمد، بحب محمد بن القاسم». قتلت بحب محمد بن القاسم. وقال: فاشتراها من مولاها، وبعث بها إلى محمد بن القاسم بن جعفر بن أبي طالب. وقال: «هؤلاء فتن الرجال، وكم والله قد مات بهن كريم، وعطب بهن سليم، وعطب بهن سليم». وهذه القصة ذكرها الإمام الخرائطي رحمه الله تعالى، كما في كتابه «اعتلال القلوب». وذكر رحمه الله تعالى، ذكر قصصاً كثيرة في ذلك، ذكر قصصاً كثيرة في ذلك. لكن هذه القصة التي بين أيدينا لا تصح، حكم عليها بعض العلماء بالضعف والنكارة، فإسنادها معضل، إسنادها معضل. وما هو المعضل يا أبا خالد؟ ما هو المعضل من الأسانيد؟ أحسنت. ماذا قال البيقوني؟ «والمعضل الساقط منه اثنان، وما أتى مدلساً نوعاني». فهنا عندنا أبو غسان، هذا الذي يروي عن أبي بكر الصديق، هو مالك بن إسماعيل النهدي. لاحظوا: بينه وبين أبي بكر الصديق ثلاثة، بينه وبين أبي بكر الصديق ثلاثة، لأنه مات سنة مائتين وتسعة عشر، فعلى أقل تقدير بينه وبين أبي بكر ثلاثة. أيضاً لاحظوا النكارة الموجودة في متنه. قال رحمه الله تعالى: «وجاءت عثمان بن عفان رضي الله عنه جارية». ما إعراب «جارية» ها هنا؟ ما إعراب؟ نعم، فاعل مؤخر، أحسن. قال: «وجاءت عثمان بن عفان رضي الله عنه جارية تستعدي على رجل من الأنصار، تستعدي، وفي بعض النسخ تستدعي، أي لها دعوة وشكوى على رجل من الأنصار. فقال لها عثمان: ما قصتك؟ فقالت: كلفت يا أمير المؤمنين بابن أخيه. قالت: كلفت، قالت: كلفت يا أمير المؤمنين بابن أخيه، فما أنفك أراعيه. فقال له عثمان، فقال له عثمان: إما أنت هبها لابن أخيك، أو أعطيك ثمنها من مالي. فقال: أشهدك يا أمير المؤمنين أنها له، أنها له». وهذه القصة أيضاً ذكرها ابن القيم في كتابه «روضة المحبين ونزهة المشتاقين، ونزهة المشتاقين». لكن ماذا؟ هذه، كما ذكر بعض أهل العلم، أنه لا أصل لها، أنه لا أصل لها، أي ليس لها إسناد صحيح تثبت به. قال رحمه الله تعالى: «ونحن لا ننكر فساد العشق الذي متعلقه فعل الفواحش بالمعشوقين، فعل الفواحش بالمعشوقين، في بعض النسخ: فعل الفاحشة بالمعشوق. قال: وإنما الكلام في العشق العفيف، من الرجل الظريف، الذي يأبى له دينه وعفته ومرؤته أن يفسد ما بينه وبين الله، وما بينه وبين معشوقه بالحرام. وهذا كعشق السلف الكرام والأئمة الأعلام». فهذا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أحد الفقهاء السبعة، أي فقهاء المدينة السبعة، قال: عشق حتى اشتهر أمره، ولم ينكر عليه، ولم ينكر عليه. وعد ظالماً من لامه، وعد ظالماً من لامه. ومن شعره: «كتمت الهوى حتى أضر بك الكتم، ولامك أقوام، ولومهم ظلم فنم، فنم، فنم عليك الكاشحون، وقبلهم عليك الهوى قد نم لو ينفع الكتم، فأصبحت كالنهدي، إذ مات حسرة على إثر هند، أو كمن شفه، أو شفه سقم تجنبت إتيان الحبيب تأثماً، ألا إن هجران الحبيب هو الإثم فذق هجرها، قد كنت تزعم أنه رشاد، ألا يا ربما كذب الزعم، كذب الزعم». وهذا، هذا ماذا يريد أن يبين ها هنا؟ قول بعضهم: أن من يذكر فوائد في العشق، لا يريد به ما يكون سبباً للوقوع في الفواحش، وإنما هو الحب الذي يقع في القلب، في القلب، وقد يكون عند صاحبه رغبة في الوصول إلى ذلك المحبوب، إما بزواج، وإما بملك يمين، وإما بملك يمين،كذا. ذكر رحمه الله تعالى: «وهذا عمر بن عبد العزيز، وعشقه لجارية، فاطمة بنت عبد الملك امرأته، مشهور، امرأته مشهور. وكانت جارية بارعة الجمال، وكان معجباً بها، وكان يطلبها من امرأته، ويحرص على أن تهبها له، فتأبى عليه، فتأبى عليه. قال: ولم تزل الجارية في نفس عمر حتى استخلف، فلما استخلف، أمرت فاطمة بالجارية فأصلحت وزينت، وكانت مثلاً في حسنها وجمالها، ثم أدخلتها على عمر، وقالت: يا أمير المؤمنين، إنك كنت معجباً بجارية فلانة، وسألت، وسألتنيها، فأبيت عليك، والآن قد طابت نفسي لك بها. فلما قالت له ذلك، استبان الفرح في وجهه، وقال: عجلي بها علي. فلما أدخلتها عليه، وإذا هي كالقمر حسناً، فلما رآها ازداد بها عجباً وسروراً، وقال لها: ألقي رداءك، ففعلت. ثم قال لها: على رسلك، أخبريني لمن كنتِ، ومن أين صرتِ لفاطمة؟ فقالت: أغرم الحجاج، أو أغرم الحجاج، عاملاً له بالكوفة، مالاً. أغرم الحجاج عاملاً له بالكوفة، مالاً، أي أصبح غارماً مديونة. قالت: وكنت في رقيق ذلك العامل، رقيق، أي في ملكه. قالت: فأخذني وبعث بي إلى عبد الملك، أخذني وبعث بي إلى عبد الملك، خليفة المسلمين، الذي هو والد فاطمة بنت عبد الملك، زوجة عمر بن عبد العزيز. قال: أو قالت: فوهبني لفاطمة. فقال: وما فعل ذلك العامل؟ قالت: هلك. فقال لها: وهل ترك ولداً؟ قالت: نعم. قال: فما حالهم؟ قالت: سيئة. فقال: شدي عليك ثيابك، واذهبي إلى مكانك. ثم كتب إلى عامله على العراق: أن ابعث إلى فلان بن فلان على البريد. فلما قدم، قال له: ارفع إلي جميع ما غرمه الحجاج لأبيك، فلم يرفع إليه شيئاً إلا دفعه إليه. ثم أمر بالجارية فدفعت إليه. ثم قال له: إياك وإياها، فلعل أباك كان ألم بها، كان ألم بها، يعني: انظر إلى عمر بن عبد العزيز، وما كان عليه من زهد وورع، أعاد الجارية التي أخذها الحجاج من ذلك العامل، أعادها إلى أولاده، إلى ورثته. ثم قال له: إياك وإياها، فلعل أباك كان ألم بها، أي كان يطأها ويجامعها، ومعنى ذلك أنه لا يحل لك أن تفعل بها أنت أيضاً ذلك. قال: فقال الغلام: هي لك يا أمير المؤمنين. قال: لا حاجة لي بها. قال: فابتع، قال: فابتعها مني، يشتريها مني. قال: لست إذن ممن نهى النفس عن الهوى. فلما عزم الفتى على الانصراف بها، قالت: أين وجدك بي أمير المؤمنين؟ أين الشوق الذي كان عندك تجاهي؟ قالت: أو قال: على حاله، وقد زاد. ولم تزد الجارية في نفس عمر حتى مات، رحمه الله، حتى مات رحمه الله». ولا زال ابن القيم يذكر قصصاً ويذكر آثاراً في هذا الباب، لعل الله أن يسر إتمام ذلك في مجالس لاحقة. أسأل المولى تبارك وتعالى أن ينفعنا بما نقول أو نسمع، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.