الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 94، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الحديث يؤكد على أهمية الرحمة والمغفرة بين الناس وعلاقتها برحمة الله تعالى ومغفرته. يشجع على الإحسان إلى المعسر والتيسير عليه.
يتحدث عن أهمية التجاوز عن المعسرين والمغفرة لمن أساء إلينا، ويحذر من الإصرار على الذنوب وعدم اتباع الأوامر واجتناب النواهي.
يجب على الإنسان تحمل مسؤولية أخطائه والرجوع عنها والتوبة إلى الله دون اكتراث لآراء الناس، والرجوع عن الخطأ يعتبر رفعة للإنسان.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»: حدثنا محمد بن عقبة، قال: حدثنا محمد بن عثمان القرشي، قال: حدثنا حريز، قال: حدثنا حبان بن يزيد الشرعبي، عن عبد الله بن عمر بن العاص، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ارحموا ترحموا، واغفروا يغفر الله لكم، ويل لأقماع القول، ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون». الحديث صحيح، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله في «الصحيحة». وقوله: «ويل لأقماع القول»، قال رحمه الله معلقا: جمع قمع، كظلع، وهو الإناء الذي يترك في رؤوس الظروف لتملأ بالمائعات من الأشربة والأدهان. شبه أسماع الذين يستمعون القول ولا يعونه ولا يحفظونه ولا يعملون كالأقماع التي لا تعي شيئا مما يفرغ فيها، فكأنه يمر عليها مجازا كما يمر الشراب في الأقماع اجتيازا. في هذا الحديث أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالرحمة، قال: «ارحموا ترحموا»، أي إذا رحمتم غيركم فإن غيركم يرحمكم، فإنك إذا رحمت الناس رحمك الناس، وهكذا رحمك الله سبحانه وتعالى. «واغفروا يغفر الله لكم»، أي إذا غفرت - والغفر: الستر - ومنه سمي المغفر لأنه يستر الرأس - والمعنى أنك إذا غفرت عن غيرك وسترت عليه يغفر الله جل وعلا لك. فإن الرحمة والمغفرة إذا تعامل بها العبد مع غيره من الناس كانت سببا في عفو الله سبحانه وتعالى ورحمته ومغفرته. ومن ذلك أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالإحسان إلى المعسر، الإحسان إلى المعسر الذي ما عنده ما يسدد به الدين، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يحسن إليه وأن ينظر، وأن كذلك أيضا لا يشد عليه. وفي مقابل ذلك أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بحصول الأجر والثواب العظيم على ذلك، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة، ومن حديث أبي مسعود، ومن حديث حذيفة في إخبار النبي عليه الصلاة والسلام عن رجل أتاه الله جل وعلا مالا، فسأله رب العالمين سبحانه وتعالى عما فعل بهذا المال، فقال: يا رب إني كنت أعامل الناس، وكان من خلقي الجواز - يعني التيسير - فكنت أيسر على الموسر أو المعسر، وأنظر أو كنت أيسر على الموسر وأنظر المعسر - يعني أخفف ويسر على الموسر الذي عنده، والمعسر الذي ما عنده أنظره أو أتجاوز عنه - يعني أسامحه. فقال الله سبحانه وتعالى: نحن أولى بذلك منك، فاغفروا له، أو قال: فادخلوه الجنة. انظروا كسب هذه المعاملة: حسن تعامل مع الناس، وتجاوز ومغفرة، غفر الله سبحانه وتعالى له وأدخله الجنة. وهكذا أيضا في التجاوز والمغفرة عمن أساء إليك، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَصْغِرْ حَسَنَةٌ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. فالذي يتجاوز عمن أساء إليه فإن ذلك سببا في أن يتجاوز الله سبحانه وتعالى عنه، وكذلك أن يغفر الله سبحانه وتعالى له. قال: «ويل لأقماع القول»، وهذا وعيد من النبي عليه الصلاة والسلام للذين لا يعون ما يسمعون، الذين لا يعون ولا يعتبرون بما يسمعون، يسمع القول ثم يخرج من الجانب الآخر، وكأنه ما سمع شيئا، يسمع الأوامر فلا يطيعها، ويسمع النواهي فلا يجتنبها، بل يرتكبها، كلما سمع شيئا لم يفعل ما أمر به، ولم يترك ما نهي عنه، فهؤلاء توعدهم النبي عليه الصلاة والسلام بالويل. والويل قيل: واد في جهنم، وقيل: كلمة زجر وتهديد. والذي ينبغي على المسلم أنه إن سمع القول فيتبع أحسنه، كما وصف الله سبحانه وتعالى أهل الإيمان الذين يسمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله، وأولئك هم الألباب. هذا ينبغي أن يكون المسلم إذا سمع القول الحسن فيتبع مستطاع، فيتبعون أحسنه، يكون عنده حرص وعنده كذلك رغبة في فعل الخير، كلما سمع شيئا من الخير يحاول أن يفعله وأن يكون من أهله. وإذا سمع ما نهى الله سبحانه وتعالى عنه فإنه يجتنبه ويتركه لله سبحانه وتعالى، فيكون متبعا لما سمع، ولا يكون كحال أولئك الذين ذمهم الله سبحانه وتعالى من الكفار والمنافقين الذين لهم آذان لا يسمعون بها. والمعنى أنهم لا يعتبرون ولا يتعظون بما يسمعون، وإن كانوا يسمعون حسا يسمعون بآذانهم، ولكن لا عبرة ولا أثر لما يسمعون، ولا كذلك يظهر ذلك في أقوالهم وفعالهم، فذمهم الله سبحانه وتعالى، وكذلك أعدهم بالعقاب. قال: «ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون»، وهذا أيضا وعيد من النبي عليه الصلاة والسلام لمن يصر على الخطأ ويصر على الذنب. يصر على الخطأ وهو يعلم أنه على خطأ وعلى باطل، يرتكب المعصية ويصر عليها وهو يعلم أن هذه معصية حرمها الله، حرمها رسوله عليه الصلاة والسلام، ثم يصر على فعلها، فهذا متوعد بالعقاب. والمؤمن وإن كان غير معصوم، لكن الواجب عليه أن يرجع وأن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى إذا وقع بالخطأ. نعم هو غير معصوم، لكن ليس له أن يصر، أن يصر على الذنب ويستمر عليه. ولهذا وصف الله سبحانه وتعالى أهل الإيمان وأهل التقى الذين هم من أهل الجنة أنهم لا يصرون على فعل المعاصي، كما قال جل وعلا: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. هكذا أثنى الله سبحانه وتعالى على من صفاتهم أنهم لا يصرون، لا يصرون على الذنب، بل يتوبون ويرجعون. وهذا لا ينافي التقوى، ليس معنى التقى أنك تكون معصوما من الوقوع في الخطأ، لا أنت معرض للخطأ ومعرض للذنب، لكن الواجب أنك تنيب وترجع إلى الله سبحانه وتعالى، ولا تصر على فعل المعصية والاستمرار عليها. فإذا فعلت ذلك فإنك حينئذ تكون معرضا للعقاب وللعذاب الذي أوعد الله سبحانه وتعالى به عباده. «ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون»، فينبغي للمسلم أن يحذر أن يحذر من الإصرار على الذنب والخطأ، بل يجب عليه أن يرجع، يجب عليه أن يرجع مهما كان الذنب ومهما كانت المعصية. ولا كذلك أيضا يأخذه الكبر، ربما بعض الناس إذا وقع في ذنب وأصر عليه، وكذلك انتشر خبره وأمره بين الناس، فتأخذه الكبر أن يرجع عن هذا الخطأ حتى لا يقال: إنه أخطأ، كأنه يرى أن هذه كبيرة أن تقال بحقه أنه وقع في الخطأ أبدا، ليس هذا بماذا بشيء ينقص من قدر صاحبه. فأنت غير معصوم، أنت بشر تصيب وتخطئ، فإذا أصبت فالحمد لله، وإذا أخطأت فعليك أن ترجع وتتوب إلى الله سبحانه وتعالى، ولا تبالي بأحد من الناس، بل رجوعك عن الخطأ رفعة، رفعة لك في الدنيا وفي الآخرة. والله تعالى أعلم.