الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 157، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يؤكد المقطع على أهمية التجربة في اكتساب الحلم، حيث أن الحليم الكامل هو من مارس الأمور وجربها. كثرة التجارب تعطي الإنسان حكمة في التعامل مع الأخطاء.
يتناول فضل إطعام الطعام ويستدل على أهميته من القرآن والسنة، مع الإشارة إلى أثر ضعيف يرويه محمد بن الحنفية عن علي بن أبي طالب. إطعام الطعام له مكانة عالية في الإسلام.
يشرح المقطع حلف المطيبين بين قريش وبعض القبائل، ويبين موقف الإسلام منه ورغبة النبي في عدم نقضه. كما يوضح معنى الحلف في الإسلام وأنه لا يتعارض مع نصر المؤمن لأخيه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: قال باب التجارب، قال حدثنا فروة بن أبي المغراء واسمه معدي كرب، اسمه أبو المغراء وهو أبو القاسم وهو صدوق الحديث، قال حدثنا علي بن مسهر وهو ثقة، عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كنت جالسا عند معاوية فحدث نفسه ثم انتبه فقال: لا حلم إلا تجربة، يعيدها ثلاثا. والآثر صححه شيخ الألباني رحمه الله. قال وحدثنا سعيد بن عفير وهو سعيد بن كثير بن عفير، قال حدثنا يحيى بن أيوب عن ابن الزحر وعبيض الله عن أبي الهيثم عن أبي سعيد قال: لا حليم إلا ذو عثرة ولا حكيم إلا ذو تجربة. وهذا الأثر ضعيف كما قال الشيخ الألباني رحمه الله، فابن الزحر هذا ضعيف. قالوا حدثنا قتيبة قال حدثنا ابن وهب عن عمر بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. وهذا السند كذلك ضعيف فدراج ضعيف وفي روايتي كذلك عن أبي الهيثم ضعف، وهو كثير المناكير كما قال الشيخ محمد رحمه الله. فصح الآن هذا الأثر من قول معاوية رضي الله تعالى عنه: لا حلم إلا تجربة. وأراد بذلك رضي الله تعالى عنه أن الحليم الكامل في الحلم هو الذي قد جرب الأمور ومارس الأشياء، ومن ذلك ما يحصل للإنسان من عثرات ومن زلات، فإنه يحسن معاملتها، لأنه يعلم أن الإنسان بشر لا يسلم من الخطأ، فهو معرض للزلل ومعرض للخطأ. فإذا علم ذلك فإذا وقع أخوه في زلة فإنه يحسن معاملته بالحلم والحكمة، ولا تكون معاملته له بالعنف والشدة والقسوة، لأنه يعلم أنه لا يسلم من ذلك، ربما يقع هو كذلك في مثل هذا الأمر، فكما أنه يحب من الناس أن يعاملوه بالمعاملة الحسنة فهو كذلك ينبغي أن يعامل غيره بالمعاملة الحسنة. وهذا من الحلم الذي قد يحرمه الكثير بسبب قلة التجارب، ولهذا تجد أن الأثر الذي يوفق لهذا الخلق وحسن التعامل والحلم في وضع الأشياء في مواضعها هو من كان أكثر تجربة، فتجد العالم الكبير عنده من الحلم ومن الحكمة ما ليس عنده العالم الصغير، والسبب في ذلك هو خبرة هذا العالم الكبير بكثرة تجربته، فإنه يعرف كيف يعالج الأمور بخلاف الصغير الحدث، فإنه ربما تكون عنده سرعة وعنده طيش الشباب، فيعالج أو يعامل الأمور بالشدة والقوة، فتكون في ذلك النتيجة السيئة. وهذا واقع حاصل في كثير من المسائل والأحداث التي ربما يعاشرها الكثير، فيرى كيف يكون حلم العلماء وكيف يكون عجلة السفهاء، فالتجارب أو كمال الحلم يكون بالتجربة، وهذا يجعل المسلم أكثر اطمئنانا بالرجوع إلى العلماء الكبار خاصة عند حصول الفتن ووقوع المصائب، فإنه يرجع إلى من كان ذا خبرة أكثر وذا تجربة. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «البركة مع أكابركم». وكما يقال في المثال: إسأل المجرب ولا تسأل خبير، المجرب عنده من الخبرة أكثر مما ربما عنده مجرد علم ظاهر فقط، ليس شيئا واقعيا. فلهذا فإن العلماء الكبار عندهم من التجارب ما ليس عند غيرهم، ولهذا كمل لهم حلمهم وحكمتهم. قال باب من أطعم أخا له في الله، قال حدثنا سليمان أبو الربيع قال حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن ليث وابن أبي سليم، ضعيف، ضعيف اختلط رحمه الله في آخر عمره، فكان يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل، قال عن محمد بن نشر عن محمد بن الحنفية وهو محمد بن علي بن أبي طالب، نسب إلى أمه وهو كذلك من أهل البيت الصالحين، وما يدعي فيه الشيعة من أنه مهدي أو أنه لم يمت فكل ذلك باطل وهو بريء منه رحمه الله، عن علي وهو ابن طالب، قال: لأن أجمع نفرا من إخواني على صاع أو صاعين من طعام أحب إلي من أن أخرج إلى سوقكم فأعتق رقبة أو فأعتق رقبة. وهذا الأثر ضعيف بسبب ليث من أبي سليم. وأراد ذكر هذا الأثر في هذا الباب هو الحث على إطعام الطعام، لهذا قال بابا أطعم أخا له في الله، ويغني عنه أدلة كثيرة منها قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا﴾. وهكذا أيضا قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله من السلام من الترمذي وغيره: «أفش السلام وأطعم الطعام وصلوا بالليل والناس نيام تدخل الجنة بسلام». فهذه أدلة وغيرها كثير في الحث على إطعام الطعام وأن في ذلك أجر وثواب بل وسبب أسباب دخول الجنة. قال رحمه الله باب حلف الجاهلية، قال حدثنا عبد الله بن محمد بن إبراهيم قال حدثنا إسماعيل وهو ابن علية، وهناك إبراهيم بن علية وهو ابن هذا الإمام، إسماعيل بن علية إمام في الحديث وابنه إبراهيم من رؤوس المعتزلة، إبراهيم بن علية، وانظروا كيف أن التوفيق بيد الله سبحانه وتعالى، الأب سني على استقامة على طريقة أهل الحديث وابنه معتزلي من رؤوس أهل البدع والضلال، وهكذا ينال العبد الهداية من الله سبحانه وتعالى. قال عن عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري محمد بن مسلم عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه وجبير بن مطعم عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «شهدت مع عمومتي حلف المطيبين فما أحب أن أنكثه وأن لي حمر النعم». والحديث صحيح صححه الشيخ الألباني رحمه الله، وأشار رحمه الله إلى أن قوله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سقطت في كثير من نسخ وأثبتها في هذه النسخة. وفي هذا الحديث إخبار النبي عليه الصلاة والسلام بأنه شهد مع عمومته حلف المطيبين، والحلف هو العهد والمعاقدة على التكاتف والتعاضد والاتفاق ومناصرة البعض للبعض فيما يتعاقد عليه، وكان مما تعاقد عليه أهل الجاهلية أن تجتمع القبائل بعضها مع بعض وتعقد حلفا بأن ينصر بعضهم بعضا وأن يقاتل بعضهم مع بعض وأن يسالم بعضهم مع بعض، فمنهم من يكون فيه ظلم واعتداء ومنهم من يكون قائما على نصرة المظلوم ودفع الظالم. وهذا الحلف الذي شهده النبي عليه الصلاة والسلام كان عقد لأجل دفع الظالم ونصرة المظلوم، وذلك حين تحالفت قريش وبعض القبائل منها وهم بنو هاشم وبنو زهرة تعاقدوا على نصرة المظلوم ودفع الظالم، وسمي بحلف المطيبين لأنهم عندما تحالفوا أتوا بطيب فوضعوه في جفنه ثم غمسوا أيديهم فيه وذهبوا إلى الكعبة ومسحوا أيديهم في الكعبة تأكيدا لهذا الحلف. فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بأنه شهد هذا الحلف حلف المطيبين، قال: فما أحب أن أنكثه وأن لي حمر النعم، يعني ما أحب أن أنقض هذا الحلف ولو كان لي حمر النعم، وحمر النعم هي من أنفس أموال العرب الإبل الحمر، ومعنى ذلك أن هذا الحلف لما كان فيه نصرة المظلوم ودفع الظالم كان من المعاني التي رغب فيها الشرع ووافق فيها ما جاء به الإسلام. فكان ذلك بيان من النبي عليه الصلاة والسلام على موافقة هذا الحلف لما في الإسلام، ومع ذلك فقد بين النبي عليه الصلاة والسلام كما سيأتي في الأحاديث الأخرى أنه لا حلف في الإسلام، وجمع العلماء بين قول النبي عليه الصلاة والسلام فما أحب أن أنكثه مع إخباره بأنه لا حلف في الإسلام بأن المنفي ما كان التحالف فيه على الظلم، ما كان التحالف فيه على الظلم نصرة الظالم والإعانة معه على المظلوم، وهكذا ما فيه معنى من معاني أيضا خالف الشرع فهذا منفي. وأما ما كان فيه معنى من المعاني التي حث عليها الشرع من نصرة المظلوم ودفع الظالم وكذلك تقوية الأخوة إلى آخر ذلك فهذا لا ينفيه الإسلام، وكذلك أيضا ما كان من الحلف فيه توارث فهذا كذلك منفي، فإنهم كانوا يتوارثون بالحلف والعقد الذي يعقدونه، وهذا نسخه الإسلام وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض، وما لم يكن فيه توارث فإن الإسلام لا ينكره. وأحسن من هذا ما ذكره ابن القيم رحمه الله في تهذيب السنن أن الإسلام لما كان فيه حث على الأخوة والتكاتف وإعانة المسلم لأخيه ودفع الظالم عنه وغير ذلك من المعاني، فلما كان الحلف في هذا المعنى فإن الإسلام يقوي معنى هذا الحلف ويشد منه، وما كان فيه معنى آخر من المعاني تخالف الشرع فإن الإسلام لا يقره بل ينفيه. ومع ذلك فمجيء الحلف وحصول الحلف على هذا المعنى أي المشروع فإن الإسلام يغني عنه، لأن الإسلام قائم على الأخوة والترابط ودفع الظالم ونصرة المظلوم، فلا فائدة حينئذ من الحلف. وأما ما جاء فيه ثاني الذي سيأتي من إخباره رضي الله تعالى عنه حين أخبره عاصم بن سليمان الأحوال عن قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا حلف في الإسلام»، فقال أنس رضي الله تعالى عنه: ما حلف رسول الله أو حلف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين قريش والأنصار في بيتي، فأراد أنس رضي الله تعالى عنه أن يبين وظن أو فهم رضي الله تعالى عنه أن المنفي هو الحلف الذي فيه معنى من المعاني التي يحث عليها الشرع، فلهذا قال: حالف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين قريش والأنصار. فأراد أن يذهب رضي الله تعالى عنه ما قد يفهم من قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا حلف في الإسلام» أنه لا مناصرة ولا أخوة تكون بين المسلم مع أخيه المسلم في دفع الضرر ونصرته، وهكذا أيضا دفع الظالم الذي يريد ظلمه، فذكر حلف النبي عليه الصلاة والسلام الذي فعله بين قريش والأنصار. طيب نقف هنا إن شاء الله ونكمل في درس قادم والله تعالى أعلم.