الدرس في شرح القواعد الأربع 3، الدرس الثالث:من( لعل الله أن يخلصك من هذه الشبكة وهي اللشرك بالله ... ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون ). ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الدرس ببيان أهمية فهم الشرك وأقسامه، ويشدد على ضرورة معرفة القواعد الأربع لاجتناب الشرك. يوضح أن الكفار كانوا يعترفون بوجود الله لكن ذلك لم يكفي لدخولهم الإسلام.
يناقش الدرس توحيد الربوبية كأحد أقسام التوحيد الثلاثة عند أهل السنة، ويعرفه بإفراد الله بأفعاله. يشير إلى أن هذا النوع من التوحيد فطرت عليه النفوس وتقر به معظم الأمم.
يتناول الدرس اعتقاد الكفار بوجود الله وربوبيته، ويشير إلى أن معظم الكفار كانوا يقرون بوجود الله وخالقيته. يبين أن بعض الفرق القديمة والحديثة أنكرت وجود الله لكن هذه النظريات باطلة وتناقض العقل.
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، فَلَا زِلْنَا إخْوَانِي فِي اللَّهِ فِي مُقَدِّمَةِ هَذِهِ الرِّسَالَةِ الْمُسَمَّاةِ بِالْقَوَاعِدِ الْأَرْبَعِ، وَكَيْفَ أَنَّ الْمُؤَلِّفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ بَعْضَ الْجَوَانِبِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى تَعْظِيمِ أَمْرِ الشِّرْكِ، وَكَيْفَ أَنَّ مِنْ قُبْحِهِ أَنَّهُ مَتَى مَا خَالَطَ الْعَمَلَ أَفْسَدَهُ، وَأَنَّ الشِّرْكَ مَنْ دَخَلَ فِيهِ فَلَنْ يَخْرُجَ أَبَدًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ لِصَاحِبِهِ. وَلِهَذَا قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُخَلِّصَكَ مِنْ هَذِهِ الشَّبَكَةِ»، وَهِيَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وَهَذِهِ الْآيَةُ كَفَاهَا رَادِعًا وَزَاجِرًا لِمَنْ هَابَ مِنْ أَمْرِ الشِّرْكِ وَمَا بَالَ بِهِ. وَلِهَذَا كَانَ يَنْبَغِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَعْتَنِيَ بِهَذَا الْبَابِ، وَأَنْ يَتَعَرَّفَ عَلَى الشِّرْكِ، وَذَلِكَ مِنْ بَابِ الْحَذَرِ مِنْهُ، كَانَ يَتَعَلَّمُ مَا هِيَ صُوَرُهُ وَمَا هِيَ أَقْسَامُهُ، عَلَّ وَعَسَى يَا عَبْدَ اللَّهِ أَنْ تَنْجُوَ مِنْهُ. وَمَا أَوْقَعَ النَّاسَ فِي الَّذِي أَوْقَعَهُمْ فِي الشِّرْكِ إلَّا لِجَهْلِهِمْ بِهَذَا الْبَابِ، كَمْ مِنْ النَّاسِ وَقَعُوا فِي مُسْتَنْقَعِ الشِّرْكِ، وَيُنْكِرُونَ ذَلِكَ، لِقِيَ لَكَ «مَا أَشْرَكْنَا»، وَهُمْ فِي الشِّرْكِ الصَّرَاحِ مِنْ صَرْفِ الْعِبَادَاتِ لِغَيْرِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، سَوَاءٌ كَانَتْ عِبَادَاتٍ قَلْبِيَّةٍ أَوْ عِبَادَاتٍ عَمَلِيَّةٍ. فَإِنْ سُئِلُوا قَالُوا: «يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا أَشْرَكْنَا»، حَاشَانَا مِنْ الشِّرْكِ، هُمْ فِي الشِّرْكِ لَكِنَّهُمْ جَهِلُوا، لِجَهْلِهِمْ بِبَابِ الشِّرْكِ أَوْقَعَهُمْ ذَلِكَ فِي الشِّرْكِ. وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا، إخْوَانِي فِي اللَّهِ، أَنْ يَحْذَرَ مِنْهُ، وَهَذَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، مِنْ هُوَ فِي فَضْلِهِ وَعِلْمِهِ وَتَقْوَاهُ وَتَوْحِيدِهِ، كَانَ مِنْ دُعَائِهِ يَقُولُ: «وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ»، مَا اطْمَأَنَّ لِنَفْسِهِ، وَمَا اقْتَصَرَ بِأَعْمَالِهِ، حَاشَا وَإِنَّمَا كَانَ يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ. وَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ: «فَمَنْ يَأْمَنُ الْبَلَاءَ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ؟»، إذَا كَانَ هَذَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِهَذِهِ الدَّرَجَةِ مِنْ الْخَوْفِ مِنْ وُقُوعِهِ فِي الشِّرْكِ، فَنَحْنُ مِنْ بَابِ أَوْلَى وَأَوْلَى. وَنَحْنُ فِي وَاقِعِنَا الْمُعَاصِرِ، كَمْ نَرَى مِنْ أُنَاسٍ وَقَعُوا فِي هَذِهِ الشَّبَكَةِ، فَكَانُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَكَانُوا مِنْ الْمُرْتَدِّينَ لِأَعْمَالِهِمْ، بِبَعْضِ الْأَفْعَالِ تُعْتَبَرُ مِنْ نَوَاقِضِ الْإِسْلَامِ. فَقَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «وَذَلِكَ بِمَعْرِفَةِ أَرْبَعِ قَوَاعِدَ ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ»، إذَنْ هَذَا هُوَ السَّبَبُ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أَلَّفَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الرِّسَالَةَ، بِأَنْ تَتَعَرَّفَ عَنْ طَرِيقِ هَذِهِ الْقَوَاعِدِ إلَى مَا يُخَلِّصُكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ مِنْ الشِّرْكِ. وَالْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذَا الْبَابِ لَا يُشَقُّ لَهُ غُبَارٌ، وَهُوَ مِنْ أَئِمَّةِ التَّوْحِيدِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنْ الْفِقْهِ وَمِنْ الْبَصِيرَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَفِي السُّنَّةِ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، مَا كَانَ مِنْ قُدْرَتِهِ اسْتِخْلَاصُ مِثْلِ هَذِهِ الْقَوَاعِدِ، وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، وَكَذَلِكَ مُدَعَّمَةٌ مِنْ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَهِيَ تُعْتَبَرُ رُءُوسَ أَقْلَامٍ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْ الشِّرْكِ. وَهَذَا وَاضِحٌ جَلِيٌّ فِي حَقِّ مَنْ تَأَمَّلَ هَذِهِ الْقَوَاعِدَ الْأَرْبَعَ وَتَعَرَّفَ عَلَيْهَا، يَعْلَمُ بِأَنَّهُ بِإِذْنَ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا يَكُونُ مِنْ أَبْعَدِ النَّاسِ عَنْ الشِّرْكِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «الْقَاعِدَةُ الْأُولَى: أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الْكُفَّارَ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقِرُّونَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْخَالِقُ الْمُدَبِّرُ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُدْخِلْهُمْ فِي الْإِسْلَامِ»، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾. هَذِهِ الْقَاعِدَةُ الْأُولَى الَّتِي أَثَارَهَا الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ، قَالَ: «أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الْكُفَّارَ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ مُقِرُّونَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْخَالِقُ الْمُدَبِّرُ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُدْخِلْهُمْ فِي الْإِسْلَامِ». وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ اجْتَمَعَتْ عَلَى مَقَالَتَيْنِ، نَشِيرُ إلَى بَعْضِهَا بِشَيْءٍ مِنْ الْإِشَارَةِ، مِنْ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ أَنْوَاعِ التَّوْحِيدِ هُوَ الَّذِي يُسَمَّى عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ. وَإِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ، إخْوَانِي فِي اللَّهِ، أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مِنْ تَقَاسِيمِ التَّوْحِيدِ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ يَنْقَسِمُ إلَى أَقْسَامٍ ثَلَاثَةٍ، وَهَذَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ لَهُمْ تَقْسِيمٌ آخَرُ، وَكُلُّهُ مُسَمَّى وَمُؤَدٍّ وَاحِدٍ. لَكِنَّ الْكَثِيرَ مِنْ الْعُلَمَاءِ عَلَى هَذَا التَّقْسِيمِ، وَهُوَ تَقْسِيمٌ تَفْصِيلِيٌّ بِأَنَّ التَّوْحِيدَ عَلَى أَقْسَامٍ ثَلَاثَةٍ: تَوْحِيدٌ فِي الرُّبُوبِيَّةِ، وَتَوْحِيدٌ فِي الْأُلُوهِيَّةِ، وَتَوْحِيدٌ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ. وَهَذَا التَّقْسِيمُ مِنْ التَّقَاسِيمِ الْمَشْهُورَةِ، وَمِنْ التَّقَاسِيمِ الْمُعْتَبَرَةِ وَالْمُعْتَمَدَةِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، فَلَا تُبَالِي يَا عَبْدَ اللَّهِ بِنَعْقِ مَنْ يَنْعِقُ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ فِي رَدِّهِ وَفِي صَدِّهِ لِهَذِهِ الْأَنْوَاعِ مِنْ أَنْوَاعِ التَّقَاسِيمِ. فَإِنَّ الْمُبْتَدِعَةَ تَبَرْمُوا مِنْ هَذَا التَّقْسِيمِ تَارَةً بِأَنَّهُ تَقْسِيمٌ بِدْعَةٌ، وَتَارَةً بِأَنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ مُتَأَخِّرٌ، مَا عُرِفَ عَنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَمَا عُرِفَ عَنْ أَئِمَّتِهَا، بَلْ إنَّ بَعْضَهُمْ يَضَعُ الْوَامَةِ عَلَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنَّ شَيْخَ الْإِسْلَامِ هُوَ الَّذِي ابْتَكَرَ هَذَا التَّقْسِيمَ. وَهَذَا جَهْلٌ فِي حَقِيقَةِ الْوَاقِعِ، لِأَنَّ مَنْ تَأَمَّلَ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنْ أَنْوَاعِ التَّقْسِيمِ لِأَنْوَاعِ التَّوْحِيدِ يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدِيمٌ مِنْ قَبْلِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ بِقُرُونٍ، مِنْ قَبْلِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ بِقُرُونٍ. فَفِي الْقَرْنِ الرَّابِعِ، بَلْ فِي الْقَرْنِ الثَّالِثِ، كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ كَانَ يَدُدْنُ عَلَى هَذَا التَّقْسِيمِ، كَمَا نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ بَطَّةَ فِي «الْإِبَانَةِ»، وَمِنْ قَبْلِهِ عَنْ إمَامِ الطَّحَاوِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي «طَحَاوِيَّتِهِ» فِي «الْعَقِيدَةِ»، وَكَذَلِكَ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي «تَفْسِيرِهِ» أَشَارَ إلَى هَذَا التَّقْسِيمِ، وَكَذَلِكَ ابْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِهِ «رَوْضَةِ الْعُقَلَاءِ»، وَغَيْرُهُمْ كَثِيرٌ مِمَّنْ سَبَقُوا شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَسَمُوا هَذِهِ التَّقَاسِيمَ. وَلَسْنَا نَحْنُ فِي مَقَامِ التَّفْصِيلِ، وَإِلَّا لَذَكَرْنَا الْعِبَارَاتِ الْمَأْثُورَةَ عَنْ هَؤُلَاءِ وَعَنْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ سَبَقُوا شَيْخَ الْإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقُرُونٍ، وَقَالُوا بِهَذِهِ الْقِسْمَةِ الثُّلَاثِيَّةِ. فَهِيَ لَيْسَتْ بِدْعًا مِنْ الْأَقْوَالِ، وَلَيْسَتْ مِنْ ابْتِكَارِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ يَنْقُلُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُنَا فِي هَذَا الْبَابِ. فَشَاهِدٌ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يَقْسِمُونَ التَّوْحِيدَ إلَى أَقْسَامٍ ثَلَاثَةٍ: تَوْحِيدٌ فِي الْأُلُوهِيَّةِ، وَتَوْحِيدٌ فِي الرُّبُوبِيَّةِ، وَتَوْحِيدٌ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ. وَيَهُمُّنَا فِي هَذَا الْبَابِ تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ، وَهَذَا الَّذِي يُعْنِينَا، فَتَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ لَهُمْ فِيهِ كَذَلِكَ مَسْمِيَّاتٌ وَتَعَارِيفُ. لَكِنَّ مِنْ أَشْمَلِ التَّعَارِيفِ لِمَعْنَى تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ هُوَ إفْرَادُ اللَّهِ بِأَفْعَالِهِ، أَشْمَلُ وَأَخَصَرُ نَوْعٍ أَوْ تَعْرِيفٍ لِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ أَنْ يُقَالَ بِذَلِكَ. فَإِنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ مِنْ خَصَّهُ بِأَشْيَاءَ، لَكِنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ عَامٌّ، هُوَ إفْرَادُ اللَّهِ بِأَفْعَالِهِ، بِأَنْ يُفْرِدَ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِفِعْلِهِ. فَمِنْ أَفْعَالِ الرَّبِّ جَلّ وَعَلَا: الْإِحْيَاءُ وَالْإِمَاتَةُ، وَالْخَلْقُ وَالرِّزْقُ وَالتَّدْبِيرُ، فَهَذَا كُلُّهُ لِلَّهِ، وَلَا يُصْرَفُ إلَّا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، لَا يُنَازِعُهُ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ. وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ أَنْوَاعِ التَّوْحِيدِ، كَوْنُ أَنَّ الْعَبْدَ يُقِرُّ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَالِقُ، وَهُوَ الرَّازِقُ، وَهُوَ الْمُحْيِي، وَهُوَ الْمُمِيتُ، وَهُوَ الْمُدَبِّرُ، هَذَا النَّوْعُ مِنْ أَنْوَاعِ التَّوْحِيدِ يُعْتَبَرُ مِنْ الْأَنْوَاعِ الَّتِي فُطِرَتْ فِي النُّفُوسِ. وَلِهَذَا تَجِدُ أَنَّهَا الْغَالِبُ الْأُمَمِ، بَلْ وَالْمِلَلِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ، الْغَالِبُ الْأُمَمِ وَالْمِلَلِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ، لَا أَحَدَ يَدْفَعُ هَذَا النَّوْعَ مِنْ الِاعْتِقَادِ. لَوْ فَتَّشْتَ فِي مِلَلِ أَيِّ مِلَّةٍ ظَهَرَتْ فِي سَطْحِ الْأَرْضِ، تَرَى أَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ بِأَنَّ لِهَذَا الْكَوْنِ رَبًّا وَاحِدًا هُوَ الَّذِي يَتَصَرَّفُ فِيهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. اذْهَبْ إلَى عِنْدِ النَّصَارَى مِمَّنْ يَقُولُونَ بِالتَّثْلِيَةِ بِالْأَبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ، هُمْ فِي حَقِيقَةِ الْأَمْرِ يَجْعَلُونَ الْأَبَ هُوَ الْأَصْلَ، الْأَبَ هُوَ الْأَصْلُ. وَكَذَلِكَ تَذْهَبُ عِنْدَ الْمَجُوسِ الثَّانَوِيَّةِ مِمَّنْ يَقُولُونَ بِوُجُودِ إلَهَيْنِ فِي الْكَوْنِ: إلَهُ الظُّلْمَةِ وَإلَهُ النُّورِ، وَهُمْ فِي مَعْتَقَدِهِمْ يُقِرُّونَ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأُلُوهِيَةِ هِيَ لِإِلَهِ النُّورِ هُوَ الْحَقُّ، وَأَنَّ إلَهَ الظُّلْمَةِ هُوَ فَرْعٌ. فَكُلُّهُمْ يَذْهَبُونَ إلَى وُجُودِ رَبٍّ وَاحِدٍ يُدَبِّرُ، مُدَبِّرٍ لِهَذَا الْكَوْنِ، بَلْ حَتَّى فِرْعَوْنُ مَعَ ظُلْمِهِ وَمَعَ كُفْرِهِ، هُوَ كَذَلِكَ يَعْتَقِدُ بِوُجُودِ رَبٍّ لِهَذَا الْكَوْنِ، كَمَا قَالَ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾، هُمْ قَدِ اسْتَيْقَنُوا بِوُجُودِ اللَّهِ، وَبِوُجُودِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، هُوَ الَّذِي يَتَصَرَّفُ فِي هَذَا الْكَوْنِ. أَمَّا مَا قَالَهُ فِرْعَوْنُ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَمَا قَالَ لَهُمْ: «مَنْ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟»، قَالَ الْعُلَمَاءُ: «هَذَا مِنْ بَابِ الْجُحُودِ، لَيْسَ مِنْ بَابِ الِاسْتِفْهَامِ الْخَالِصِ»، وَإِنَّمَا يَجْحَدُ وَإِنَّهُ يُقِرُّ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَالِقُ وَهُوَ الرَّازِقُ. فَهَكَذَا الْأُمَمُ وَالْمِلَلُ كُلُّهَا عَلَى هَذَا الِاعْتِقَادِ، تَعْتَقِدُ بِوُجُودِ رَبٍّ خَالِقٍ رَازِقٍ لِهَذِهِ الْأَكْوَانِ. وَنُقِلَ الْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ بَعْضِ الدِّينِ، مَنْ خَالَفَ بِوُجُودِ رَبٍّ لِلْكَوْنِ، وَهِيَ نَقَلَ ذَلِكَ عَنْ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٍ فِي الْمَاضِي، وَفِرْقَةٍ فِي الْحَالِ، أَيْ فِي الْحَاضِرِ. فَنُقِلَ طَرِيقَةُ الْإِنْكَارِ لِوُجُودِ الرَّبِّ جَلّ وَعَلَا فِي فِرْقَةٍ قَدِيمَةٍ تُسَمَّى «الْدَهْرِيَّةَ»، تُسَمَّى «الْدَهْرِيَّةَ»، وَقَدْ نَقَلَ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا شَيْئًا عَنْهُمْ، قَالُوا: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدُّهْرُ﴾، قَوْمٌ أَنْكَرُوا وَجَحَدُوا الرَّبَّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَلَيْسَ هُنَاكَ إلَهٌ لِهَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ. وَإِنَّمَا النَّاسُ إذَا مَاتُوا يَمُوتُونَ بِطَرِيقِ مَاذَا؟ الْفَنَاءِ، يُعَمَّرُ مَنْ عُمِّرَ ثُمَّ يُقْضَى نَحْبُهُ وَيَنْتَهِي، وَهَكَذَا الدُّنْيَا دَوَالِي، لَيْسَ هُنَاكَ رَبٌّ يَتَصَرَّفُ فِي هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ. هَذِهِ فِرْقَةٌ قَدِيمَةٌ، وَهِيَ انْدَثَرَتْ، وَهُنَاكَ فِرْقَةٌ فِي الْحَاضِرِ، وَهِيَ عَلَى هَذَا الْمَنْهَجِ، وَهُمْ «أَشْيُوعِيَةُ الْمُلْحِدُونَ» مِمَّنْ أَنْكَرُوا الرَّبَّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَمِنْ عِبَارَاتِهِمُ الْبَاطِلَةِ: «لَا إِلَهَ وَالْحَيَاةُ مَادَّةٌ»، «لَا إِلَهَ» يَقُولُونَ بِأَنَّ الْكَوْنَ هَذَا لَيْسَ مُسَيَّرًا بِتَسْيِيرِ إلَهٍ، ثُمَّ هُمْ تَنَازَعُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ، لِأَنَّ «مَا بُنِيَ عَلَى بَاطِلٍ فَهُوَ بَاطِلٌ». فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَنْكَرُوا وُجُودَ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، اسْتَخْرَصُوا أَوْ اسْتَخْرَجُوا بَعْضَ النَّظَرِيَّاتِ تَدْعَمُ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ بَاطِلٍ. فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى هَذَا الطَّرْحِ، «السُّؤَالُ إذَنْ إنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ رَبٌّ خَالِقٌ لِهَذِهِ الْأَكْوَانِ، فَمَنِ الْخَالِقُ؟»، مِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِأَنَّ الْكَوْنَ خَالِقٌ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ، بِأَنَّ الْكَوْنَ خَالِقٌ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ، وَلَوْ فِي ذَلِكَ نَظَرِيَّاتٌ. وَقَوْلٌ آخَرُ بِأَنَّ «الطَّبِيعَةَ هِيَ الْخَالِقَةُ»، «الطَّبِيعَةُ هِيَ الْخَالِقَةُ»، وَلَوْ كَذَلِكَ فِي هَذَا مَبَادِئُ، كَيْفَ أَنَّ الطَّبِيعَةَ بِتَحَرُّكَاتِهَا وَبِتَضَارِيسِهَا وَمُنَاخِهَا تُؤَثِّرُ فِي إِيجَادِ كَائِنَاتٍ، فَأَوْجَدَتْ هَذَا الْكَوْنَ. وَقَوْلٌ آخَرُ مِمَّنْ يَقُولُ بِأَنَّ «الصُّدْفَةَ هِيَ الْخَالِقَةُ»، «الصُّدْفَةُ هِيَ الَّتِي أَوْجَدَتْ هَذِهِ الْمَعْدُومَاتِ وَهَذِهِ الْكَائِنَاتِ وَالْمَخْلُوقَاتِ»، وَهَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ، بَاطِلٌ. وَيَكْفِينَا بُطْلَانًا لِذَلِكَ أَنَّ هَؤُلَاءِ هُمْ بِأَنْفُسِهِمْ قَدْ تَبَرَّأُوا مِنْ نَظَرِيَّاتِهِمْ، هَا هِيَ «الشُّعُوبِيَةُ» هُمْ بِأَنْفُسِهِمْ تَرَكُوا هَذِهِ النَّظَرِيَّاتِ لِعِلْمِهِمْ أَنَّهَا لَا تَنْفَعُ، لَا تَنْفَعُ، لَا تُدْخِلُ الْعَقْلَ الصَّحِيحَ، وَلَا مَاذَا؟ تُشَامِشُ الْفِطْرَةَ السَّلِيمَةَ، لِأَنَّهَا تُنَاقِضُ الْعَقْلَ وَالْفِطْرَةَ. فَلَيْسَ هُنَاكَ إلَّا رَبٌّ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، نَأْتِي الْآنَ إلَى الْخُلَاصَةِ، بَقِيَ: هَلْ الْكُفَّارُ الَّذِينَ بُعِثَ فِيهِمْ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، هَلْ كَانُوا يُقِرُّونَ بِوُجُودِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؟ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَالِقُ وَالرَّازِقُ؟ الْإِجَابَةُ: نَعَمْ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ، كَمَا سَيَأْتِي ذِكْرُهُ، وَكَانَ الْكُفَّارُ يَعْتَقِدُونَ، بَلْ رُبَّمَا نَطَقُوا بِذَلِكَ بِأَنَّهُمْ يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الرَّبُّ، هُوَ الرَّبُّ جَلّ فِي عَلَاهُ. فَمَا الدَّاعِيَ لِأَنْ يَأْتِيَ بَعْضُ الْمُبْتَدِعَةِ أَوْ بَعْضُ الْجُهَّالِ مَنْ يُنْكِرُ هَذَا الْأَمْرَ؟ فَيَأْتِي بَعْضُهُمْ وَيَتَأَوَّلُ وَيَسْتَبْعِدُ: «كَيْفَ الْكُفَّارُ يُقِرُّونَ بِوُجُودِ اللَّهِ؟ هَذَا لَا يُمْكِنُ؛ لِأَنَّ الْكَثِيرَ مِنَّا يَظُنُّونَ أَنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا مُلْحِدِينَ لَا يُعْتَرِفُونَ بِوُجُودِ رَبٍّ خَالِقٍ مُدَبِّرٍ مُحْيٍ يُمِيتُ، لَا يَا عَبْدَ اللَّهِ!». بَلْ اعْتِقَادُكَ عَلَى خِلَافِ مَا جَاءَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنَّ الْكُفَّارَ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ نَبِيُّنَا كَانُوا يُقِرُّونَ بِوُجُودِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَالْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ أَدِلَّةٌ كَثِيرَةٌ، نَقْتَصِرُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ، بِهَا تَعْرِفُ يَا عَبْدَ اللَّهِ بِأَنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا يُقِرُّونَ بِوُجُودِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. الْوَجْهُ الْأَوَّلُ وَالنَّوْعُ الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ هَذَا الْمُعْتَقَدِ، مَا ذَكَرَهُ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا مِنْ اعْتِرَافِ الْكُفَّارِ بِرُبُوبِيَّةِ اللَّهِ، مَا نَقَلَهُ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا مِنْ اعْتِرَافِ الْكُفَّارِ بِرُبُوبِيَّةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. كَمَا قَالَ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، هَذَا رَبُّنَا يَحْكِي سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَحْكِي عَنْ حَالِ الْكُفَّارِ: «أَنَّكَ لَوْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَالِقٌ لِلسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، لَنْ تَخْرُجَ إجَابَتُهُمْ عَنْ هَذِهِ الْإِجَابَةِ: لَيَقُولُنَّ اللَّهُ»، ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وَهُمْ يُقِرُّونَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَالِقُ لِلسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾، فَهَذِهِ كَذَلِكَ آيَةٌ، وَآيَاتٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا، كَمَا فِي سُورَةِ «الْعَنْكَبُوتِ» وَفِي سُ