الدرس في شرح الأصول من علم الأصول 16، الدرس االسادس عشر:من( ثالثاً:الصفة وهي ما أشعر بمعنى يختص به بعض أفراد العام ... لثبوت الخلاف في ذلك ولم أجد له مثالاً سليماً ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش مفهوم المخصصات المتصلة والمنفصلة في اللغة العربية، ويشمل ذلك أمثلة من القرآن الكريم على تخصيص العموم بالصفة والنعت والبدل والحال. يوضح الفرق بين المخصصات المتصلة والمنفصلة.
يتناول كيفية تخصيص العموم بالشرع، حيث يخصص الكتاب بالكتاب والسنة والإجماع والقياس، ويقدم أمثلة على ذلك مثل تخصيص آية عموم العدة للمطلقات بآية أخرى تستثني المطلقة قبل الدخول وتخصيص آية المواريث بحديث "لا يرث المسلم الكافر".
يناقش بعض الأدلة المتعلقة بوجوب صلاة الجمعة، ويشير إلى حديث طارق بن شهاب الذي يذكر المرأة بين من تجب عليهم الجمعة، ويبين اختلاف العلماء في الحديث بين من ضعفوه ومن قبلوه.
بسم الله قال المؤلف رحمه الله في ذكر المخصصات المتصلة، قال: ثالثا الصفة، وهي ما أشعر بمعنى يختص به بعض أفراد العام من نعت أو بدل أو حال. والصفة هنا أعم من الصفة في باب النحو، فالمقصود هنا ما أشعر بمعنى يختص به بعض أفراد العام من نعت أو بدل أو حال. قال: مثال النعت قوله تعالى ﴿فَمِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، الآن قول الله عز وجل ﴿فَمِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ هذا عام تشمل المؤمنة والكافرة، فلما قال ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ صار بهذا الوصف ماذا؟ مقيد، جواز عن نكاح ملكة اليمين إذا كانت مؤمنة، ﴿فَمِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ فحصل هنا الآن التقصيص ماذا؟ حصل بالوصف بالصفة. ومثل مثلا عندما تقول: أكرم الطلاب، هذا عام، فإذا قد أكرم الطلاب المجتهدين، هنا حصل التقصيص ماذا؟ الصفة. قالوا: مثال البدل قوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، فقوله عز وجل ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ يدل ماذا؟ على وجوب الحج مطلقا، سواء كان مستطيع وإن مستطيع، فقوله ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ دل على تقصيص هذا الوجوب بمن كان مستطيعا، خصص هذا الوجوب لاستطاعة، فمن استطاع إليه سبيلا بدل من قوله على الناس. ومثله عندما تقول: أكرم الطلاب، ثم تقول: من اجتهد منهم، من اجتهد منهم، فهذا تقصيص بالبدل. قالوا: مثال الحال قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ الآية، ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم، فقوله متعمدا هذا حال، يعني حال كونه متعمدا للقتل، فجزاؤه جهنم، فقوله متعمدا أخرج غير المتعمد، فصار الآن هذا الحال مخصص لعموم الآية بالعمد دون غيره. وإذا كانت الآية ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا﴾ فجزاؤه جهنم، صار الحكم ماذا؟ عام، يشمل المتعمد والمخطئ، لكن الاتيان بهذا الحال متعمدا خرج به غير المتعمد، وصار بالحال مقيد ومخصوص. قال: المخصص المنفصل، قال: المخصص المنفصل ما يستقل بنفسه، وهو ثلاثة أشياء: الحس والعقل والشرع. مثال التخصيص بالحس، يعني المراد بالحس المحسوس بالمشاهدة والنظر أو المسموع. قال: قوله تعالى عن ريح عاد ﴿تَدْمَرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾، فإن الحس دل على أنها لم تدمر السماء والأرض، فإننا نرى السماء والأرض موجودة وباقية، إذن فهذا مخصوص بالحس، تدمر كل شيء بأمر ربها ليس على عمومه. وسيأتي أن الصحيح أن هذا من باب العام الذي يراد به خصوص. قالوا: مثال التخصيص بالعقل قوله تعالى ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، فإن العقل دل على أن ذاته تعالى غير مخلوقة، لأن قوله خالق كل شيء عام كل شيء، فالله خالقه، والله قد أخبر عن نفسه بأنه ماذا؟ بأنه شيء، قل أي شيء أكبر شهادة، قل الله، لكن دل العقل على أن ذات الله عز وجل غير مخلوقة، لأنه لو قلنا بأنها مخلوقة فلازم ماذا؟ وجود وجود خالق، وإذا كان هذا الخالق مخلوق لازم وجود خالق آخر، وغير ذلك سلسلة لا نهاية لها، وهذا شيء مما يبطله العقل. قالوا: من العلماء من يرى أن ما خص بالحس والعقل ليس من العام المخصوص، وإنما هو من العام الذي أريد به الخصوص، إذ المخصوص لم يكن مرادا عند المتكلم ولا المخاطب من أول الأمر. وهذه حقيقة العام الذي أريد به الخصوص. ذكرنا في الدرس السابق الفرق بين العام المخصوص والعام الذي يراد به الخصوص، هما الفرق بينهما: المخصوص ما يراد به الخصوص، هذا العام المخصوص، أي باق على العموم في غير السلسلة في الخصوص، يبطل على المخصوص، هذا العام المخصوص، كما عام يريد به الخصوص، هذا لم يكن مخصوصا لأنه يريد به شيء مخصوص، يعني عند كلام المتكلم وخطابه بهذا العام يريد به هذا شيء مخصوص، لا يريد به ماذا؟ عموم وشمول جميع الأفراد التي تندرج تحت هذا العام، لكن أراد شيء معين ومخصوص. بخلاف العام المخصوص، فهو يريد ماذا؟ عمومه وشمول جميع الأفراد، ثم مع ذلك يخص. لكن العام الذي يريد به خصوص، فهو أريد به خصوص من أول ماذا؟ من أول إنشائه. قال: وأما التخصيص بالشرع، فإن الكتاب والسنة يخصص كل منهما بمثلهما، وبالإجماع والقياس. الكتاب والسنة، الكتاب والسنة يخصص كل منهما بمثلهما، يعني يخصص الكتاب بالكتاب، الكتاب بالسنة، والسنة بالكتاب، وهكذا أيضا بالإجماع والقياس. قال: مثال تخصيص الكتاب بالكتاب والسنة، تخصص الكتاب بالكتاب، فقوله تعالى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ خص بقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾. الآن قول الله عز وجل ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ هذه آية عامة بأن كل مطلقة تتربص ثلاثة قرؤ، سواء كان مدخول بها، غير مدخول بها، سواء كانت حامل أو غير حامل، هي عامة، خصت بقول الله عز وجل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾، يعني إذا طلقت المرأة قبل الدخول عليها، فليس عليها عدة، إذن هذه المخصصة ماذا؟ لعموم الآية الأولى، لأن فيها ماذا؟ وجوب العدة على المطلقة مطلقا، وفي الآية الثانية أن المطلق قبل الدخول ليس عليها عدة، ليس عليها عدة. قال: مثال تخصيص الكتاب بالسنة، تخصيص الكتاب بالسنة، تخصص عموم الآية بحديث من حيث النبي عليه الصلاة والسلام، من حيث النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «آيات المواريث»، قوله تعالى ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ونحوها، خص بقوله صلى الله عليه وسلم «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم»، حديث أسامة في الصحيحين. الآن هذه الآية عامة، يوصيكم الله في أولادكم، موجهة إلى الأولياء والآباء، يوصيكم الله في أولادكم، للذكر مثل حظ الأنثيين، فيه بيان أن الإبن يرث أباه والأب يرث ابنه مطلقا، سواء كان مسلمين أو كان أحدهم مسلم والآخر كافر، ثم جاء في قول النبي عليه الصلاة والسلام «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم»، بيان أنه لا توارث بين المسلم والكافر، فلا يرث المسلم الكافر والكافر المسلم، إذن فهذا الحديث مخصص لعموم الآية، فقوله يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين، هذا إذا ماذا؟ إذا كان من دين واحد، إذا كان كلاهما على الإسلام، فيحصل بينهما التوارث، أما إذا كان أحدهما كافر فلا توارث بينهما. قال: مثال تقصيص الكتاب بالإجماع، يعني أن تقصيص عموم الآية بإجماع العلماء، قال: قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ خص بالإجماع على أن الرقيق القاذف يجلد أربعين. هكذا مثل كثير من الأصوليين، وفيه نظر لثبوت الخلاف في ذلك، ولم أجد له مثالا سليما. الآن يقول رحمه الله: تقصيص الكتاب بالإجماع، قول الله عز وجل ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾، يعني حد القذف، فالآية عامة، الذين اسم موصول تشمل كل من قذف غيره أو قذف محصنة، فإنه يجلد ثمانين جلدة، يشمل الحر والعبد، قال: خص بالإجماع على أن الرقيق القاذف يجلد أربعين، يعني إذا كان الذي قذف هو عبد مملوك، فإنه يجلد أربعين جلدة، قالوا: هذا الإجماع مخصص ماذا؟ لعموم الآية، فعموم الآية مخصوص بالرقيق، فإنه يجلد أربعين. وهذا المثال كما قال رحمه الله ذكره، وتره من باب ماذا؟ ما اشتهر باستدلال به. ولهذا قال: هكذا مثل كثير من الأصوليين، ويدل أنه غير موافق لذلك، لأن الخلاف في هذه المسألة مشهور. قال: في عمر عبد الله بن مسعود، وعمر العبد العزيز، فقالوا: يجلد كالحر، كالحر. ويقول رحمه الله: لم أجد له مثالا سليما، يعني في إيجاد مثال تقصيص الكتاب بالإجماع. وذكر بعض العلماء مثالا، وهو تقصيص عموم قول الله عز وجل ﴿وَإِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾، فهذه الآية عامة تشمل الرجال والنساء، وبالإجماع أنه يجوز للمرأة أن تبيع ماذا؟ في وقت النداء، لأن الجمعة لا تلزم النساء. وهذا قد ينازع منازع مثلا بأنه قد جاء في حديث طارق بن شهاب في قول: «لا تجب الجمعة إلا على من يسلم»، أربع من تجب عليهم الجمعة، وذكر منها المرأة، لكن لعله أقرب. وأيضا يمتل كالإجماع المجمع عليها، والحديث مختلف فيه من العلماء، من ضعفه، من العلماء من ضعفه، فيكون هذا المثال على القرب. طيب نقف إن شاء الله هنا.