الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 2، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يشرح المقطع الفرق بين أخبار الله ورسوله وأوامرهما، مبيناً أن الواجب تجاه الخبر هو التصديق الجازم والإيمان بلا شك، بينما الواجب تجاه الطلب هو الامتثال التام والطاعة على الوجه الذي أراده الله ورسوله. وتستدل الآيات القرآنية على وجوب الإيمان والطاعة والتسليم.
يؤكد المقطع وجوب اتباع أوامر الله ورسوله دون غلو أو تقصير، محذراً من رفع الأنبياء والصالحين فوق منزلتهم أو الزيادة في العبادات كصيام الدهر وقيام الليل كله. ويبين أن القبول مشروط بالإخلاص والمتابعة للسنة النبوية.
يبيّن المقطع خطورة التقصير في حقوق الله وحقوق العباد، مستشهداً بالمسيء في صلاته الذي أمره النبي ﷺ بالإعادة، ومؤكداً أن الواجب اتباع أوامر الله ورسوله كما شرعا لا زيادة ولا نقصان. كما يحذر من الغلو في الدين ومن العلم بلا عمل أو العمل بلا علم، مشبهاً الأول باليهود والثاني بالنصارى.
يذكر المؤلف أن هناك أصلين رئيسيين يُبنى عليهما البحث: الأصل الأول في الصفات، والأصل الثاني في العبادات المتعلقة بالقدر والشرع، مشيراً إلى أن تفصيلهما سيأتي في درس قادم.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد، فكان آخر الكلام عند قول المؤلف رحمه الله تعالى: «والفرق بين الخبر والطلب في حقيقتيهما وحكمهما معلوم». فالواجب على العباد إذا خبر الله ورسوله التصديق والإيمان، التصديق والإيمان به على ما أراد الله ورسوله، تصديقا لا تكذيب معه، وإيمانا لا كفر معه، ويقينا لا شك معه، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. وقوله رحمه الله: «والفرق بين الخبر والطلب في حقيقتيهما وحكمهما معلوم»، يعني أن الخبر ما أخبر الله جل وعلا به في كتابه، أو أخبر به رسوله عليه الصلاة والسلام، فأخبر بذلك للإيمان بذلك واعتقاده والتصديق به، والعمل بمقتضى ذلك الإيمان وذلك التصديق وذلك الاعتقاد. وحكمه أنه واجب، واجب على العباد اعتقاد ذلك الخبر، وتصديق ذلك الخبر، والعمل بذلك وبمقتضى ذلك. وهكذا ما يتعلق بالطلب، ما يتعلق بالطلب، فأيضا هو معلوم، هو طلب الله جل وعلا في كتابه من عباده، وهكذا طلب على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام. فهذه المطالب وجب على العباد انتثالها والإتيان بها، وأيضا تصديقها وأنها من عند الله جل وعلا وأنها حق، وفيها خير، إلى آخر ذلك من هذه المعاني. وهي واجبة في الواجب، مطالب الواجب واجب على العباد، ومستحب في المستحبات، كما سيأتي من كلام المؤلف رحمه الله. قال: «في الواجب على العباد إذا خبر الله ورسوله التصديق والإيمان به على ما أراد الله ورسوله» إلى آخر ذلك. فالواجب إذا خبر الله، خبر رسوله عليه الصلاة والسلام، التصديق والإيمان بذلك، إيمانا تصديقا لا شك فيه، نعم، ولا تكذيبا معه، لأن عدم التصديق أو الشك أو التكذيب، هذا كله ينافي ما أمر الله جل وعلا به. وكذلك يضاد خبر الله أنه حق، فمن رد خبر الله رد الحق، ومن كذب خبر الله وخبر رسوله عليه الصلاة والسلام، فكذلك لم يعتقد ذلك، ولم يذعن لذلك، ولم يسلم لذلك، وهذا ينفي الإيمان. ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. فما أخبر الله جل وعلا به في كتابه وقضاه على عباده، وهكذا ما أخبر به رسوله عليه الصلاة والسلام من أخبار، فالواجب التسليم لها والتصديق لها والإيمان، الإيمان الذي لا شك معه، كما سمعتم في الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. وهكذا قوله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾، ثم لم يرتابوا، عندهم إيمان وتصديق لخبر الله ولخبر رسوله عليه الصلاة والسلام، ولا ارتياب عندهم في ذلك، ولا شك. فهذا الواجب إزاء خبر الله وخبر رسوله عليه الصلاة والسلام. وإلا إذا لم يكن العبد كذلك، فهو لم يصدق خبر الله وخبر رسوله عليه الصلاة والسلام، وبالتالي لا يكون مؤمنا، لا يكون مؤمنا، ويكون رادا لخبر الله وخبر رسوله عليه الصلاة والسلام، وكافرا بالله جل وعلا. قال: «والواجب، والواجب، والواجب على العباد إزاء الطلب امتثاله على الوجه الذي أراد الله ورسوله، من غير غلو ولا تقصير، فيقومون بالمأمور ويجتنبون المحظور». يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ * إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُم مُّعْرِضُونَ﴾. هذا الواجب على العباد إزاء الطلب الذي طلبه الله جل وعلا منهم، وهكذا الطلب الذي جاء على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام، لما يتعلق بأمر العباد بأمور، أمر الله جل وعلا بها وأمر بامتثالها، وهكذا ببيان أمور حرمها الله جل وعلا وأمر بالابتعاد عنها وأن تترك. فالواجب إذا طلب الله، وطلب رسوله عليه الصلاة والسلام، فالواجب إذا أمر بطاعته جل وعلا: أطيع الله، وأمر بطاعة رسوله: أطيع الرسول. فأمر بطاعته جل وعلا وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام، والتصديق كذلك. وهذا مقتضى تحقيق شهادة أن محمدا رسول الله: طاعته فيما أمر، تصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر. وهذا طاعة الله سبحانه وتعالى بانتثال أوامره جل وعلا وترك نواهيه، على الوجه الذي أراد الله سبحانه وتعالى. طلب الله جل وعلا في كتابه الكريم، وطلب رسوله عليه الصلاة والسلام في سنته، الواجب انتثال هذه الأوامر على الوجه الذي يريد الله جل وعلا، لا بعقلك ولا باستحسانك، وإنما الأمر فيه اتباع وتسليم، تسليم لأمر الله، لأمر رسوله عليه الصلاة والسلام. فلا تزيد شيئا، لا تزيد شيئا، بل عليك أن تستسلم لأمر الله، لأمر رسوله عليه الصلاة والسلام، فتأتي بالأمر كما أمرت أن تأتي به، وهكذا تترك ما أمرت بتركه على الوجه الذي أمرت أن تتركه. فلا غلو ولا تقصير. أمر الله سبحانه وتعالى أن يعتقد في أنبيائه أنهم عباد لله جل وعلا ورسل، أنهم عباد الله جل وعلا ورسل، ورسل. أمر بطاعتهم، أمر جل وعلا بطاعتهم، تصديق أخبارهم، أمر بمحبتهم، أمر بنصرتهم. فالواجب الإتيان بذلك من غير غلو، فلا يكون في المحبة غلو، فلا يكون في المحبة غلو يرفعهم فوق المنزلة التي جعلهم الله سبحانه وتعالى عليها. فمن أحب نبيا، فجعل تلك المحبة لذلك النبي أنه يعتقد فيه شيئا من التصرف، وأن له التصرف في ملكوت الله، نعم، أو أنه كذلك ابن لله، أو كذلك أنه يعلم الغيب، أو غير ذلك من هذه الاعتقادات التي فيها رفع هذا النبي فوق منزلته التي أنزله الله جل وعلا إياها، فهذا لا يرضي الله. فمحبة الأنبياء على هذا الوجه لا ترضي الله جل وعلا، ولا يريدها رب العالمين سبحانه وتعالى، ولم يأمر العباد بأن يعتقد هذه الاعتقادات في الأنبياء، لم يأمرهم بذلك. فمن اعتقد في الأنبياء هذه الأمور، فلم يمتثل أمر الله جل وعلا، لأنه لم يأت بأمر الله جل وعلا على الوجه اللائق، وعلى الوجه المرضي الذي أراده الله سبحانه وتعالى. وقل هذا في الملائكة، قل هذا كذلك في ما يتعلق بالكتب، وهكذا قل ذلك في الصالحين. أمر الله جل وعلا بمحبة الصالحين، نعم، ومودتهم. لكن من أحب الصالحين ورفعهم فوق منزلتهم، صار يعكف عند قبورهم، ويزعم هذا من محبته لهم، هل هذا يرضي الله عز وجل؟ هل هذا امتثل أمر الله جل وعلا على ما يريد؟ أبدا، هذا الوجه غير مرضي، وهذا الوجه لا يريده الله سبحانه وتعالى. فإذن الواجب إذا طلب الله، وطلب رسوله عليه الصلاة والسلام، انتثال، انتثال هذه الأوامر على الوجه الذي يرضي الله، سواء كانت هذه الأوامر في الاعتقادات، أو كذلك في العبادات، نعم، القولية أو العملية. هذا شامل، شامل لكل أمر، أمر الله جل وعلا في كتابه بأمور تتعلق بالاعتقاد، وأمر الله جل وعلا بعبادات، وأمر الرسول عليه الصلاة والسلام. فالواجب انتثال هذه الأوامر من غير غلو، الإتيان بها على الوجه الذي يريد الرب سبحانه وتعالى، والذي أمر به. هكذا في العبادات، ما يتعلق بالصلوات، الإنسان لا يزيد شيئا في الصلاة، فيحدث أذكارا في صلاته، أو بدعا في صلاته، فهذا غلو، هذا غلو. وهذا كذلك فيما يتعلق بالمستحبات بالنوافل، لا يجوز للإنسان أن يصوم الدهر، لا يجوز الإنسان أن يصوم الدهر، فهذا غلو، وهذا فيه زيادة، فيه تجاوز، لأن الإتيان بهذه النافلة على هذا الوجه لا ترضي الله جل وعلا، منهي عنها، ولو كان صياما. فالواجب الإتيان بهذه العبادة على الوجه الذي يريد الرب جل وعلا، وعلى ما بين رسول الله عليه الصلاة والسلام. لا صام من صام الأبد، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إذن صيام الأبد، صيام الدهر، هذا غير مرضي»، والصيام على هذا الوجه لا يريده الله سبحانه وتعالى، ولم يأمر به. وهكذا كالذي يقوم الليل كله ولا ينام، نعم، هذا لا يجوز، لا يجوز، لماذا؟ لأن هذا خلاف أمر الله وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام. ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث أنس، رضي الله عنه، في الصحيحين، لما سمع مقولة أولئك الثلاثة، قال أحدهم: «أما أنا فأصوم ولا أفطر»، وقال آخر: «أما أنا فأقوم ولا أنام»، وقال آخر: «أما أنا فلا أتزوج النساء»، وقال آخر: «أما أنا فلا آكل اللحم». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إني لأقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني، فمن رغب عن سنتي فليس مني». فمن جاء بأمر الله، أمر رسوله عليه الصلاة والسلام، على وجه فيه زيادة، وفيه عدم اتباع لسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهذا مردود، هذا مردود، غير مرضي، وغير مقبول عند الله جل وعلا. «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». لماذا؟ أنه ليس على أمر رسول الله عليه الصلاة والسلام، وإن كان صلاة، وإن كان كذلك صياما، أو حجا، نعم، أو غير ذلك من العبادات. رمي الجمرات، رمي الجمرات ترمى بحصى الخذف، حصى صغار، هذا أمر الله جل وعلا، وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام، أمر الله لأنه بخبر رسوله عليه الصلاة والسلام. فإذا من أتى بهذه العبادة على وجه فيه غلو، رمى مثلا الجمرات بحصيات كبار، نعم، أو رمى الجمرات بنعم، أو بغير ذلك، فهذا لم يأت بالعبادة على الوجه الذي أراد الله سبحانه وتعالى، لأنه غلا. ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث ابن عباس، كما في السنن، أو عند بعضها للسنن، لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يلقط له حصى، فالتقط له ابن عباس حصى صغيرة، فجعل النبي عليه الصلاة والسلام يهزهن بيده، ويقول: «نعم، بمثل هذه فارموا، بمثل هذه فارموا، وإياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو». فلا يجز الغلو في العبادات، لا في الفرائض، ولا في النوافل، كذلك. بل الإنسان يمتثل أمر ربه جل وعلا، ويمتثل أمر رسوله عليه الصلاة والسلام، في اعتقاده، وفي عباداته، وفي أقواله كذلك، وفي أفعاله. ولا بد أن تكون موافقة لأمر الله، ولأمر رسوله عليه الصلاة والسلام، تكون فيها الإخلاص لله، والمتابعة للنبي عليه الصلاة والسلام. ولا تقصير كذلك، ولا تقصير، فلا تقصير في حق الأنبياء، فمن قصر في حق الأنبياء، هذا لم يمتثل أمر الله جل وعلا. ومن كذلك قصر في حق الملائكة، أو كذلك في حق الصالحين، أو في حق الوالدين، أو في حق الجار، أو في حق الأبناء، أو في غيرها من الحقوق التي أمر الله جل وعلا بأن تؤدى على الوجه الذي أراد الله جل وعلا، وعلى ما بين رسوله عليه الصلاة والسلام، فمن قصر في هذه الأمور، فإنه كذلك قصر في امتثاله. الرجل الذي دخل يصلي، والمسيء في صلاته، حديث أبي هريرة في الصحيحين، صلى صلاة فيها تقصير، تقصير مخل، نعم، يخل بصلاته، كأنه لم يصل، صلاة لا طمأنينة فيها، ولا خشوع، نعم. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ارجع فصل، فإنك لم تصل». فعاد وصلى مثل الصلاة الأولى، فأمره صلى الله عليه وسلم أن يرجع، وهكذا، حتى قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «يا رسول الله، والذي بعثك بالحق، لا أحسن غير هذه، أو غير هذا». فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «فقال علمني». فعلمه النبي عليه الصلاة والسلام. فالواجب الإتيان بالعبادات على الوجه الذي أمر الله، وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام، من غير تقصير، من غير تقصير، لا يقصر، فلا يترك الواجبات، واجبات الصلاة، لا يترك واجبات الصلاة، لأنه إذا ترك واجبا من واجبات الصلاة عمدا، بطلت صلاته، على القول الصحيح من أقوال العلم. بخلاف إذا كان ناسيا، يجبر ذلك بسجد السهو. وهكذا إذا ترك ركنا، إذا ترك ركنا من أركان الصلاة عمدا، فصلاته ماذا؟ باطلة. وإذا تذكر في صلاته أنه ترك ركنا، أتى بذلك الركن إذا تمكن من إدراكه لقربه، أو أعاد ركعة جبر بها ذلك النقص وذلك الخلل. فالواجب على العبد أن يجتهد في الإتيان بأوامر الله جل وعلا على الوجه الذي أراد الله، وبين النبي عليه الصلاة والسلام، فلا يغلو. نعم، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لن يشاد أحد هذا الدين أحد إلا غلبه». هذا هو التشدد، هذا هو التشدد، ليس التشدد بالمفهوم الذي يفهمه العامة عندهم. التشدد: الإنسان إذا امتثل السنة، ويطبق السنة، لبس القميص إلى نصف الساقين، ولبس العمامة، وحرص عليها، وهكذا كذلك حرص على السواك، حرص على أداء السنن، حرص على تطبيق السنن، قالوا: هذا متشدد. هل التشدد في التزام سنة الرسول عليه الصلاة والسلام؟ لا، بل هذا مأمور به، هذا مأمور به. قال الله عز وجل: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. لكن التشدد هو الزيادة، الزيادة. قد قال المسلم: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم». وقال جل وعلا: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾. فالإتيان بأوامر الله، وأوامر رسوله عليه الصلاة والسلام، من غير غلو ولا تقصير، وهو في الواجب واجب، يعني فيما يتعلق بالعمل، إذا طلب الله ورسوله واجب، امتثاله في الواجبات، مستحب في المستحبات، على الوجه الشرعي. قال: «فيقومون بالمأمور ويجتنبون المحظور». يقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ * إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُم مُّعْرِضُونَ﴾. ذكر المؤلف رحمه الله وتعالى هذه الآيات التي فيها بيان الأمر بطاعته جل وعلا، وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام، وعدم التولي، وعدم الإعراض، نعم، والامتثال، القيام بامتثال أمر الله وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام. وحذر العباد أن يكونوا كالذين علموا ولم يعملوا، وسمعوا، وفي حقيقة أمرهم أنهم لم يسمعوا، لأنهم سمعوا ما يتعلق بحق الله، وبأمر الله وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام، ولكن لم يمتثلوا ذلك، فما فائدة من سمع؟ هؤلاء كأنهم لم يسمعوا، ما استفادوا من سمعهم إلا قيام الحجة عليهم، استفادوا من ذلك السمع إلا قيام الحجة عليهم. فالواجب كل من سمع أمر الله وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام أن يمتثل ذلك، وهو الأمر الواجب الذي أمر الله به، وأمر به رسوله عليه الصلاة والسلام. فأما العلم والسمع من غير عمل، فلا ينفع. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. وهكذا فاليهود علموا ولم يعملوا، اليهود علموا ولم يعملوا، فكان مغضوبا عليهم، والنصارى عملوا بدون علم. والواجب العلم والعمل، العلم والعمل، والسماع والعمل به، والسماع والعمل به. ورحم الله سفيان بن عيينة حيث قال: «من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى». فإذا الواجب طاعة الرب جل وعلا، وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام، والعمل بما جاء في كتاب الله، وما جاء في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا هو سبيل الفوز بالجنة. يقول نبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، في الصحيح: «كلكم يدخل الجنة إلا من أبى». قال: «ومن يأبى يا رسول الله؟» قال: «من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى». قال رحمه الله تعالى: «فصل، إذا تبين ذلك، فها هنا أصلان: الأصل الأول في الصفات، والأصل الثاني في العبادات، القدر والشرع، وهذا سيأتي إن شاء الله في درس قادم». وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.