الدرس في التعليق على كتاب الوصية الكبرى 20، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع فصل "المانع بالحزبية والعصبية" من وصية ابن تيمية الكبرى محذراً من تفريق الأمة وامتحان الناس بأسماء طوائف باطلة أو الانتماء للمذاهب والأشخاص. يؤكد أن الواجب هو الانتساب للكتاب والسنة فقط وأن معيار السنة هو موافقة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا موافقة شيخ أو حزب، ناقلاً عن أئمة السلف النهي عن تقليدهم وجعل أقوالهم محنة للناس.
يؤكد المقطع أن أهل السنة يجعلون الكتاب والسنة على فهم السلف معياراً للحق لا الأشخاص أو الأحزاب، ناقلاً نقد ابن تيمية لمن يجعل الانتماء لجماعة مقياساً للسنة. يستشهد بأقوال الأئمة الأربعة في وجوب رد قولهم إذا خالف الدليل وبأمثلة الصحابة في الرجوع للحق عند بلوغ السنة.
يسرد المقطع مواقف للصحابة كعمر وابن عباس رجعوا فيها عن أقوالهم فور وصول السنة الصحيحة، مبيناً تمسك أهل السنة بالكتاب والسنة دون تعصب لشخص. يبين أن الفرقة الناجية هي أهل الحديث الذين لا متبوع لهم إلا النبي صلى الله عليه وسلم محذراً من التفرق والحزبية المخالفة لهدي الوحي.
يحذر المتحدث من جعل كل شخص فرقة أو مذهب أو حزب خاصاً به معتبراً ذلك من الاختلاف والتفرق الذي نهى عنه الله ورسوله. يختتم الدرس بالسؤال لله أن يردهم إليه رداً جميلاً والحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم نزلنا في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في الوصية الكبرى، وهذا الفصل الخامس، عنوانه: المانع بالحزبية والعصبية، وهو الفصل الأخير في هذه الرسالة. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وكذلك التفريق بين الأمة وامتحانهم بما لم يأمر الله به ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، مثل أن يقال للرجل: أنت شكلي أو فرقندي. وفي بعض النسخ: فرقندي. وهذه الشكلي والفرقندي أسماء طوائف متداعية. قال: فإن هذه أسماء باطلة، ما أنزل الله بها من سلطان، وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا في الآثار المعروفة عن سلف الأمة: لا شكلي ولا فرقندي. والواجب على المسلم إذا سئل عن ذلك أن يقول: لا أنا شكلي ولا فرقندي، بل أنا مسلم متبع لكتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. هذا تنبيه مهم منه رحمه الله تعالى إلى مسألة خطيرة انتشرت في هذا الزمان، وصار الناس شيعا وأحزابا متفرقين متناحرين، كل منهم يسب الآخر ويتكلم في الآخر، وهي مسألة الامتحان بالطوائف والانتساب إلى الأشخاص. قد حصل هذا من قديم الزمان، مثل هذه الطوائف التي ذكرها رحمه الله تعالى، كمن يقول: أنا شكلي، ينتسب إلى فرقة وطائفة، أو الآخر يقول: أنا فرقندي. أو كانت النسبة إلى مذهب من المذاهب، التي كما سيأتي ذكره أنه قال: قد يقال: إن هذا اللبس به انتساب إلى المذاهب، كالشافعي وأحمد وأبي حنيفة ومالك. مع أن هذا أيضا غير صحيح، وإنما أتى رحمه الله تعالى بـ «قد» التي تفيد التشكيك. فالله عز وجل قال: ﴿ اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ﴾ [الأعراف: 3]. فأمرنا سبحانه وتعالى باتباع الكتاب والسنة، والانتساب إلى الكتاب والسنة. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لفاطمة: «نعم السلف أنا لك، نعم السلف أنا لك». فالانتساب إلى السنة وإلى السلفية هو المحمود الذي ينبغي أن ينتسب إليه، نسبة حق، نسبة حق للانتساب إلى السنة وإلى السلفية، لأن السنة والسلفية هي منهج النبي عليه الصلاة والسلام، ولهذا ليس فيها خطأ ولا تقصير، بل هي معصومة. بخلاف الانتساب إلى مذهب أو إلى فرقة أو إلى نحلة أو إلى طائفة، فإن هذه فيها الخطأ والصواب، والضلال والهدى، والغي والرشاد. ولهذا لا يلزم المسلم بأن ينتسب إلى مثل هذه الطوائف، بل ربما بعضها خطأها أكثر من صوابها، خطأها أكثر من صوابها، وضلالها أكثر من هداها، وغيها أكثر من رشادها، كما عند الطوائف المبتدعة التي افترقت عن هذه الأمة، كالخوارج أو القدرية أو غير هذه. فالخلاص من هذا: أنه لا يجوز الانتساب إلى شخص معين من الناس، ويجعل هذا بمثابة امتحان يُمتحن الناس به، لأن هذا الإنسان غير معصوم. والمعصوم: رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنبياء الله عصمهم الله. النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿ مَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾ [النجم: 3-4]، فهو معصوم. ولهذا أمرت باتباعه والانتساب إليه، أي إلى سنته عليه الصلاة والسلام. أما أن تنتسب إلى مالك، أو إلى أحمد، أو إلى الشافعي، أو إلى أبي حنيفة، أو إلى حسن البنا، أو إلى محمد الياس، أو غير هؤلاء، سواء كانوا من أئمة هدى أو من غيرهم، وذاك أعظم، وذاك أعظم. فإذا كان لا يصح الانتساب إلى أبي بكر ولا عمر ولا غيرهما من أصحاب رسول الله، وإنما ينتسب إلى السنة، إلى سنة النبي عليه الصلاة والسلام، إلى هذا المنهج العظيم الذي أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما بالك بغيره ممن قد علم بدعته وضلاله عن هدي السلف الصالح، كحسن البنا، أو ممن ينتسب إلى محمد الياس القبوري، أو لا صوفية قد تكلم عليهم أهل العلم؟ فكيف يسوغ الانتساب إلى تصوف، أو إلى الإخوان المسلمين، أو إلى تبليغ، أو نحو ذلك من الجماعات؟ فهذا لا شك أنه باطل. فلا يجعل الأشخاص، أو تجعل المذاهب، أو الطوائف امتحاناً يُمتحن بها الناس، أن من وافقهم كان سنياً، ومن خالفهم كان بدعياً. لهذا باطل. ولهذا أهل السنة والجماعة لما افترقوا عن الناس بمثل هذا نجوا وسعدوا، لأنهم ليس لهم متبوع إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. اسأل أي سني، وأي سلفي: من إمامك؟ من قائدك؟ سيقول لك: رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا أتبع إلا هو. ما سيقول لك: شيخي فلان. هذا إن قال لك: شيخي فلان، يعني أنه ما عرف السلفية، أنه يقول لك: شيخي فلان، لأن الشيخ هذا يصيب ويخطئ، ويجهل ويعلم. لهذا المشايخ، أئمة السنة والهدى، ما يقولون للناس، سواء كان طلابهم أو محبيهم: انتسبوا إلينا، انتسبوا إلينا، وفرقتنا وطائفتنا وجماعتنا هي على الحق، وأن من انتسب إلينا كان سنياً، ومن خالفنا فهو بدعي. ما سمع هذا عن أئمة الهدى رحمهم الله تعالى. وإنما جميعا يحثون ويوصون الناس بأن يتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول: من أنا حتى يجعل قولي، أو أجعل محنة للناس، من وافقني فهو سني، ومن خالفني فهو بدعي أو حزبي؟ ما سمعنا بهذا في منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى. وإنما كان الشخص الذي يتعصبون له، ويحثون الناس عليه، هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. من خالف سنته قالوا: هو مبتدع. من خالف سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، وأحدث في دين الإسلام ما ليس منه، ما لم يأذن به الله، قالوا: هو مبتدع. ما قال: إذا خالفني فهو مبتدع، أو صاحب هوى. قالوا: من خالف رسول الله صلى الله عليه وسلم، خالف السنة، فهو مبتدع. ومن عمل بالسنة فهو سني. من عمل بسنة النبي عليه الصلاة والسلام فهو سني. فهذا هو الضابط عند هؤلاء العلماء. شيخنا مقبل رحمه الله تعالى، ماذا كان يقول؟ كان يقول: ما يقلدني إلا ماذا تذكرون مقالته؟ ما يقلدني إلا شاقط. هذا الشاقط وهو إمام رحمه الله تعالى من أئمة الهدى في هذا العصر، ومجدد من المجددين لهذا الدين. يقول: لو كنا مقلدين أحدا لقلدنا أبا بكر. فهكذا يقول شيخنا رحمه الله: وأحمد بن حنبل، وناهيك بهم. أبو بكر الصديق أفضل الأمة بعد نبيها عليه الصلاة والسلام، وإمام السنة في زمانه. أحمد بن حنبل الذي أنقذ الله به المسلمين من فتنة خلق القرآن، ومن فتن كثيرة. لو كنا مقلدين ومتبعين أحدا وننتسب إلى أحد، لانتسبنا إلى هؤلاء. فهؤلاء هم الأئمة. ما يجعلون أشخاصهم، ولا حزبهم، ولا غير ذلك، هم المقياس والمعيار. وإنما يجعلون السنة، كتاب وسنة، على فهم السلف الصالح، الموافق لهما، المتبع لهما، العامل بهما، هو السني. المخالف لهما، المشاغب عنهما، المحاد لهما، هو البدعي، أو قد يكون بعد ذلك على حسب خلافه ورده وطعنه في السنة، قد يصل به إلى الكفر، والعياذ بالله. واسمع إلى كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى والتعالى الآخر، كما في مجموع الفتاوى، يقول: وأيضا فكثير من الناس يخبر عن هذه الفرقة بحكم الظن، أو عن هذه الفرق بحكم الظن والهوى، فيجعل طائفته والمنتسب إلى متبوعه، الموالية له، هم أهل السنة والجماعة. الآن إخوان المسلمون، اتباع حسن البنا، الذي أسس لهم هذا، الحسن يسموهم الإخوان المسلمين، يجعلون من كان من الإخوان المسلمين هو السني، هو السني، فيوالونه ويحبونه ويعطونه ويقربونه. ومن لم يكن في جماعتهم فإنهم لا يوالونه، بل ويعادونه، بل وربما طعنوا فيه وتكلموا عليه، بل وربما إذا خالفهم وأظهر عوارهم قاموا باغتياله، كما حصل لكثير من أئمة السنة الذين قتلوا على أيدي الإخوان المسلمين. فهذا من منهجه. قال: ويجعل من خالف أهل البدع... وهذا ضلال مبين. فإن أهل الحق والسنة لا يكون متبوعهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. فهو الذي يجب تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر، واجتناب ما نهى وزجر. هذا رسول الله الذي أمرك الله عز وجل بطاعته، واجتناب نهيه، وعدم مخالفته. فإذا يكون المتبوع هو رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أهل السنة والجماعة. قال: بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك، فما كان قوله موافقا للسنة وللحق أخذ، وما كان قوله مخالفا للسنة وللحق ترك. هذا يقول مالك رحمه الله تعالى: كل يؤخذ من قوله ويترك، إلا صاحب هذا القبر، وأشار إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام. هذا لا ينبغي لمسلم أن يجعله مثل سائر الناس، يأخذ ويترك. ألا كيف لا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت باتباعه؟ فما كان فيه من أمر قال عليه الصلاة والسلام: «فأتوا منه ما استطعتم»، وما كان فيه من نهي قال: «فاجتنبوه»، «فاجتنبوه»، لأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطاعته طاعة لله عز وجل. قال: فمن جعل شخصا من الأشخاص غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أحبه ووافقه كان من أهل السنة والجماعة، ومن خالفه كان من أهل البدعة والفرقة، كما يوجد ذلك في الطوائف من أتباع أئمة في الكلام والدين وغير ذلك، كان من أهل البدع، كان من أهل البدع والضلال والتفرق. هذا الذي يقول للناس: انتسبوا إلى شخص معين، هذا إذا أحببتموه فأنتم على السنة، وإن أبغضتموه فأنتم لستم على السنة، أو إن وافقتموه فأنتم على السنة، وإن خالفتموه فأنتم لستم على السنة. قال: هذا إذا دعا الناس إلى ذلك، وامتحن الناس بهذا، كان من أهل البدع والتفرق، كان من أهل البدع والتفرق. لأن أهل السنة ما حثوا الناس على هذا. أئمة الهدى من الصحابة والتابعين وأتباعهم رضوان الله تعالى عليهم، كلهم يأمرون الناس، حثوا على طاعة الرسول. ابن عباس قال: يوشك أن تنزل عليهم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر. وفي رواية العُتبي: قال: أرأيتُم سيهلكون، أرأيتُم سيهلكون؟ فالمتبع هو الكتاب والسنة، هذا الذي حث عليه العلماء. الشافعي رحمه الله تعالى يقول: لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه. ويقول: إذا خالف قولي كتاب الله وسنة رسوله، فخذوا بكتاب الله وسنة رسوله، وارموا بقولي عرض الحائط. فما بال الذين يقولون: نحن شافعية، ويأخذون من هذا المذهب كل شيء؟ شافعية يأخذون كل شيء، مع أن الشافعي يقول: إذا خالف قولي الكتاب والسنة، فارموا به عرض الحائط، ولا يحل أحد أن يأخذ قولنا ما لم يعلم من أين أخذناه. ينبغي لأولئك الذين ينتسبون للشافعية، يقولون: نحن شافعية، أن ينظروا: ما أخذ الإمام الشافعي رحمه الله تعالى؟ هل كان من الكتاب والسنة؟ فيكون المتبع الكتاب والسنة، الذين أمرنا باتباعهما. نقول: الشافعي أصاب الكتاب والسنة، ووافق قوله الحق، فإذا نحن أخذنا بالأصل وهو الكتاب والسنة، الذين أمرنا باتباعهما، وهذا إمام جليل. أو قد يكون الشافعي اجتهد ولم يبلغه الدليل، أو غير ذلك مما يعتذر فيه للأئمة، فنحفظ له كرامته، ولا نتبعه في قوله الذي خالف فيه الكتاب والسنة، لأنه قد يكون هذا القول عند غيره ممن أصاب ذلك، مثل أحمد أو مالك أو غيرهما. إذن ما ستجد شخصا جمع كل شيء، وقوله هو الموافق للكتاب والسنة في كل شيء، بل قد يوجد عنده من... من الخطأ. يوجد منه من الخطأ في الاجتهاد. يجتهد الأئمة، خفيت عليهم أدلة كثيرة، ومنهم من استمر على فتوى إلى أن مات، ومنهم من وصله الدليل ثم رجع عنه، كحال كثير من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كانوا يتراجعون عندما يبلغهم الدليل عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أبو هريرة رضي الله تعالى عنه كان يفتي الناس بأن من أصبح جنبا لا صيام له، من أصبح جنبا لا صيام له. فأخبرته عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنبا فيغتسل، ولا يؤثر ذلك في الصيام، بل يواصل الصيام. قال: هما أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم مني. قال: فرجع عن قوله. رجع عن هذا، بلغه الدليل من... من... من... من أم المؤمنين عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما. هذه مسألة في رجوع الصحابة رضي الله تعالى عنهم إلى الحق. عمر رضي الله تعالى عنه خفيت عنه سنة الاستئذان، لما أراد أن يضرب أبا موسى، لما رجع قال: لتأتيني ببينة، أو لأوجعنك ضربا. فجاء أبو موسى يهرول رضي الله تعالى عنه إلى الصحابة، قال: هل سمع أحد منكم رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر شيئا في الاستئذان؟ قال: فقام أبو سعيد الخدري عند عمر مع أبي موسى، وشهد معه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الاستئذان ثلاثا، فإن أذن لك، وإلا فارجع». فعمر التزم هذا. في قصة الطاعون، عمر رجع إلى قول عبد الرحمن بن عوف، لما أخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سمعتم بالطاعون وأنتم بأرض فلا تخرجوا منها، وإذا لم تكونوا فيها فلا تدخلوها». حمد الله وكبر، ورجع بالجيش. عمر رضي الله تعالى عنه رجع لقول أبي بكر في قتال مانع الزكاة: كيف تقاتل قوما يشهدون لا إله إلا الله؟ قال أبو بكر: والله لو منعوني... لو قاتلنا من فرق بين الصلاة والزكاة، الزكاة حق المال. فرجع لقول أبي بكر، علم أنه الحق. انظروا، أئمة هدى، وغيرها من الوقائع كثيرة. ابن عباس رضي الله عنهما رجع عن فتوى كان يفتي بأنه لا ربا إلا في النسيئة، أما ربا الفضل فيجوز. لا ربا إلا في النسيئة، وهذا عنده حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، رواه أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا ربا إلا في النسيئة»، حديث متفق عليه. فأخبره أبو سعيد... أن الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، يدا بيد، ومثلا بمثل، فمن زاد فقد أربى، ربا الفضل. فرجع عن فتواه. رجع عن هذا، بلغه الدليل... ارجعوا إلى صحيح مسلم. ابن عباس رجع عن فتواه أنه لا ربا إلا في النسيئة، وأثبت ربا الفضل. وهكذا في غسل المحرم، في غسل المحرم، زيد بن ثابت اختلف، أو المسور بن مخرمة اختلف مع ابن عباس في غسل المحرم، هل يقتصل؟ فقال: اذهب فاسأل أبا أيوب. اذهب فاسأل أبا أيوب. فسأله: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقتصل وهو محرم؟ كم قصص، وكم آثار، كآثار عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، يفتون، ثم إذا وصلهم الحق والدليل عن النبي صلى الله عليه وسلم، جعلوا المقياس هو رسول الله، كتاب وسنة، فيرجعون إلى الكتاب وإلى السنة، ما يصرون، ولا يعاندون، ولا يستكبرون، حاشاهم عن ذلك، لأنهم قد عرفوا بالطاعة والانقياد والاستسلام والاتباع لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. لهذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: قال: هذا كان هذا الشخص الذي يعين شخصا، ويريد الناس أن ينتسبوا إليه، فمن أحبه ووافقه فهو من أهل السنة، ومن خالفه فهو من أهل البدعة، هذا يكون من أهل التفرق. بل هذا قوله هو عين البدعة، هو عين البدعة. كان عليه أن يوصي الناس برسول الله عليه الصلاة والسلام، من أحبه واتبع سنته فهو المؤمن وهو السني، من خالفه فهو على غير السبيل، وعلى غير الهدى، بل هو البدعي، وقد يصل به إلى ماذا؟ إلى درجات أعظم من البدعة، عياذا بالله. قال: بهذا يتبين أن أحق الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية: أهل الحديث. أهل الحديث هم أحق الناس، أهل الحديث والسنة، الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم أعلم الناس بأقواله وأحواله. إلى آخر كلامه، كلام طويل في المجلد الثالث، صفحة 346 وما بعدها، لشيخ الإسلام. هذا النفس والباع في هذا الجانب العظيم، أن الناس جميعا ينبغي عليهم أن يرجعوا إلى الكتاب وإلى السنة، لا يعصبون الناس، ولا يحزبون الناس، ولا يفرقون الناس. بل هذا مما نهى الله عز وجل عنه بقوله سبحانه: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾ [آل عمران: 103]، ولا تفرقوا. فنهى الله عز وجل عن التفرق، وقال: ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ﴾ [آل عمران: 105]، ﴿ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ [الروم: 31-32]. أهل السنة والجماعة إنما هم متبعون للنبي عليه الصلاة والسلام، الذي يتعصبون له، ولأقواله، ولأفعاله، فيتبعونها. هذا هو الشخص الذي أراد الله عز وجل الناس جميعا أن يكونوا معه، وأن يتبعوه، وأن يطيعوه. وأما غيرهم، فكل يؤخذ من قوله ويترك، فما كان موافقا للحق أخذ، وبُجِّل وعُظِّم على قدر تمسكه بالسنة وقربه منها، وما كان مخالفا بعيدا عن كتاب الله، وعن هدي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ترك، ترك، وبُعد منه، ومن أقواله. فعلى حسب الطاعة والانقياد والاستسلام، والقرب من رسول الله عليه الصلاة والسلام، يحصل لذلك الشخص... يحصل لذلك الشخص المحبة والإجلال والتعظيم والاحترام والتقدير، على قرب ذلك الشخص من أهل العلم المجتهدين. وما كان بعيدا، بعيدا أقواله، شاذة، مخالفة لهدي النبي عليه الصلاة والسلام، فإن المسلمين ما أمروا ماذا؟ باتباعه، بل عليهم أن يجتنبوا، ويجتنبوا أقواله. لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «فإن من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، يرى اختلافا كثيرا، تفرقات، ذاك يدعوك إلى حزبه الفلاني، وذاك إلى فرقته وطائفته، وذاك إلى نحلته ومذهبه». قال: «فعليكم بسنتي». انظروا إلى السنة. إلى ما دعا الناس، قالوا لهم: سجلوا معنا في ذلك الحزب، لأنه ليس لهم حزب، له بطاقات، كما حال الإخوان المسلمين في حزب معين. إنما يقول الناس: اتبعوا كتاب ربكم، وسنة نبيكم صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والله الموفق. فمن كان عاملا بالكتاب والسنة أحببناه، قربناه، كما كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ [التوبة: 71]. هذا حال أهل الإيمان. بخلاف من شذ عنهم، عن أهل الإيمان، وخرج عن أهل الإيمان، فإنه يختلف عليهم، ويفترق عنهم، فلا يواليهم، لا يوالي أهل الإيمان. أهل الإيمان المتصفون بهذا الوصف: ﴿ يُؤْمِنُونَ * بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾، يحب بعضهم بعضا، وينصر بعضهم بعضا. هكذا ينبغي أن نكون، كما أمرنا الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات: 10]. نحقق الأخوة الإيمانية، نحقق هذه الأخوة بمعناها، من الترابط والتراحم والرفق، والدعوة إلى الله عز وجل، ونصرة هذا الدين. أما أن يجعل لكل شخص فرقة، ومذهب، وطائفة، وحزب، فإن هذا من الاختلاف والتفرق الذي نهى عنه ربنا سبحانه وتعالى، ونبينا عليه الصلاة والسلام. نسأل الله عز وجل أن يردنا إليه رداً جميلاً. الحمد لله يا رب العالمين.