التعليق على تقريب التدمرية 105

الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 105، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

أصناف الناس في مقام الشرع والقدر

يناقش الصنف الثالث من الناس الذين ضعف عندهم تحقيق مقام الشرع لكنهم أقوياء في الاستعانة بالله، وعاقبتهم السيئة بسبب عدم اتباعهم للشرع. يُبين أيضًا أقسام الناس في العبادة والتوكل ومآل كل قسم.

أقسام الناس في العبادة والتوكل ومآلهم

يتناول أربعة أقسام من الناس في العبادة والتوكل، ويبين حال كل قسم ومآلهم، مع التركيز على قسم يتعبد بالبدع وقسم لا يعبده ولا يتوكل عليه.

انتقاد آراء الجهمية في التوحيد والصفات والقضاء والقدر

ينتقد آراء الجهمية في التوحيد والصفات والقضاء والقدر، ويبين تأثرهم باليهودية وضعفهم في الأمر والنهي والعقاب. يُظهر أنهم أسوأ حالًا من المشركين في بعض النواحي.

ختام الدرس بالصلاة على النبي

يختتم الدرس بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مما يظهر الطابع الديني والتعبدي للدرس ويعتبر تبركًا وتأكيدًا على أهمية الصلاة على النبي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد. ذكرنا في درس الماضي ما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى من أقساب الناس في مقام الشرع والقدر، وآخر من ذكرنا الصنف الثالث. كما قال رحمه الله: الثالث من فاتهم التحقيق في أصلي الشرع، فكانوا ضعفاء في الاستقامة على أمر الله تعالى ومتابعة شرعه، لكن عندهم قوة في الاستعانة بالله والتوكل عليه. ولكن قد يكون ذلك في أمور لا يحبها الله تعالى ولا يرضاها، فيعان ويمكن له بغدر حاله، ويحصل له من المكاشفات والتأثيرات ما لا يحصل للقسم الذي قبله، لكن ما يحصل له من هذه الأمور يكون من نصيب العاجلة الدنيا. أما عاقبته فعاقبة سيئة؛ لأنه ليس من المتقين، وإنما العاقبة للمتقين. قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾. فالله تعالى يعلم أن هؤلاء سيشركون بعد أن ينجيهم، لكن لما كانوا في البحر كانوا مخلصين في دعائهم الله تعالى أن ينجيهم، صادقين في تفويض الأمر إليه، حصل مرادهم. ولما لم يكن لهم عبادة لم يستقم أمرهم، وكان عاقبة أمرهم خسرا. فإذن هؤلاء الذين ضعفوا عندهم تحقيق مقام الشرع، وفاتهم تحقيق هذا المقام؛ لأنهم لم يتعبدوا الله جل وعلا بما شرع الله جل وعلا من الطاعات، وإنما تعبدوا الله جل وعلا بالبدع والمحدثات، وعندهم إخلاص في ذلك، لكن من غير متابعة، ومن غير اجتهاد في العمل وإحسان العمل والاستقامة على شرع الله جل وعلا متابعة النبي صلى الله عليه وسلم. هذا الصنف لما يحصل عندهم من الإخلاص قد يعانون ويمكنون في أمور؛ لأن الدعاء، أي دعاء الرب جل وعلا، يستجاب. يستجيب الله جل وعلا لعبده، وربما لو كان كافرا؛ لأن هذا مقام الربوبية، الدعاء يتعلق بمقام الربوبية، والاستغاثة كذلك. فانظروا إلى الكفار وهم كفار، إذا كانوا في الشدة دعوا الله جل وعلا مخلصين، وهم كفار، ما عندهم عبادة لله جل وعلا، لكن حصل عندهم في تلك الحال وفي تلك الشدة إخلاص لله جل وعلا. ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وهم كفار، ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. والله يعلم أنهم إذا نجوا سيعودون إلى شركهم وإلى عبادة أصنامهم، لكن استجاب الله جل وعلا لهم لما وجد عندهم من حال افتقار، وإجابة الدعاء منه سبحانه وتعالى لعباده هذا مما يتعلق بمقام الربوبية. وهكذا كأهل البدع والمحدثات، فربما يعملون أعمالا مخالفة للشرع، يعملون البدع والمحدثات والزيارات الشركية والبدعية، ويقيمون الاحتفالات البدعية، وهم مخلصون فيها، عندهم إخلاص في إقامتها، يتقربون بها إلى الله، مع أن هذه الأعمال تخالف الشرع ولا تضل جل وعلا، وهي مردودة على أصحابها. ومع هذا ربما يعانون ويمكنون. فربما يرون شيئا يعدونه من الكرامات، وهو من إعانة الجن لهم. كما تقدم، فهذا يقول: أنا سمعته صاحب القبر يتكلم، سلمت عليه، صافحته بيدي. كيف تقولون هذا؟ هذه كرامة. كيف؟ هذه الزيارات لا تجوز. أنا جيت عن صاحب القبر، سلمت عليه ورد علي السلام، وسمعت صوته، وهو جني. ويقول: بل دخلت يدي داخل التابوت وصافحني، صافحته. فيقول: هذه كرامات، وهي من أعمال الشياطين. وربما يحتاجون إلى شيء من الماء، يفقد الماء في مكان يحتاجون للوضوء، فإذا بإناء قد فيه ماء. من أين هذا الإناء؟ سبحان الله، كرامة. انظروا، هذا يدل على ماذا؟ يدل على أننا على طاعة عظيمة. لو كنا على معصية، لو كانت هذه الأمور لا ترضي الله جل وعلا، هل يحصل هذا؟ ما في ماء، والآن وجد الماء، ما ندري من الذي أتى بالماء. وهكذا تحصل لهم أشياء يظنونها كرامات، وهي إعانات من الشياطين، ويعانون على ذلك ويمكنون استدراجا من الله جل وعلا. والجن تريد من الناس البقاء على هذه البدع وعلى هذه المحدثات، وإلا لو لم يقم الجن مثل هذا، ربما لا يترك الناس. لكن حصول مثل هذه الأمور تجعل الناس يتمسكون بهذه البدع والمحدثات. فإذا هذا ليس ميزانا للحق، وميزانا للتقي من غير التقي؛ لأن هذه ليست كرامات، وإنما إعانات من الشياطين. فكما قال المؤلف رحمه الله تعالى: هؤلاء ربما يعانون ويمكنون، وتحصل لهم شيء من المكاشفات والتأثيرات التي هي من إعانة الجن والشياطين لهم، ومن استدراج رب العالمين جل وعلا لهم؛ لأنهم يريدون هذا. فلما أرادوا الحظ الزائد من الدنيا تحصلوحوا عليه. لكن لا ينفعهم ذلك شيئا، ولا يبقى لهم من الأعمال إلا ما كانت فيه المتابعة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم. وإلا لو كان هذا دليلا على التقوى، فهل إن جاء الكفار وهم في البحر عند الشدائد من هذه المحنة يدل على تقواهم؟ لا. وإنما وجد عندهم وقام بقلوبهم من الإخلاص في تلك الحال والافتقار إلى رب العالمين، وهذا أحد مقام الربوبية. فالله جل وعلا يمكن لعبده، ويجيب لعبده لما قام به من الافتقار في هذا الحال والإخلاص. فإذا كان هذا في حق الكافر، فغيره من باب أولى. أنه ربما يمكن، وتحصل له أمور يظنها كرامات تدل على أنه على الحق، وهي إنما مكاشفات تحصل وتأثيرات فيها إعانة عظيمة من الجن، وهي من الاستدراج من رب العالمين جل وعلا. قال: سنستدرجهم من حيث لا يعلمون. ويكون هذا لهم من نصيب العاجلة، أي الدنيا. أما العاقبة فعاقبتهم سيئة؛ لأنهم ليسوا من المتقين؛ لأن المتقين هم الذين حققوا مقام الشرع والقدر، حققوا مقام الشرع والقدر بالإخلاص والمتابعة والصبر على القدر والاستغفار إلى آخر ذلك مما يطبه تحقيق هذين المقامين. أما هؤلاء فليس عندهم مقام الشرع الذي هو المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم في العبادات، والإتيان بالعبادات الشرعية. بل بعضهم ربما يقصر ويفرط في العبادات، وليست عنده عبادات، وليست عنده طاعات، وإنما عنده بدع ومحدثات. ويرى من المكاشفات والتأثيرات بزعمه، يقول: أنا إذن على صواب، وإن كنت قد تركت كثيرا من الطاعات والعبادات. والأمر ليس كذلك. كيف يكون من المتقين وهو مقصر في طاعاته، في أمر صلاته، في أمر صيامه، في أمر عباداته وأخلاقه وغير ذلك من العبادات؟ لا يمكن أبدا. فالمتقون هم الذين حققوا هذين المقامين. قال رحمه الله تعالى: فالفرق بين هؤلاء وبين القسم الذي قبلهم أن الذين قبلهم كان لهم دين ضعيف بضعف استعانتهم بالله وتوكلهم عليه، لكنه مستمر باقد، إن لم يفسده صاحبه بالعجز والجزع. وهؤلاء لهم حال وقوة، لكن لا يبقى لهم إلا ما وافقوا فيه الأمر واتبعوا فيه السنة. الصنف الذي قبل هؤلاء أفضل؛ لأن التفريط عندهم إنما هو في باب التوكل، الاستعانة بالله جل وعلا. فربما لا يأخذون بالأسباب، ولا يأتون بالأسباب، وهكذا ربما لا يصبرون على قضاء الله جل وعلا وعلى المصائب والابتلاءات، يحصل عندهم التضجر وعدم الصبر. لكن عندهم عبادة، عندهم طاعات، عندهم عبادات يأتون بها. وهكذا عندهم إخلاص في هذه العبادة، لكنه ربما يضعف لما يوجد عندهم من العجب والرياء. لكنهم عندهم عبادة، وإن كانت ضعيفة، لكنهم مستمرون عليها. لكن الصنف هذا الذي صار يتعبد الرب جل وعلا بالبدع والمحدثات، ويستدرجه الله جل وعلا بيعاند الشياطين له بحصول هذه المكاشفات والتأثيرات، هذا ربما يصل به الحال، وعياذ بالله، إلى الزندقة وإلى الخروج من الإسلام. بخلاف الأول الذي لا يصبر على قدر الله، يتضجر وتسخط أو عنده شيء من الرياء والعجب، لكن ربما يستمر على هذا الحال. لكن هذا ربما يصل به الحال حين يتعبد الرب جل وعلا بالبدع والمحدثات، فيحصل لهم من المكاشفات والتأثيرات، فهذا على خطر عظيم؛ لأنه يجره ذلك بعد ذلك، والعياذ بالله، إلى الشرك بالله جل وعلا وإلى الكفر بالله جل وعلا. وربما يترك العبادات جميعا، يترك العبادات جميعا، ويظن أنه قد وصل إلى اليقين، فلا يلزمه الطاعة ولا تلزمه العبادة. أنه يأتي ماذا؟ أنه يأتي بها، فهو قابع على هذه البدع وعلى هذه المحدثات وعلى هذه الخرافات، ويرى من المكاشفات والتأثيرات، وربما تحمله الجن وتذهب به حيث يريد، وهكذا فيضل على هذا الحال الذي معه ترك للعبادة، فيكفر بالله جل وعلا. بخلاف الأول؛ فإنه ولو استمر على ذلك الحال، فإنما هو مقصر ومفرط، لكن لم يصل إلى الكفر، ما دام على ذلك الحال؛ لأن الضعف عنده إنما في التوكل، في الأخذ بالأسباب، أو الصبر على ما قدر الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: طيب، هؤلاء أيضا أصحاب القسم الثالث لا يبقى لهم شيء من تلك الأعمال إلا ما وافق فيه السنة. بخلاف القسم الثاني؛ فإنه يؤجر على تلك الأعمال التي فعلها. فإذا حصلت المصيبة والابتلاء لم يصدر أثما، فإذا هو يؤجر، ويأثم يؤجر ويأثم من وجه. لكن هذا الذي عنده بدع ومحدثات، ما عنده أجر أبدا، فهو يقع في آثام مستمرة عليه. بخلاف ذلك، يقع في الرياء فيأثم، يقع في عدم الصبر فيأثم، وهكذا يقع عنده شيء من العجب فيأثم، لكنه عنده عبادة مستمر عليها، فهو يؤجر عليها ما دام أنه لم يرائي فيها. قال رحمه الله تعالى: القسم الرابع من فاتهم تحقيق أصلي الشرع وأصلي القدر، فليس عندهم عبادة لله تعالى والاستعانة به، ولا لجوء إليه عند الشدة، فهم مستكبرون عن عبادة الله، مستغنون بأنفسهم عن خالقهم. وربما لجأوا في الشدائد وإدراك مطالبهم إلى الشياطين، فأطاعوها فيما تريد، وأعانتهم فيما يريدون. فيظن الظان أن هذا من باب الكرامات، وهم من باب الإيهانات؛ لأن عاقبتهم الذل والهوان. وهذا القسم شر الأقسام؛ هذا هو شر الأقسام الذي ليس عنده عبادة لله جل وعلا ولا طاعة، فلا يصلي ولا يصوم ولا يحج ولا يعمل أن يطاعه. وهكذا كذلك ليس عنده توكل على الله جل وعلا، فلا حقق مقام إياك نعبد، ولا حقق مقام إياك نستعين. فليس عنده إياك نعبد، وليس عنده إياك نستعين. بخلاف الأقسام الأخرى؛ فمنهم من عنده مقام إياك نعبد، وليس عنده مقام إياك نستعين، ومنهم من عنده مقام إياك نستعين، وليس عنده مقام إياك نعبد. والمؤمن الصادقون، وهم أفضل هذه الأقسام وأرفعها، هم الذين عندهم مقام إياك نعبد وإياك نستعين. أما هذا القسم الرابع فليس عنده لا مقام إياك نعبد، وهو مقام الشرع، ولا مقام إياك نستعين الذي هو مقام القدر. والمعنى أنه ليست عنده عبادات يتعبد ربه جل وعلا بها، وليس عنده توكل واستعان بالله جل وعلا. وإنما يعبد هواه كما قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾. هربوا من الرق الذي خلقوا له، فبلوا برق النفس والشيطان. فربما إذا وقع في الشدائد استعان بالشياطين واستعان بالجن لتحصيل مطالبه، فأطاعته هذه الشياطين؛ لأنه صار عابدا لها. الإنسان إذا لم يعبد الله جل وعلا عبد الشيطان. إذا لم يعبد الله جل وعلا عبد الشيطان. فهؤلاء لما لم يعبدوا الله جل وعلا ولم يستعينوا به، فعبدوا الشيطان، عبدوا الشيطان. تركوا الطاعات وفعلوا المحرمات، واستعانوا بالشياطين، وأطاعتهم الشياطين، ولبت لهم مطالبهم. وربما يعني تجعلهم في أمور يضلها الناس من الكرامات والمنزلة العظيمة في الدنيا، وهي من الإهانات. فربما هؤلاء الجن يطيرون بهم أو كذا وكذا من هذه الأمور التي تفعل هؤلاء يفعل هؤلاء الشياطين. وهذا هو حال السحرة الذين تخدموا الشياطين حتى يتركوا العبادة، فلا يصلون لله جل وعلا. وإن صلوا ربما يسبون الله جل وعلا، ربما يصلون ليرغوا الناس، يظهروا الناس أنهم يصلون، وهم يسبون في الصلاة. وربما يلعنون، العياذ بالله، وربما يستهزئون. صلاتهم كصلاة المنافقين، شكلية، حتى يعني يروا الناس أنهم على صلاة، وهم ليسوا على عبادة لله جل وعلا أصلا، وإنما نفاق؛ لأن السحرة هؤلاء الذين تخدموا الشياطين لا يمكن أن تخدمهم إلا بالكفر بالله جل وعلا. ومن لازم ذلك أنهم يتركون الصلاة. وإذا صلوا ليظهروا للناس، فعليهم أن يصلوا صلاة شكلية، صلاة شكلية لا ذكرى معها لله جل وعلا، بل ربما الحال يبلغ عندهم أعظم من هذا، أنهم ربما يقولون في ركوعهم أو سجودهم كلاما قبيحا وسبا وشتما، هو العياذ بالله. فهؤلاء هم شر الأقسام؛ لأنهم كفار، والعياذ بالله؛ لأن الذي لا يحقق مقام إياك نعبد وإياك نستعين فهو كافر بالله جل وعلا. فهذا هو شر الأقسام في باب مقام الشرع والقدر. قال رحمه الله تعالى: فصل في المفاضلة والمقارنة بين أرباب البدع. قال رحمه الله تعالى: نظار المتكلمين الذين يدعون التحقيق وينتسبون إلى السنة يرون التوحيد عبارة عن تحقيق توحيد الربوبية. وطواف من أهل التصوف الذين ينتسبون إلى التحقيق والمعرفة، غاية التوحيد عندهم شهود توحيد الربوبية. ومعلوم أن هذا هو ما أنكر به المشركون، وأن الرجل لا يكون به مسلما، فضلا عن أن يكون وليا من أولياء الله أو من سادات أولياء الله تعالى. وطائفة أخرى تقرر هذا التوحيد مع نفي الصفات، فيقعون في التقصير والتعطيل. وهذا الشر من حال كثير من المشركين. ذكر مؤلف رحمه تعالى هذا الفصل ليبين المقارنة والمفاضلة بين أرباب البدع؛ فإن أهل البدع يتفاوتون، وأهل البدع يتفاضلون. فمن أهل البدع منهم كفار خرجوا من ملة الإسلام، ومن أهل البدع منهم مبتدعة لكنهم لازالوا على الإسلام، وهم يتفاوتون في شر بدعتهم. فبدعة شر من أخرى، وبدعة أظلم من أخرى، وهكذا. فبين في هذا الفصل رحمه الله هذا الأمر في المفاضلة والمقارنة بين أرباب البدع، يعني بين أهل البدع. فذكر عن نظار المتكلمين والذين يدعون التحقيق وينتسبون للسنة: التوحيد عندهم عبارة عن تحقيق توحيد الربوبية، كما تقدم. عندهم التوحيد ماذا؟ تحقيق توحيد الربوبية، هذا قد أقر به المشركون كما تقدم. طوائف من أهل التصوف كذلك عندهم التوحيد شهود توحيد الربوبية، كما تقدم، سموه الفناء، يفنون في الله جل وعلا، وهذا عندهم هو تحقيق التوحيد، وهذا إنما هو تحقيق لتوحيد الربوبية. مع أيضا البدعة هذه التي أحدثوها حين يزعمون أنهم توصلوا بها إلى مقام عظيم لم يبلغه غيرهم، كما تقدم. وهذا أقر به المشركون أيضا كما تقدم، ولا يكون رجل به مسلما، فضلا أن يكون وليا من أولياء الله، كما يزعمون أنهم من أولياء الله؛ لأنهم يصلون إلى هذا الفناء. وطائفة أخرى تقرر هذا التوحيد، وهو توحيد الربوبية، مع نفي الصفات، فيقعون في التقصير والتعطيل. وهذا شر من حال كثير من المشركين. وهذا هو حال الجهمية المعطلة، والذي قال الجهم بن صفوان إمام الجهمية: يفني الصفات. يغلو في القضاء والقدر، ويقول بالجبر. الجهم بن صفوان هذا الدجال، كما قال فيه ابن المبارك رحمه الله تعالى: عجبت لدجال دعا الناس جهرة إلى النار، واشتق اسمه من جهنم. هكذا يقول ابن المبارك رحمه الله تعالى في الجهم بن صفوان. والجهم بن صفوان أخذ مقالة التعطيل عن الجعد بن درهم، والجعد بن درهم أخذها عن طالوت، وطالوت هذا ابن أخت لبيد بن الأعصم اليهودي الذي سحر النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فانظروا إلى السلسلة، سلسلة الإسناد إلى القول بهذه المقالة، فهي الجهم عن الجعد عن طالوت عن لبيد بن أعصم اليهودي، هذه مقالة التعطيل، والعياذ بالله. فالجهم بن صفوان يقرر توحيد الربوبية، وأيضا يزيد على هذا أنه يعطل ماذا؟ يعطل الصفات. فصار حاله شر من ماذا؟ من حال المشركين؛ لأن المشركين يثبتون الأسماء غالب المشركين يثبتون الأسماء والصفات، لا يعطل الأسماء والصفات. ولذلك ذكر الله جل وعلا عنهم أنهم كفروا باسم الله الرحمن؛ لماذا؟ خص الله جل وعلا أنهم كفروا بذلك؛ يدل على الأسماء الأخرى لم يكفروا بها، وهم يكفرون بالرحمن، يعني باسم الله الرحمن. قالوا: ما نعلم من رحمن إلا رحمن اليمامة. لكن غالب الأسماء والصفات يثبتها المشركون. أما الجهم فلا يثبت الأسماء ولا الصفات، فإذا هو وافق قوله يوافق المشركين في القول بتوحيد الربوبية، ولم يزد شيئا. بل المشركون فاقوه في ماذا؟ في إثبات الأسماء والصفات؛ لأنه لم يثبت الأسماء والصفات، بل ينفي الصفات، وهكذا الأسماء. قال: يغلو في القضاء والقدر؛ لأن الجهم جبري، الجهم جبري يعتقد أن العبد مجبور، مجبور على فعله، سواء كانت طاعة أو كانت معصية، لا إرادة له ولا اختيار. وهو يوافق المشركين في هذا؛ ولذلك قال: فيوافق المشركين في قولهم: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾. الذي يقول العبد مجبور، لا إرادة له ولا اختيار، فهو يوافق المشركين. فالجهم يوافق المشركين؛ لأنه يقول بالجبر، وأن العبد مجبور على فعله، لا إرادة له ولا اختيار ولا مشيئة. قال: لكنه يثبت الأمر والنهي، فيفارق المشركين. الجهم بن صفوان يثبت العبادة لله جل وعلا، وأن الله جل وعلا أمر بأوامر ونهى عن نواهي، ويقر بذلك. المشركون لا يقرون بذلك، المشركون لا يقرون بالشرع لله جل وعلا وبالعبادة لله سبحانه وتعالى، والأمر والنهي. لكن الجهم يقر بالعبادة لله جل وعلا، والأمر والنهي. ففارق المشركين في هذا؛ لأن المشركين لا يقرون بالشرع، ولا بالأمر ولا النهي. قال: إلا أنه يقول بالإرجاء، فيضعف الأمر والنهي والعقاب عنده؛ لأنه يرى أن فاعل الكبيرة عنده مؤمن كامل الإيمان، غير مستحق للعقاب. إذن الجهم بن صفوان وإن فارق المشركين في إقراره بالعبادة لله جل وعلا، والأمر والنهي، لكنه مرجئ. والمرجئة عندهم ماذا؟ أن الطاعة والمعصية، أن الطاعة لا تزيد الإيمان، وهكذا المعصية لا تنقص الإيمان. فإذن ما فائدة للإنسان يفعل الأمر ويفعل الطاعة ويزداد من الطاعات، ويبتعد عن المعاصي إذا كان الإيمان سواء، والطاعة لا دخل لها في الإيمان، والمعصية لا أثر لها على الإيمان. وكذلك الأمر إذا امتثله الإنسان لا دخل له في إيمانه، ولا أثر له. وهكذا أنه إذا ارتكب لا أثر له على إيمانه. فهذا يضعف القول بالشرع؛ لأن القول بالشرع لازمه أن تعتقد أن الطاعة لها أثر عندما امتثلتها على إيمانك، وهكذا كذلك المعصية إذا تركتها لها أثر على إيمانك تزيده، وإذا فعلتها لها ضرر على إيمانك، تنقصه. أما أن يفعل الإنسان الطاعة وهو لا يعتقد أن لها الأثر في الإيمان، ونزيد الإيمان، ويترك كذلك المعصية، ولا يتركها لزيادة إيمانه وللثبات على إيمانه، فهذا عنده ضعف في الأمر والنهي والعقاب. ولأنه كذلك إذا فعل الطاعة، وكذلك الجهم يقول بالجبر، الجهم جبري. يقول بالجبر، إذن عنده الإنسان إذا فعل الطاعة فهو مجبور عليها، وإذا فعل المعصية فهو مجبور عليها. إذن لا يعظم الأمر والنهي، لا يعظم الأمر والنهي؛ لماذا؟ لأنه إذا فعل الطاعة أو فعل المعصية لا يندم على فعلها. نعم، لماذا؟ لأنه إذا فعلها يرى أن هذا قد جبر على ذلك، فلا يعظم الأمر بامتثاله، ويعلم أنه يفعله. وإذا فعله أثيب على ذلك. والمعصية إذا فعلها أنه هو الذي فعلها، وإذا فعلها أثيب على ذلك. فيكون عنده تعظيم للأمر بامتثاله، وتعظيم للنهي بتركه. أما أن يكون عنده لا أثاب على هذا وعلى هذا، فإذا عنده إقرار بالشرع شكلي، إقرار بالشرع شكلي ضعيف، لا تعظيم عنده للأمر والنهي. وإن كان قد فارق المشركين؛ لأن المشركين لا يقرون أصلا بالأمر والنهي، والجهم يقر بالأمر والنهي، لكنه يرى أن الأمر والنهي إذا وقع منه وقع وهو مجبور عليه. فلا يكون معظما للأمر حين يفعله، والطاعة، ومعظما للمعصية حين يتركها. هذا مراد مؤلف رحمه الله تعالى بقوله: إلا أنه يقول بالإرجاء فيضعف الأمر والنهي والعقاب عنده؛ لأنه يرى ذلك بأنه مجبور على ذلك، ولأنه كذلك يرى أنه لا أثر للطاعة والمعصية على الإيمان، بل الإيمان عنده كامل؛ لأنه يقول: فاعل الكبيرة مؤمن كامل الإيمان، غير مستحق للعقاب. فكيف سيعظم المعصية، وكيف سيعظم الكبيرة ويتركها؟ وهو عنده من فعل الكبيرة لا زال على كمال الإيمان وعلى الإيمان الكامل. فمعنى ذلك أنهم يضعفون في باب الأمر والنهي والشرع، فلا يكون عندهم التعظيم حال الامتثال، ولا التعظيم حال الترك. قال رحمه الله تعالى: طيب، بقيت بعض الفرق، وما نستطيع أن نكملها هذه الليلة، وإن كنا قد وددنا أن نكمل، لكن قدر الله وما شاء فعل، وما تشاءون إلا أن يشاء الله. نكمل في درس الغد إن شاء الله. ونكمل، صلى الله وسلم وبرك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.