الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 73، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
الدرس يتناول الضابط في إثبات الصفات لله جل وعلا، حيث يجب إثبات ما أثبته الله لنفسه أو رسوله من صفات الكمال دون نقص. يُشدد على أهمية الاعتماد على الدليل من الكتاب والسنة في إثبات الصفات.
يتناول الرد على من يفتري على الله جل وعلا بصفات النقص والعيب، ويبين أن إثبات صفات الكمال لله جل وعلا يستلزم نفي ضدها وهو صفات النقص والعيب. يُوضح أن نفي الصفات يحتاج إلى دليل شرعي.
يؤكد على ضرورة نفي الصفات الناقصة عن الله تعالى وإثبات الصفات الكاملة له، مع التأكيد على عدم مماثلة صفاته لصفات المخلوقين. يُبرز أن الخالق والمخلوق مختلفان جوهريا.
يتضمن الدعاء للنبي محمد بالصلاة والسلام والبركة، ويوسع هذا الدعاء ليشمل آله وصحبه. يُظهر التقدير والاحترام للنبي وأتباعه.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ما بعد، فقد ذكرنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى في الضابط في باب الإثبات فيما يثبت لله جل وعلا. قلنا: الضابط في هذا أن يثبت لله جل وعلا ما أثبته لنفسه من صفات الكمال، وهكذا ما أثبته له رسوله عليه الصلاة والسلام، على وجه لا نقص فيه بأي حال من الأحوال. وتقدم معنا أنه لا يصح أن يجعل الضابط في إثبات ما يثبت لله جل وعلا هو الإثبات بلا تمثيل فقط، بل كما تقدم: الإثبات على وجه لا نقص فيه بأي حال من الأحوال. لأنه كما تقدم معنا أن هناك من يثبت لله جل وعلا الصفات، ثم يقول: أثبتها بلا تمثيل على ضابطكم، وأنا ما خرجت عن هذا الضابط. فبماذا يرد عليه؟ يرد عليه بأن ما أثبت الله جل وعلا صفة نقص، والله جل وعلا لا يثبت له إلا صفات الكمال التي لا نقص فيها بأي حال من الأحوال، كما دل على ذلك الشرع: الكتاب والسنة، كما دل على ذلك أيضا العقل. كما تقدم معنا أنه يثبت الحزن والبكاء والجوع والعطش، يعني هذا المفتري، ثم يقول: أثبتها من غير تمثيل. فإذا قال هذا، يقول: أثبتها، أي أن الله يحزن لحزن العباد، ويبكي لبكائهم، ويجوع لجوعهم، ويعطش لعطشهم، وهكذا يأكل لأكلهم، كما أنه يفرح -أنتم تقولون- يفرح لفرح المخلوقين، ويضحك لضحك المخلوقين، ويتكلم لكلام المخلوقين. فأنا هكذا أقول أيضا: يحزن لحزن العباد، ويجوع لجوع العباد، ويعطش لعطش العباد. أمشي معكم، وأسير على هذا الضابط: إثبات بلا تمثيل. فكيف تنكرون علي وأنتم أيضا تسيرون على هذا؟ بل كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى: أنه ربما أثبت أعظم من هذا، وافترى على الله جل وعلا بأعظم من هذا الافتراء. لو قال: لو قال كذلك لله كبد لا ككبد العباد، ولله أمعاء لا كأمعاء العباد، وهكذا. ربما يقول بعد ذلك: شرايين، ويقول كذلك: رئة، ويقول كذلك: قلب، ويقول كذا وكذا من الأعضاء. فيقول: أثبت ذلك مع عدم التمثيل. ما دام أن الضابط في باب الإثبات أن يثبت لله جل وعلا بغير تمثيل، فأنا أثبت هذا من غير تمثيل. فلا يستطيع -نعم- من قيل له هذا أن يرد كلام هؤلاء المفترين إذا لم يعرف الضابط الذي به ينضبط ما يصح لله جل وعلا أن يثبت، وما يصح أن ينفى. وهو كما تقدم قال رحمه الله. ثم يقول المفتري لمن نفى ذلك وأثبت الفرح والضحك والكلام والوجه واليدين: أي فرق بين ما نفيت وما أثبت؟ أنت الآن نفيت، وأنا أثبت. فما الفرق في هذا؟ لماذا نفيت هذه الأمور التي أنا أثبتها من الحزن والبكاء والجوع والعطش؟ لماذا تنفيها وأنت قد أثبت الفرح والضحك -نعم- والكلام وغير ذلك من هذه الصفات؟ أي الفرق بين ما نفيت وبين ما أثبت؟ أنا إذا جعلت مجرد نفي التشبيه كافيا في الإثبات، فأنا لم أخرج عن هذا الضابط. فإني أثبت ذلك بدون تشبيه، أي مثلك. فأي فرق بيني وبينك؟ فيقول النافي -يعني لهذه الصفات: صفات النقص والعيب التي أثبتها هذا المفتري من الحزن والبكاء والجوع والعطش والأعضاء وغير ذلك- يقول له: الفرق هو السمع، أي الدليل من الكتاب والسنة. فأنا الذي أثبته من الصفات دل عليه الدليل السمعي، يعني من الكتاب والسنة. فأنا أثبت الفرح لأنه ثبت في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأثبت الضحك لأنه ثبت في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأثبت الكلام لأنه ثبت في الكتاب والسنة، وهكذا. لكن أنت أثبت بغير دليل، أثبت الجوع وأثبت العطش والحزن والبكاء -نعم- بغير دليل. ما هو دليلك على هذا؟ أن الذي أثبته بدليل من الكتاب والسنة، وأنت أثبت بغير دليل. فماذا يقول هذا المفتري؟ قال: قال المفتري: السمع خبر، والخبر دليل على المخبر عنه، والدليل لا ينعكس، فلا يلزم من عدمه عدم المدلول عليه. لأنه قد يثبت بدليل آخر، قد يثبت بدليل آخر. فما لم يرد به السمع يجوز أن يكون ثابتا في نفس الأمر، وإن لم يرد به السمع. ومن المعلوم أن السمع لم يرد بنفي كل هذه الأمور بأسمائها الخاصة. فلم يرد بنفي الحزن والبكاء والجوع والعطش، ونفي الكبد والمعدة والأمعاء. وإذا لم يرد بنفيها جاز أن تكون ثابتة في نفس الأمر. فلا يجوز نفيها بلا دليل. وبهذا ينقطع النافي لهذه الصفات حيث اعتمد فيما ينفيه على مجرد نفي التشبيه. ويعلم أنه لا يصح الاعتماد عليها، وإنما الاعتماد على ما دل عليه السمع والعقل من وصف الله تعالى بصفات الكمال على وجه لا نقص فيه. يعني إذا قال هذا الذي نفى صفات النقص والعيد التي أثبت هذا المفتري لله جل وعلا، ويقول: أثبتها بغير تمثيل. قاله هذا: أنت أثبت شيئا بغير دليل، وأنا الذي أثبت بدليل. فكيف تثبت هذا؟ يقول المفتري: نعم الدليل خبر، والدليل خبر، ولا يلزم من عدم الخبر عدم وقوع هذا. لأن الخبر لم يأت بنفي هذه الأمور على التفصيل. فهل جاء في كتاب الله جل وعلا نفي الحزن؟ هل جاء في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام نفي كذلك العطش؟ هل جاء في الكتاب والسنة نفي الكبد؟ هل جاء في الكتاب والسنة نفي الأمعاء؟ هل جاء في الكتاب والسنة نفي كذا وكذا مما أثبته؟ فماذا سيقول هذا النافي؟ يقول: لا، ما جاء نفي ذلك. يقول: خلاص، إذن الكتاب والسنة ما جاء بنفي كل شيء -نعم- جاء بإثبات أمور، جاء بإثبات أمور وأنها ثابتة لله سبحانه وتعالى -نعم- وأنا أثبت هذا أيضا، وإن لم تثبت في الكتاب والسنة، لكن لم يأت في الكتاب والسنة نفيها تفصيلا. فإذا قد تكون ثابتة، قد تكون ماذا؟ ثابتة. ويتصف الرب سبحانه وتعالى بها، بدليل أنه لم يرد الشرع بنفيها. ما جاء في الكتاب والسنة نفي هذه الأمور. لأن الشرع لم يثبت كل شيء، لأن الشرع: الكتاب والسنة لم يثبت كل شيء ثابت لله. الشرع: الكتاب والسنة لم يأت بكل شيء ثبت لله، وإنما ذكر أشياء ثبتت. فلا يستبعد كذلك أن تكون هذه الأشياء ثبتت، وإن لم يأت الشرع بإثباتها، ما دام أن الشرع لم ينفيها. هكذا يقول: ما دام الشرع لم ينفي هذه الأشياء، والشرع لم يثبت كل شيء ثابت لله سبحانه وتعالى، وإنما أثبت أشياء وأنها ثابت لله جل وعلا في الكتاب والسنة. هل معنى أن ما جاء في الكتاب والسنة وثبت لله جل وعلا، وكذلك في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام وأنه ثبت لله جل وعلا، غيره لم يثبت؟ فقد تثبت هذه الأشياء ما دام أن الشرع لم ينفيها. ما دام أن الشرع لم ينفيها. فدليل الخبر الذي جاء في الكتاب والسنة على إثبات أمور لا يمنع من إثبات غيرها، ما دام أن الشرع لم يرد بنفيها. هكذا يقول. فهنا ما يستطيع النافي لصفات النقص والعيب الرد على هذا المفتري، وعلى كل مفتري سيرجع يقول له: يا أخي، أنت تثبت أشياء لم تثبت في الكتاب والسنة. يقول: هب أني لم أثبت أشياء في الكتاب والسنة، وهل كل في الكتاب؟ هل الكتاب والسنة قد جاء بإثبات كل شيء؟ ما دام أن الشرع لم ينفيها قد تكون ثابتة في نفس الأمر، وإن لم يأتي الشرع بإثباتها، ما دام أن الشرع لم يرد بنفيها. فهنا يحصل لهذا المفتري شيء من التقول على الله جل وعلا، ومن الشبهة التي لا يستطيع النافي لصفات النقص والعيب ردها وإفحام هذا المفتري بضابط قوي. ولذلك قال هنا المؤلف رحمه الله تعالى: قال على لسان المفتري: وإذا لم يرد بنفيها جاز أن تكون ثابتة في نفس الأمر، فلا يجوز نفيها بلا دليل. كيف أنت الآن تنفي الحزن والبكاء والجوع والعطش؟ ما هو دليلك؟ ما هو دليلك كونها أنها غير ثابتة؟ ما جاء إثباته بالكتاب والسنة؟ فالكتاب والسنة لمثبت كل شيء. وهذه لم تنفى، إذن لماذا تنفيها أنت؟ ما دليلك على نفيها؟ كونها أنها غير ثابتة. ما جاء إثباتها بالكتاب والسنة. فالكتاب والسنة لم يأت بإثبات كل شيء. وهذه لم تنفى. إذن لماذا تنفيها أنت؟ ما دليلك عليها؟ أنت تقول: ما ثبتت. يقول لك المفتري: لكن ما نفيت. تقول أنت: ما ثبتت. ويقول لك: ولكن لم تنفى. لم تنفى، لم ينفى الحزن والبكاء والجوع والعطش. كيف نفيت؟ ما دليلك أنت عليها؟ أنا ما عندي دليل على إثباتها. أنت تقول: أثبت هذه الأشياء، ولا دليل عندي. طيب وأنت ما دليلك عليها؟ ما هو دليلك عليها؟ هل عندك دليل عليها؟ فينقطع هنا النافي للصفات: صفات النقص والعيب. وبهذا ينقطع النافي لهذه الصفات. لماذا؟ قال: حيث اعتمد فيما ينفيه على مجرد نفي التشبيه. وبهذا يعلم أن الاعتماد فيما يثبت لله جل وعلا على مجرد نفي التمثيل لا يصح، ولا تندفع به أقوال المفترين الذين قد يثبتون أمورا لم تثبت -نعم- بدون تمثيل. وإذا أنكر عليهم قالوا: نعم، لا دليل لنا على إثباتها، لكن أين دليلكم على نفيها؟ لكن إذا كان النافي لصفات النقص والعيب عنده الضابط في باب الإثبات، وأنه لا يثبت لله جل وعلا إلا ما أثبته الله لنفسه، وأثبته له رسوله عليه الصلاة والسلام. أولا: هذا دليل السمع، وهو الكتاب والسنة. ثانيا: دليل العقل. يلحق بهذا الكلام فيقول: على وجه لا نقص فيه بأي حال من الأحوال. على وجه لا نقص فيه بأي حال من الأحوال. من أين أتى بهذا؟ أتى بهذا من النص والعقل. دل عليه. لأن الذي له صفات الكمال -نعم- لا يلحقه نقص ولا عيب. فكل نقص وعيب ينزّه عنه الذي اتصف بالمثل الأعلى، وهو الوصف الأعلى. لازم هذا أن يكون قد تنزه عن كل نقص وعيب. فهذا دليله: شرعي وعقلي. أما دليل الشرعي: ولله المثل الأعلى. والذي له المثل الأعلى معناه: الوصف الأكمل الذي لا يعتريه نقص ولا عيب. والحزن والبكاء والعطش والجوع -نعم- والأمعاء والكبد، هذه صفات نقص وعيب. لأنها تستلزم الحاجة، والذي له المثل الأعلى غني عن غيره، بل هو الصمد سبحانه وتعالى. والصمد كما فسره ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: الذي لا جوف له. الصمد الذي لا جوف له. في تفسير آخر: هو الذي كمل في سؤدده، والذي كمل في حلمه، والذي كمل في غناه. والحليم الذي كمل في حلمه، والغني الذي كمل في غناه. ولذلك يقال للملائكة: صمد. يقال للملائكة: صمد. لأنها لا أجواف لها، لأنها لا تحتاج إلى الأكل والشراب. والله جل جلاله على الصمد. قد فسره ابن عباس: لأنه الذي لا جوف له. لأنه سبحانه وتعالى غني عن الطعام والشراب. لأنه سبحانه وتعالى الغني الذي كمل في غناه -سبحانه وتعالى- والذي الناس فقراء إليه جل وعلا. فإذا كل صفة نقص وعيب تنفى عن الله جل وعلا. وكل صفة نقص تستدعي الحاجة، فالله سبحانه وتعالى منزه عنها. لأنه جل وعلا الغني، وعباده هم المحتاجون إليه جل وعلا، ولا يستغنون عن حاجته جل وعلا طرفة عين. ولذلك كان الضابط الصحيح كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى: أن يثبت ما أثبت الله في الكتاب والسنة من صفات الكمال على وجه لا نقص فيه بأي حال من الأحوال. ولذلك قال رحمه الله تعالى: وإنما الاعتماد على ما دل عليه السمع والعقل من وصف الله تعالى بصفات الكمال على وجه لا نقص فيه. وعلى هذا فكل ما ينافي صفات الكمال الثابت لله فالله منزه عنه. لأن ثبوت أحد الضدين نفي للآخر. ولما يستلزمه ثبت عندنا أن الله جل وعلا له المثل الأعلى، وهو الوصف الأعلى -نعم- ما ضد هذا؟ ضد هذا: صفات النقص والعيب، صفات الحاجة -نعم- فإذا ثبت الكمال لله جل وعلا، انتفى ضده. إذا ثبت الكمال لله جل وعلا انتفى ضد ذلك الكمال، وهو ما يستلزم النقص في حق الله سبحانه وتعالى. فهو منزه عنه. لماذا؟ لأنه ضد الكمال. فثبت لله الكمال، لزم من هذا أن ينفى عن الله جل وعلا ما ينافي الكمال. لزم أن ينفى عن الله جل وعلا ما ينافي الكمال. فكل ما ينافي كمال صفاته سبحانه وتعالى يجب أن ينفى عن الله جل وعلا. لأنه ضد لهذا الوصف الذي هو المثل الأعلى الذي ثبت لله سبحانه وتعالى. قالوا: بهذا يمكن دفع ما أثبته هذا المفتري لله تعالى من صفات النقص. فيقال: الحزن والبكاء والجوع والعطش صفات نقص منافية لكماله، فتكون منتفية عن الله. ويقال أيضا: الأكل والشرب مستلزم للحاجة، والحاجة نقص، وما استلزم النقص فهو نقص. وما استلزم النقص فهو نقص. ويقال أيضا: الكبد والمعدة والأمعاء آلات الأكل والشراب، والمنزه عن الأكل والشراب منزه عن آلات ذلك. وكما سمعتم: الله سبحانه وتعالى هو الصمد، وهو من معاني -كما فسر ابن عباس- هو الذي كمل في سؤدده، وكمل في غناه، وهو صمد سبحانه وتعالى. لأن الخلائق تصمد إليه، لأن الخلائق بحاجة إلى خالقها جل وعلا. وأما الرب سبحانه وتعالى فهو الغني. يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله، والله هو الغني الحميد. فلذلك كان من أسماء الله جل وعلا: الصمد، التي تصمد إليه الخلائق وتحتاج إليه، وهو سبحانه وتعالى منزه عن كل حاجة، بل هو سبحانه وتعالى الغني. فكل ما سواه مفتقر إليه جل وعلا، وهو سبحانه وتعالى غني عن كل ما سواه. فهو الغني عن كل ما سواه، وما سواه مفتقر إليه جل وعلا، لا يستغني عن ربه طرفة عين. قالوا: أما الفرح والضحك والغضب ونحوه في صفات كمال لا نقص فيها، فلا تنتفي عنه. لكنها لا تماثل ما يتصف به المخلوق منها. فإنه سبحانه لا كفؤ له، ولا سمية، ولا مثل له. فلا يجوز أن تكون حقيقة ذاته كحقيقة شيء من ذوات المخلوقين، ولا حقيقة شيء من صفاته كحقيقة شيء من صفات المخلوقين. لأنه ليس من جنس المخلوقات: لا الملائكة، ولا الآدميين، ولا السماوات، ولا الكواكب، ولا الهواء، ولا الأرض، وغير ذلك. بل يعلم أن حقيقته على مماثلة شيء من الموجودات أبعد من سائر الحقائق. لأن الحقيقتين إذا تماثلتا جاز على الواحدة ما يجوز على الأخرى، ووجب لها ما يجب للأخرى، وامتنع عليها ما يمتنع على الأخرى. فيلزم أن يجوز على الخالق: الواجب بنفسه ما يجوز على المخلوق المحدث، وأن يثبت لهذا المخلوق ما يثبت للخالق. فيكون الشيء الواحد واجبا بنفسه، غير واجب بنفسه: موجودا، معدوما. ولعل الصواب -الله أعلم- ينظر فيه النسخ، لعله الواحد. حل عنده نسخة أخرى: ما هو عندك؟ الواحد. الواحد -نعم- هذا الصواب. من عنده هذه الطبعة يصوب، وهو الصواب. ليس الواجد. لا يستقيم المعنى. لكن يقال: فيكون الشيء الواحد واجب بنفسه، غير واجب بنفسه: موجودا، معدوما. وهذا جمع بين النقيضين. خلاصة هذا الكلام الذي ذكره هنا المؤلف رحمه الله تعالى في الرد على المفتري: أن هذه الصفات: صفة الضحك والفرح والكلام التي ثبتت في كتاب الله، في سنة رسوله عليه الصلاة والسلام ثبت في كتاب الله، أو سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. صفات تليق بالله جل وعلا، لا نقص فيها بوجه من الوجوه. لكنها لا تماثل صفات المخلوقين، لاختلاف الخالق عن المخلوق. فالله هو الخالق، والمخلوق هو مخلوق. فالكلام في الذات كالكلام في الصفات. الله جل وعلا له ذات ليست كذات المخلوقين، وهكذا له الصفات ليست كصفات المخلوقين. فصفات الخالق تليق بالخالق، والصفات المخلوق تليق بالمخلوق. والله جل وعلا لا مثيل له، ولا كفؤ له، ولا سمية له. فكيف تكون حقيقة ذات الرب جل وعلا كحقيقة ذات المخلوقين؟ وكيف تكون حقيقة صفات الخالق كصفات حقيقة المخلوقين؟ بل الخالق جل وعلا ليس من جنس المخلوقات. فهذه مخلوقات: من الملائكة والآدميين والسماوات والكواكب، هذه مخلوقات، وهذه عوالم. والله جل وعلا عالم سبحانه وتعالى. فالخالق غير المخلوق، وهكذا العوالم تختلف. إذا رأينا في العوالم: عالم الطير، وعالم الدواب، وعالم الأسماك، وعالم البحار، وعالم كذا وكذا وكذا. هذه عوالم تختلف فيما بينها، وكلها مخلوقات، وكلها مخلوقات. فاختلفت ما بينها. فكيف بين الخالق والمخلوقين؟ فحقيقة عدم مماثلة صفات المخلوقين لصفات الخالق هي من أبعد سائر الحقائق. كما أن صفات عالم الحيوان تختلف عن صفات عالم الأسماك، وعن صفات عالم النبات، وعن صفات كذلك عالم الإنسان، وعالم البشر، وعالم الملائكة، وعالم الهواء، وعالم السماء. فأبعد من هذا مماثلة صفات المخلوقين للخالق. بل هذا أبعد من سائر الحقائق. فإذا كان مماثلة عالم الحيوان لعالم الجماد حقيقة بعيدة، ومماثلة عالم البحار لعالم السماوات هذه حقيقة بعيدة. فأبعد منها حقيقة مماثلة صفات المخلوقين لصفات الخالق. لأن الله جل جلاله الخالق، وغيره مخلوق. وإذا جاز أن تتفق الحقيقتان لذاتما أن يكون الشيء الواحد واجبا بنفسه، وغير واجب بنفسه: خالقا، مخلوقا، حادثا، محدثا. وهذا جمع بين النقيضين، لا يمكن. إذا صارت صفات المخلوقين كصفات الخالق، فمعنى هذا أن الخالق كالمخلوق. إذن يجوز إذا كان هكذا أن يقال: الله جل وعلا خالقا، مخلوقا، حادثا، محدثا، واجب الوجود، غير واجب الوجود -نعم- موجودا، غير موجود. أولا، غير أول. آخر، غير آخر. ما دام أن حقيقة المخلوق كحقيقة الخالق. وهذا جمع بين النقيضين، وهو ممتنع، ومستحيل. أن يكون الخالق كالمخلوق جل وعلا. لأن المخلوق مخلوق، والخالق خالق. فالخالق هو جل وعلا الأول، والمخلوق مبدوء، مسبوك، ليس هو أول. والخالق هو الآخر، والمخلوق ليس هو آخر. إنما ينتهي لحد. وهكذا الخالق هو جل وعلا المحدث، وأما المخلوق فهو محدث. والله جل وعلا هو واجب الوجود، كما يعبر بذلك أهل الكلام، ويجعلونه لله جل وعلا وحده. والمخلوق جائز الوجود، ليس واجب الوجود. لأنه قد كان عدما، أوجده الله سبحانه وتعالى. وبهذا يتبين لنا أن من جعل حقيقة صفات المخلوقين كحقيقة صفات الخالق، فقد جعل الخالق كالمخلوق، وقد جمع بين النقيضين، وهو ممتنع، بل مستحيل. وهذا رد عليهم بالشرع، وبما كذلك يسيرون عليه من هذه المصطلحات العقلية التي يقتنعون بها. والمؤلف رحمه الله تعالى يمشي معهم، ويتنزل، ويرد عليهم بالشرع، ويمصطلح عليه من كلامهم، زيادة في إقامة الحجة عليهم. وصلى الله وسلم وبارك على عالمين محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.