الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 41، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
تقرر القاعدة الثالثة أن ظاهر النصوص يُفهم بالقرائن والسياق لا بمعزل عنها، وعند إضافتها لله تُثبت على ما يليق بجلاله بعيداً عن التحريف والتعطيل. ويجب الأخذ بالنص كاملاً مع مراعاة قرائنه مجتمعة.
يجب إجراء نصوص القرآن على ظاهرها اللغوي العربي المبين ما لم يصرفها دليل شرعي قاطع، وينتقد صرف نصوص الصفات بحجج عقلية زاعمة التمثيل. فالنصوص تفسر بعضها بعضاً والقرآن نزل ليفهم ويعقل.
يوحي ظاهر آية الاستعاذة بتأخيرها بعد القراءة، لكن السنة النبوية دلت على تقديمها قبلها، مما يؤكد أن صرف الظاهر لا يكون بالعقل بل بدليل شرعي ثابت. وهذا التطبيق العملي يبين قاعدة تقديم الدليل الشرعي على مجرد الظاهر اللفظي.
يناقش المقطع عدم إرادة المعنى الظاهري في آية الاستعاذة، مستدلاً بفعل النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يستعيذ قبل القراءة. فيدل فعله العملي على صرف النص عن ظاهره بدليل شرعي عملي قاطع.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد فقد كان الكلام في الدرس الماضي عند الفصل الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى وهو القاعدة الثالثة في إجراء النصوص على ظاهرها. وهذا الفصل وهذه القاعدة ذكر المؤلف رحمه الله تعالى فيها أن ظاهر النصوص ما يتبادر منها من المعاني بحسب ما تضاف إليه وما يحتف بها من القرائن، هذا هو ظاهر النصوص، ظاهر النصوص ما يتبادر منها من المعاني بحسب ما تضاف إليه لا بما يفهم منها من غير إضافة؛ لأن تختلف قبل الإضافة في معناها وبعد إضافتها، فقبل الإضافة تشترك في المعنى الكلي المشترك، وبعد الإضافة يكون المعنى على ما يليق، يثبت المعنى يثبت المعنى على ما دل عليه ذلك اللفظ وذلك النص على ما يليق بالله جل وعلا، يثبت على مقتضى لغة العرب ولكن يقال على ما يليق بالله بأن هذا اللفظ الذي فيه هذه النصوص أضيف إلى الله جل وعلا وما يحتف بها من القرائن، يعني أن يؤخذ النص بكامله لأن اللفظ والنص قد يكون فيه قرائن وهذه القرائن تدل على أن المعنى المراد كذا، فلابد من الأخذ بهذه القرائن التي احتفت بهذا النص لأن اللفظ العام لابد أن يؤخذ بعمومه، يؤخذ بعمومه فيفهم على ما جاء فيه بكامله، فمن الألفاظ العامة ما جاء فيها قرائن تدل على أن المراد بهكذا فتثبت على ما جاء في اللفظ بكامله وبمراعاة تلك القرائن التي تدل على هذا المعنى. وذكر رحمه الله تعالى بعض النصوص في كتاب الله الدالة على هذا الأصل العظيم وهو إجراء النصوص على ظاهرها وأن تفهم على المعنى الصحيح وعلى ما يتبادر من ظاهرها بغير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل؛ لأن هذا ليس هو الظاهر المراد منها وليس هو هذا المتبادر من هذه النصوص إذا فهمت على حقيقتها وحقيقتها وفهمت على المعنى الذي دل عليه النص حين أضيف إلى ذلك الموصوف به فإنه لا يفهم منه إلا المعنى الذي يليق به هذا النص على ما دل عليه وعلى من أضيف إليه. ذكر قول الله عز وجل: ﴿ وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ ﴾ [الشعراء: 192-195]، إذن هو بلسان عربي فيفهم بلسان العربي، ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [الزخرف: 3]، ولذلك ﴿ اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ﴾ [الأعراف: 3]، والواجب اتباع ما أنزل من الله جل وعلا وإثباته على مقتضى ذلك اللسان الذي أنزل به وهو اللسان العربي، والرسول كذلك عليه الصلاة والسلام عربي وخاطب الناس بلسان عربي، لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين. فقال رحمه الله تعالى: فإذا كان الله تعالى أنزله باللسان العربي من أجل عقله وفهمه وأمرنا باتباعه وجب علينا إجراؤه على ظاهره بمقتضى ذلك اللسان العربي إلا أن تمنع منه حقيقة شرعية، إذا دلت حقيقة شرعية على أن الظاهر ليس ذلك الظاهر الذي تبادر وأن المراد ليس ذلك الظاهر، لكن ما الذي جعلنا نعلم ونفهم أن هذا الظاهر ليس مراد الذي دلنا على ذلك؟ حقيقة شرعية ليست حقيقة عقلية، هؤلاء أهل التعطيل، نعم عطلوا نصوص الصفات وقالوا: هذه النصوص نعم ليس المراد منها ظاهرها وإنما المراد كذا، ما الذي جعلهم يصرفون تلك النصوص عن ظاهرها التي دلت عليه وأن هذا الظاهر ليس مراد؟ حقائق عقلية بعقولهم، بعقولهم ردوا هذه النصوص فقالوا: ليس المراد أن لله وجها وليس له يدان وليس له كذا وليس له كذا، لماذا قلتم ليس المراد كذا وليس الظاهر هذا مراد؟ من الذي جعلكم تقولون ذلك؟ عقولهم، قالوا: إذا أثبتناها يلزم من ذلك التمثيل. لكن قال المؤلف هنا: إذا دلت حقيقة شرعية أن هذا الظاهر غير مراد فنعم، لأن النصوص تفسر بعضها بعضا، فمثلا يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾ [النحل: 98]، طيب الآن ما هو ظاهر هذا اللفظ؟ ظاهر هذا اللفظ أنك إذا قرأت القرآن تستعيذ بالله، طيب كيف يعني تقول ذلك؟ ﴿ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ﴾ [البقرة: 2-3]، وتقرأ وتقرأ وبعد ذلك تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إذا أردت أن تنتهي من هذه القراءة تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لماذا؟ لأن ظاهر اللفظ: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾، إذا قرأت القرآن وأكملت قراءة القرآن تستعيذ، هذا هو ظاهر اللفظ، نعم لكن هل هذا هو صحيح؟ هل هذا الظاهر مراد أو غير مراد؟ نقول: هذا الظاهر غير مراد، لكن لما قلنا هذا الظاهر غير مراد هل بعقولنا؟ كما صرف أهل التعطيل أن هذه النصوص بعقولهم؟ لا، وإنما قلنا هذا الظاهر غير مراد لحقيقة شرعية، حقيقة شرعية، حقيقة شرعية دلت على أن هذا الظاهر غير مراد، ما هي الحقيقة الشرعية؟ الحقيقة الشرعية فعل النبي عليه الصلاة والسلام. ما كان نبي عليه الصلاة والسلام يقرأ القرآن، فإذا ماذا يكون معنى هذا القول: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾؟ يعني إذا أردت، إذا أردت أن تقرأ القرآن تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وخلافا لما ذهب إليه الظاهرية، فإن الظاهرية عندهم استعاذة بعد قراءة القرآن، إذا قرأت القرآن تستعيذ بعد ذلك، هذا خلاف ما ثبت عن نبي عليه الصلاة والسلام، وإنما القراءة والاستعاذة من الشيطان تكون قبل القراءة لا بعد القراءة، فإذا هذا مثال، مثال لما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى ولما أراد أن هناك في كتاب الله جل وعلا من النصوص ظاهرها يقال غير مراد، لكن إذا قيل ظاهرها غير مراد لابد أن يكون بدليل شرعي وحقيقة شرعية، لا تقول: هذه النصوص ظاهرها غير مراد، إذا قلنا لك: لماذا غير مراد ظاهرها؟ ما عندك دليل إنما عقلك، كما فعلها المعطلون من المعتزلة والأشاعرة والجهمية وغيرهم، نعم لكن إذا قلت: ظاهر النص غير مراد، فلابد أن تأتي بدليل وحقيقة شرعية تدل على أن هذا الظاهر غير مراد، مثل هذا المثال: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾، ظاهر اللفظ أنك تقرأ القرآن أولا ثم تستعيذ بالله، لكن نقول: لا، هذا الظاهر غير مراد، لكن عندنا دليل قلنا لأجله إن هذا الظاهر غير مراد، ودليل شرعي وهو فعله عليه الصلاة والسلام أنه كان يستعيذ بالله من