شرح القصيدة الهائية 4

الدرس في شرح القصيدة الهائية 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

التحذير من الاغترار بالدنيا

يتناول الناظم والشارح أهمية التحذير من الاغترار بالدنيا وضرورة اعتبارها دار ممر لا دار مقر، مستشهدين بوصايا النبي وأقوال الصحابة.

اغتنام الفرص للعمل الصالح

يجب على المسلم اغتنام فرص الشباب والصحة والغنى والفراغ في طاعة الله قبل زوالها، مسترشدًا بوصية النبي باغتنام خمس قبل خمس.

التركيز على الآخرة

يجب على المسلم جعل الآخرة أكبر همه والسعي لطلبها مع الحذر من الاغترار بالدنيا، مستندًا لتحذيرات النبي وأهل العلم.

الدعاء والصلاة على النبي

يختتم الدرس بدعاء بأن يجعلنا الله من عباده الصالحين المتقين ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال الناظم الشيخ العلامة حافظ الحكمي رحمه الله تعالى في منظومته الهائية: «فيا طالب الدنيا الدنيئة جاهدا، ألاطلب سواها إنها لا وفاء لها، فكم قد رأينا من حريص ومشفق عليها، فلم يظفر بها أينا لها». قال الشارح زيد المدخل حفظه الله تعالى: في هذين البيتين وصية ثمينة ونصيحة غالية لكل مسلم ومسلمة؛ لئلا يغتروا بالدنيا الحقيرة الفانية، ويؤثروها على الآخرة الباقية. فإن الدنيا غرور ومتاع قليل، ودار ممر ومعبر، قد ملئت بالأحزان والمصائب والآلام. فما أضحكت إلا وأبكت، ولا أفرحت إلا وأحزنت. نهايتها ضعف وشيبة، وآخر شبابها هرم وسقم، وعقب حياتها مرض وهلاك. فالزائل زائل، وجميع ما فيها عارية مستردة. وما المال والأهلون إلا ودائع، ولا بد يوما أن ترد الودائع. فيا أخي المسلم، إن دارا هذا واقعها، وتلك أوصافها، يجب أن يكون العبد منها على حذر، ويعتبر نفسه فيها غريبا مسافرا. فقد وصى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبد الله بن عمر بقوله: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر السبيل». وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك». فيا لها من وصايا هادفة من نبي ناصح أمين، عزيز عليه ما عنتم، حريص عليكم، بالمؤمنين رؤوف رحيم. وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: «إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لسقمك، ومن حياتك لموتك». ثم رقب الشيخ رحمه الله في طلب الآخرة والسعي لها نصحا منه وتوجيها. فما أعظمه من نصح، وما أقومه من توجيه، استمدهما من قوله تعالى: ﴿ما على المحسنين من سبيل﴾ إذا نصحوا لله ورسوله. ومن قوله عليه الصلاة والسلام: «الدين النصيحة» ثلاثا. قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم». ولا شك أن الترغيب في الآخرة والعمل لها قد حث عليه القرآن الكريم. قال تعالى: ﴿من كان يريد العاجلة تعجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مدموما مدحورا، ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا﴾. وقال تعالى: ﴿من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه، ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب﴾. وقال تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم الدرجات العلا، جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى﴾. ذكر الناظم رحمه الله تعالى هذين البيتين، وفيهما التحذير من الاغترار بالدنيا والحذر من طلب الدنيا الدنيئة، وأن لا يجعل إنسان جهده في هذه الدنيا لطلبها. فإن الدنيا لا وفاء لها، وإنما على المسلم أن يطلب الآخرة ويجد ويجتهد لطلب الآخرة. فإن الشرع قد جاء بالأمر بطلب الآخرة والترغيب في تحصيلها، وذم طلب الدنيا والركون إليها. قد بين الشارح حفظه الله تعالى ورحمه أن في هذين البيتين وصية عظيمة من الناظم رحمه الله تعالى. وهذا هو شأن أهل العلم، شأن العلماء الراسخين الربانيين الصادقين. فإنهم من أعظم الناس نصحا لدين الله جل وعلا وللناس. فلذلك كانوا ينصحون الناس من عدم الاغترار بالدنيا، وينصحونهم للتشمير لطلب الآخرة. وهذه النصيحة نصيحة غالية ونصيحة ثمينة لكل مسلم ومسلمة. فالدنيا على المسلم أن يجعلها دار ممر لا دار مقر. فالنبي عليه الصلاة والسلام قد وصى في تلك الوصية العظيمة عبد الله بن عمر، وهي وصية للأمة كلها، كما جاء في البخاري، قال له عليه الصلاة والسلام بعد أن أخذ بمنكبيه: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». هكذا يجب على المسلم أن يكون في هذه الدنيا عابر سبيل، غريب في هذه الدنيا راحل منها. ولذلك كان ابن عمر يوصي، وهذا من وصايا الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، كان يوصي رضي الله تعالى عنهما: «إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من حياتك لموتك، ومن صحتك لسقمك». وصايا عظيمة. ومما نقل من وصايا المسيح عليه الصلاة والسلام أنه قال لقومه: «اعبروها ولا تعمروها، اعبروها ولا تعمروها». وقال أيضا لقومه: «من ذا الذي يبني على موج البحر دارا؟ من ذا الذي يبني على موج البحر دارا؟ تلكم الدنيا، فلا تتخذوها قرارا». فالدنيا إنما هي دار ممر ودار معبر إلى الآخرة. ولذلك كثرت الآيات وكثرت الأحاديث في ذمها، وفي بيان حقيقتها، والواجب على المسلم فيها، وما ينبغي أن يكون فيها على الحال. فهي كما تقدم متقلبة، وكما تقدم معنا، فإذا أضحكت قليلا أبكت كثيرا. وهي نهايتها هرم، ونهايتها ضعف وشيبة وسقم وغم. هكذا هي حال الدنيا. والدنيا بما فيها ودائع عند العبد، ولا بد أن ترد هذه الودائع إلى أهلها. فمن كان في هذه الدنيا على هذا الفهم لهذه الدنيا وعلى حقيقتها، فإنه سيحافظ على ما استودع فيها. فلن يجعل هذه الدنيا إلا في مرضات الله سبحانه وتعالى. ولذلك أوصى النبي عليه الصلاة والسلام باغتنام خمس قبل خمس: الشباب قبل الهرم، لأن الإنسان إذا كان في شبابه كان مستطيعا على فعل كثير من الطاعات. يستطيع لقوة أن يذهب إلى الحج، وأن يأتي لقوة بدنه، يستطيع أن يحفظ كثيرا من كتاب الله ومن حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام. يخرج في الدعوة إلى الله جل وعلا متنقلا في السهول والجبال؛ لأنه شباب عنده قوة الشباب. يأتي بما لا يستطيعه الكبار. وإذا كان في حال الهرم لا يستطيع أن يأتي بما كان عليه حال الشباب. فلا يقول القائل بعد ذلك: «ألا ليت الشباب يعود يوما». فلا ينفع ذلك. فالشباب عليهم أن يغتنموا هذه النعمة العظيمة، نعمة الشباب. كم أثنى كتاب الله جل وعلا على الشباب. فإبراهيم عليه الصلاة والسلام قام بتلك الدعوة العظيمة، وبذلك الجهد العظيم، كسر الأصنام غيرة لدين الله جل وعلا. وكان على هذا الحال كما قال الله جل وعلا عنه في كتابه الكريم: ﴿قالوا سمعنا فتى يقال له إبراهيم﴾. فتى، فهو شباب على قوة وعلى جهاد عظيم. فالشباب مرحلة عظيمة يتأتى معها الكثير من الدعوة إلى الله جل وعلا والقيام بعباد الله جل وعلا. الشباب المجاهد في سبيل الله ليس ككبير السن. فالشباب نعمة عظيمة يجب أن تستغل في طاعة الله جل وعلا قبل الهرم. وهكذا الصحة قبل السقم. وهكذا كذلك الغنى قبل الفقر. الإنسان عنده مال يستطيع أن يتصدق، يستطيع أن يبذل هذا المال في طاعة الله جل وعلا وفيما يقربه لله سبحانه وتعالى. غدا لا يكون عنده مال، فيستغل وقت الغنى فيبذل الأموال في طاعة الله جل وعلا، لا فيما لا ينفع. لا يبذل المال والعياذ بالله في محاربة دين الله، ولا في العون على انتشار الفساد والمعاصي والذنوب. فهذا يكون عليه المال حسر وندام يوم القيامة، وسيسأل عن هذا المال. وهكذا كذلك يستغل الفراغ قبل شغله. فهذه وصايا عظيمة من نبينا صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن ربنا قد جل وعلا قد وصفه بالأوصاف العظيمة: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾. فقد بلغ البلاغ المبين، ونصح النصحة المبين عليه الصلاة والسلام لأمته. وما ترك الدنيا إلا وبين الأمر بيانا واضحا، وترك الأمة على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. فيا عبد الله، أنت بين أمرين: إما أن تضار بالدنيا، وإما أن تضار بالآخرة. هذان الأمران لا ثالث لهما. فلابد للإنسان في هذه الدنيا أن يضر أن يضر بالدنيا أو أن يضر بالآخرة. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، والحديث صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من طلب الدنيا أضر بالآخرة، ومن طلب الآخرة أضر بالدنيا». قال عليه الصلاة والسلام: «فأضر بالفاني للباقي». يعني أضر بالدنيا للباقي، وهو الآخرة. فلا يضر الإنسان بآخرته على حساب دنياه لا، وإنما وإن تضرر في الدنيا وهو بحمد الله لن يتضرر ذلك الضرر الذي يعني يكون سببا في ضياعه لا. وإنما هذا ما دام أنه للآخرة، فالله جل وعلا لن يضيعه، وستأتيه الدنيا راغما. فلا تغتر يا عبد الله بهذه الدنيا، وإنما اسعى في طلب الآخرة. فقد جاءت النصوص الكثيرة في الترغيب في السعي في طلب الآخرة. واجب علينا عباد الله أن نتناصح في دين الله جل وعلا بطلب الآخرة. والله جل وعلا أمرنا بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر، وذلك عنوان السعادة في الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة». قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم». رواه مسلم من حديث أبي رقيه تميم الداري رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وربنا عز وجل أمرنا في كتابه الكريم بأن نجعل الآخرة أكبر همنا، وأن نسعى لطلبها. وذم من تعجل هذه الدنيا وأراد هذه العاجلة. قال تعالى: ﴿من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا، ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا﴾. وقال جل وعلا: ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوفي إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون، أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وبطل ما كانوا يعملون﴾. وهكذا في الآخرة: ﴿من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه، ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب﴾. ولا حديث في سنة نبينا عليه الصلاة والسلام كثيرة في ذم من جعل الدنيا أكبر همه. جاء في حديث زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه عند ابن ماجة، حسنه الألباني رحمه الله تعالى، قال عليه الصلاة والسلام: «من كانت الدنيا نيته فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له. ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأذا أتته الدنيا وهي راغمة». وقال النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث عبد الله بن مسعود عند ابن ماجة أيضا، صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى، قال عبد الله بن مسعود: «سمعت نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من جعل الهموم هما واحدا هما آخرته كفاه الله هموم دنياه. ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديته هلك». فمن تشعبت به الهموم في أحوال هذه الدنيا فإنه يهلك والعياذ بالله في أوديتها، ولا يبالي الله جل وعلا به. لكن من جعل هذه الهموم هما واحدا هما الآخرة، فإن الله جل وعلا يكفيه هذه الهموم، هموم الدنيا، هموم الزواج، هموم المعيشة، وغيرها من هموم الدنيا الكثيرة؛ لأنه جعل همه هم الآخرة. فوفقه الله سبحانه وتعالى لكل خير. فهذه الدنيا إنما هي فانية وزائلة. فكم من الناس من قضى وقته وقضى حياته في تعمير القصور وتعمير الدور، أو في انشغاله في مزرعته حتى ظن أنه قد حان وقت القطاف، قطاف الثمرة. سكن هذه القصور أو سكن هذه الدور. صار مقطوفا لا قاطفا. صار مقطوفا لا قاطفا. قطف ملك الموت روحه. أراد أن يقطف الدنيا، وأراد أن يقطف الثمر الذي ظن أنه سيقطفه الآن، والحال أن ملك الموت قطف روحه وأخذ روحه والعياذ بالله. وخرج من هذه الدنيا على خسارة عظيمة. كيف إذا كانوا العياذ بالله ممن وصل بهم الحال إلى الكفر بالله جل وعلا. الذين قال الله جل وعلا فيهم: ﴿ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق، ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد﴾. فالأعمال الصالحة تنفع العبد يوم يرحل من هذه الدنيا، تنفعه في قبره. فيأتيه عمل على هيئة رجل صالح. بخلاف من كان من الكافرين العياذ بالله، فهو في قبره على عذاب دائم غير منقطع. كما أخبر الله جل وعلا في آل فرعون: ﴿النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخل آل فرعون أشد العذاب﴾. فالله الله عباد الله في طلب الآخرة. والله الله من الحذر من الاغترار بالدنيا والعياذ بالله. فالإنسان يعرف حالة هذه الدنيا، والحكمة التي خلقه الله جل وعلا لأجلها في هذه الحياة الدنيا. فيعمر دنياه لآخرته، ويجعل الدنيا دار ممر، ويكون من أبناء الآخرة، لا يكون من أبناء الدنيا. كما قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في تلك النصيحة العظيمة: «إنما يخشى عليكم اثنتان: طول الأمل، واتباع الهوى. فأما طول الأمل فينسئ الآخرة، وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق. ألا وإن الدنيا قد ولت مدبرة، والآخرة مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون. فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا. فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل». نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن بصره بحق هذه الدنيا، وأن يجعلنا من المعمرين لها للآخرة، وأن يجعلنا من عباده الصالحين المتقين. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.