شرح القصيدة الهائية 3

الدرس في شرح القصيدة الهائية 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

دعاء الناظم والتحذير من الدنيا

دعا الناظم ربه أن يحول بينه وبين اغتيال الدنيا، موضحا أهمية طاعة النفس المطمئنة وخطورة اتباع النفس الأمارة بالسوء. يُظهر أهمية الدعاء واليقين بإجابة الله تعالى.

خطورة النفس الأمارة ووسائل النجاة

يجب على العبد أن يدعو ربه ليقيه شرور الدنيا ومكرها، مع الابتعاد عن النفس الأمارة بالسوء. الدعاء وإصلاح النفس من أسباب النجاة من اغتيال الدنيا ومكرها.

أسباب النجاة من فتنة الدنيا والثبات على الدين

يزكي العبد نفسه ويبتعد عن إيثار الدنيا على الآخرة، ومن أسباب النجاة امتثال واعظ الله وكثرة الأعمال الصالحة والدعاء لله بالنجاة. علمنا النبي صلى الله عليه وسلم دعاء عظيما للنجاة من الدنيا والثبات على الدين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، بعد. قال الناظم الشيخ العلامة حافظ الحكم رحمه الله تعالى في منظومته الهائية: «فأسأل ربي أن يحول بحوله وقوته بيني وبين اغتيالها». قال الشارح زيد المدخل حفظه الله: لما بين الشيخ رحمه الله تعالى موقفه من هذه الحياة، وضح للقراء الكرام حقيقتها كما نطق كتاب الله، رفع يديه متضرعا إلى الله وسائلا إياه بإلحاح أن يجعل بينه وبين شهوات الدنيا حاجزا منيعا وحصنا حصينا، لألا تتصلف عليه فتكون سببا قويا في هلاكه وشقائه. ذلك لأن العبد إذا طاع النفس الأمارة بالسوء الميالة إلى الهوى المحبة للشهوات، أوردته شر الموارد وأوقعته في مواطن المهلكات والدركات. وأما إذا طاع النفس الطيبة المطمئنة، أوصلته بفضل الله ورحمته إلى مصاف الصالحين في دار السعادة واليمن والبركات. قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾. لهذا وغيره، دع الشيخ ربه أن يقيه شرور الدنيا، فاستجاب الله دعاءه كما وعد في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. وقال تعالى مخاطبا نبيه الكريم: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾. وليعلم الداعي علم اليقين أن دعاءه مستجاب، فإما أن يعجل له المطلوب في الدنيا، وإما أن يصرف عنه به سوءا ومكروها، وإما أن يدخره له إلى يوم القيامة، حينما يكون في أشد الحاجة وأمسها إلى مضاعفة الحسنات تكفير السيئات، ما لم يكن ذلك الدعاء بمأثم أو بقطيعة رحم. وجدير بنا أن نرفع أيدينا قائلين: «اللهم أقسم لنا من خشيتك ما تحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تصلت علينا يا ربنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا، إنك سميع مجيب». هنا في قوله «واجعل ثأرنا» سقطت العين. ذكر الناظم رحمه الله تعالى في هذا البيت دعاءه لربه جل وعلا أن يحول بينه بقوته جل وعلا وحوله أن يحول بينه وبين اغتيال هذه الدنيا، فهو يدعو ربه سبحانه وتعالى أن يسلمه من اغتيال هذه الدنيا التي وصفت بالاغتيال والمكر والخديعة والغدر. ذكر الشارح رحمه الله تعالى في شرحه أن الشيخ رحمه الله بعد أن بين موقفه من هذه الحياة الدنيا، وضح حقيقة هذه الدنيا للقراء بما نطق به كتاب الله جل وعلا، مبينا حقيقة هذه الدنيا وهكذا سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، رفع يديه متضرعا إلى الله جل وعلا وسائلا إياه بإلحاح أن يجعل بينه وبين شهوات الدنيا حاجزا منيعا وحصنا حصينا، لأن لا تتصلف عليه هذه الدنيا فتكون سببا قويا في هلاكه وشقائه. ونستفيد من هذا أن على العبد أن يدعو ربه جل وعلا دائما، وأن يرفع يديه متضرعا لله سبحانه وتعالى بأن يقيه شرور هذه الدنيا ومكر هذه الدنيا، وأن يدعو ربه جل وعلا بأن يحول بحوله وقوته بينه وبين هذه الدنيا المكارة الغدارة. فما أحوج العباد إلى كثرة الدعاء وإلحاح فيه لربهم سبحانه وتعالى أن يسلمهم من غدر ومكر واغتيال هذه الدنيا، بأن العبد إذا غفل عن دعاء ربه جل وعلا، ركن لهذه الدنيا، فإن الدعاء من أعظم أسباب النجاة من اغتيال هذه الدنيا. أما إذا غفل عن دعاء ربه جل وعلا، فإن هذه الدنيا تتسلط عليه وتتملق قلبه وتسيطر على قلبه والعياذ بالله، فيكون صريعا بعد ذلك لهذه الدنيا، فتهلكه هذه الدنيا وتجعله شقيا فيها تعيسا والعياذ بالله. وهكذا من أسباب النجاة من اغتيال هذه الدنيا ومكرها وغدرها أن الإنسان ينتبه من النفس الأمارة بالسوء، فإن النفس الأمارة بالسوء تدعو صاحبها إلى السوء وإلى الوقوع في المحرمات. فإذا غفل الإنسان عن هذا واستجاب لأوامر هذه النفس الأمارة بالسوء الميالة إلى الهوى المحبة للشهوات، أوردته شر الموارد وأوقعته في مواطن المهلكات والدركات. وقد قال ربنا جل وعلا في كتابه الكريم على لسان امرأة العزيز: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. فالنفس على أنواع: نفس أمارة بالسوء، ونفس لوامة، ونفس مطمئنة. النفس اللوامة هي التي تلوم صاحبها إذا فعل شيئا يخالف شرع الله جل وعلا، وهي كذلك تذكره دائما إذا فعل فعلا أو قال قولا: هل هذا القول لله جل وعلا أو لغير الله؟ هل هذا الفعل لله جل وعلا أو لغير الله؟ فإذا استجاب العبد لهذه النفس اللوامة التي لومته، رجع إلى الله جل وعلا وتاب وأناب. وهكذا كذلك إذا استجاب للنفس المطمئنة، وهي النفس المطمئنة التي قال فيها ربنا عز وجل: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾. فالنفس المطمئنة إذا قادت صاحبها إلى الخير، فاستجاب صاحبها لها، وإن قادته لما تأمره بذلك، فإنه يسعد وينجو من اغتيال وفتنة هذه الدنيا. والنفس الأمارة بالسوء والعياذ بالله هي التي تأمر صاحبها بالسوء، فإذا أطاعها وصار يلبي رغبات هذه النفس الأمارة بالسوء، صار عبدا لها والعياذ بالله، وصار صريعا لها والعياذ بالله. قال ابن القيم: «هربوا من الرق الذي خلقوا له، فبلوا برق النفس والشيطان». هربوا من الرق الذي خلقوا له، وهو العبودية لله جل وعلا والطاعة لله سبحانه وتعالى، فبلوا برق هذه النفس الأمارة بالسوء والعياذ بالله، والشيطان الذي هو أعظم عون لهذه النفس الأمارة بالسوء التي تدعو صاحبها إلى الوقوع في محارم الله جل وعلا. فانتبه لنفسك يا عبد الله من هذه النفس الأمارة بالسوء، فإنك إذا أطعتها هلكت، وإذا أمسكت بزمامها وقدتها إلى الخير وأصلحتها، ألفت ذلك الخير وذلك الإصلاح، تنقاد معك بعد ذلك كالجمل الأنف الذي إذا قيد انقاد. وذكر الشارح رحمه الله تعالى أن من الناس من يؤثر هذه الحياة الدنيا على الآخرة، ويؤثر الفانية على الباقية، فهذا من أنواع الذين هلكوا في هذه الدنيا، وهؤلاء من أنواع الصرعى الذين صرعتهم هذه الدنيا واغتالتهم والعياذ بالله. والسبب أنهم ركنوا إليها والسبب أنهم آثروها والعياذ بالله، فكانت أكبر همهم، يمسون لأجلها ويصبحون لأجلها، وأمورهم كلها لأجلها وفي تحصيلها والعياذ بالله. وكذلك العبد عليه أن يزكي نفسه، فإن الناجي في هذه الدنيا من زكى نفسه، كما قال جل وعلا: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾. ومن أسباب النجاة من الدنيا واغتيالها أن يمتثل العبد واعظ الله جل وعلا الذي جعله في قلبه، فالله جل وعلا برحمته وفضله ومنته جعل في كل قلب مسلم واعظا يعظه بالخير، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث النواس بن سمعان رضي الله تعالى عنه، وهو في المسند لإمام أحمد، وهو في الصحيح المسند لشيخنا العلامة الوادعي رحمه الله تعالى. فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: «ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، وبجانب ذلك الصراط سوران، وفيهما أبواب مفتحة، وعليها ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داعي يدعو: أيها الناس، ادخلوا الصراط جميعا ولا تتفرجوا. وفي جوف الصراط داعي، فإذا أراد أحد أن يفتح شيئا من ذلك الأبواب، قال له: ويحك، لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه». ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فالصراط الإسلام، والسوران حدود الله تعالى، والأبواب محارم الله جل وعلا، والداعي على رأس الصراط كتاب الله جل وعلا، والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم». فأنت يا عبد الله جعل الله جل وعلا في قلبك واعظا يذكرك بالخير ويدعوك إلى الله جل وعلا، فمتى امتثلت لهذا الواعظ الذي جعله الله جل وعلا في قلبك، نجوت وفزت. وأما إذا لم تبالي بذلك وأعرضت عن نصح هذا الواعظ الذي هو أعظم واعظ لك، يعظك ويدعوك، فإنك تهلك والعياذ بالله وتشقى، وتنقض عليك هذه الدنيا بكل قوتها، فتكون رهينا لها حبيثا في سجنها والعياذ بالله. ولذلك النجاة النجاة بكثرة الأعمال الصالحة، بكثرة الدعاء لله جل وعلا بأن يسلم الرب جل وعلا عبده من هذه الدنيا. ولذلك ختم الشارح رحمه الله تعالى شرحه بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم هذا الدعاء العظيم الذي قد ثبت عند الترمذي من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، وقل ما كان رسول الله عليه الصلاة والسلام يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الدعوات، مما يدل على عظيم هذا الدعاء وما تضمنه هذا الدعاء: دعاء الرب جل وعلا أن يسلم عبده من هذه الدنيا. كما قال عليه الصلاة والسلام: «اللهم أقسم لنا من خشيتك ما تحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، أمتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تصلت علينا يا ربنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا، إنك سميع مجيب». فحري بنا وجدير بنا أن نكرر هذا الدعاء العظيم في مجالسنا، لعل الله جل وعلا أن يسلمنا من شرور هذه الدنيا ومن اغتيالها ومن مكرها ومن فتنتها. نسأله سبحانه وتعالى أن يسلم قلوبنا وألسنتنا وجوارحنا، وأن يخرجنا من هذه الدنيا سالمين غانمين لا من الأشقياء الخاسرين، إنه على ذلك القادر عليه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.