شرح لامية شيخ الإسلام 11

الدرس في شرح لامية شيخ الإسلام 11، الدرس الحادي عشر : ( وَالمُْؤْمِنُونَ يَـرَوْنَ حَقّـاً ربَّهُمْ ). ألقاها

مذهب أهل السنة في رؤية الله عز وجل

يتناول المقطع مذهب أهل السنة والجماعة في إثبات رؤية الله عز وجل واختلافهم مع المعتزلة والأشاعرة. يرى أهل السنة أن الله يرى حقًا دون تأويل أو تكييف.

الجهة التي يكون عليها الله عز وجل وتوضيح معانيها

يشرح المقطع معنيي الجهة بالنسبة لله عز وجل، الأول منفي وهو أن يكون محاطًا بخلقه، والثاني مثبت وهو العلو المطلق فوق سماواته. أثبت الله عز وجل لنفسه العلو والسيطرة على خلقه.

علو الله واستدلالاته من الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة

يشرح اعتقاد أهل السنة والجماعة في علو الله عز وجل على عرشه، مستدلين بالكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة. ينتقد آراء الأشاعرة في نفي الجهة عن الله ورؤية المؤمنين له يوم القيامة.

ختام الدرس وتأكيد أهمية التوبة والاستغفار

يشير المقطع إلى انتهاء الدرس ويتضمن تسبيح الله والاستغفار والتوبة إليه، ويظهر تقوى وخشوع المتحدث وتأكيده على أهمية التوبة والاستغفار.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسولنا الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، تقدم معنا في الدرس السابق قول الناظم رحمه الله تعالى: «والمؤمنون يرون حقًا ربهم، وإلى السماء بغير كيف ينزلوا». وتقدم معنا أن مذهب أهل السنة والجماعة إثبات ما أثبت الرب عز وجل، وما أثبت كذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فالله عز وجل أخبر بأنه يرى، وقد تقدم ذكر ذلك، وكذا نبيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وكذلك أشرنا إلى قول المعتزلة المانعين لرؤية الله عز وجل، وذكرنا أحد أدلتهم، وبينا أن ذلك الدليل هو دليل لأهل السنة والجماعة؛ لأن الحق لا ينصر الباطل، بل لا ينصر الحق إلا الحق. وكذلك من الفرق المخالفة في هذا الباب لأهل السنة والجماعة الأشاعرة. فالأشاعرة أتوا بشيء مبتكر مبتدع لم يسبقوا إليه، لذا -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى- تسلط عليهم المعتزلة؛ لأنهم أتوا بشيء لا يعقل. فقالوا: «إن الله عز وجل يرى»، وهذا موافق لمذهب أهل السنة والجماعة، قالوا: «لا من جهة». و«إن الله يرى» موافق لمذهب من لم يذهب من أهل السنة والجماعة، قالوا: «لا من جهة». وهذا الأخير حقيقته مذهب المعتزلة، فكأن قولهم: «إن الله يرى ولا يرى»، «إن الله يرى ولا يرى». لذا -كما سمعتم- أتوا بقول لم يسبقوا إليه، لذا تسلط عليهم المعتزلة وغيرهم. فقولهم: «إن الله عز وجل يرى» هذا واضح، وهذا استدلالًا بكتاب الله عز وجل، والأدلة في هذا كثيرة وهي واضحة. ولكنهم خلطوا هذا الحق الذي هو من عند الله عز وجل بالباطل الذي قد شرب عصارته من علم الكلام. فقالوا: «إن الله يرى من غير جهة». ومعنى هذا: إذا قيل لأي شيء لا يرى من جهة، فمعناه أنه لا يرى. والله عز وجل إذا قالوا: «إن الله عز وجل يرى»، ثم قالوا: «من حيث أو من غير جهة»، فكأنهم يقولون: «إن الله يرى من حيث لا يرى». واضح هذا الأمر. أملاه فجمعوا بين متناقضات؛ لأنهم -كما سمعتم- خلطوا الحق بالباطل، خلطوا ما جاء من عند الله عز وجل بما استقر في أنفسهم من علم الكلام والباطل. وأنه لو قيل: «أن الله عز وجل في جهة»، للزم أن تكون هذه الجهة محيطة بالله عز وجل. فقالوا: «إن الله يرى من غير جهة»؛ لينفوا العلو، لينفوا علو الله عز وجل على خلقه. والاعتقاد أنهم لو أثبتوا الجهة لزم من ذلك أن يكون الله عز وجل محاطًا ببعض مخلوقاته. لكن نظر في الأمر الواقع، ورأوا النصوص واضحة جلي: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر»، وأشار نبينا صلى الله عليه وسلم إلى القمر ليلة البدر. وجاءت في بعض الألفاظ: «ليلة أربعة عشر». وفي البخاري ومسلم أيضًا: «لا تضامون في رؤيته»، وفي بعض الروايات: «لا تضارون في رؤيته»، أي: أنكم كلكم ترون ربكم عز وجل، وهو في مكانه، لا يحصل أن بعضكم يضايق بعضًا فلا يرى ربه، بل الكل يرونه. من أين يرونه؟ يرونه من فوقهم، يرونه من فوقهم، هذا واضح؛ لأن الله عز وجل في السماء. ولكن هؤلاء -كما سمعتم- لما استقرت في أنفسهم تلك الشبهة الباطلة، وهي أنهم لو قالوا: «إن الله عز وجل في السماء»، لزم أن الله عز وجل في جهة، وإذا كان في جهة فيلزم من ذلك أن يكون محاطًا بخلقه. قالوا: «هذا لا يجوز في حق الله عز وجل». ونحن نقول كذلك، على هذا المعنى لا يجوز. ولكن الجهة -كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى- تطلق على معنيين. الجهة تطلق على معنيين: المعنى الأول منفي عن الله عز وجل، والمعنى الثاني مثبت لله عز وجل. فأما المعنى المنفي هو ما ذكروه هاهنا، وهو أن يكون الله عز وجل في جهة مخلوقة، أن يكون في جهة مخلوقة، هذا لا يجوز، بل ولا يتصوره مؤمن، بل ولا عاقل؛ وذلك لأن الله عز وجل أعظم وأكبر وأجل من أن يحاط به خلقه. ولو تأمل المتأمل إلى قول الله جل في علاه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: 67]، لعلم أن القول بأن الله عز وجل يحاط بغيره من مخلوقاته، هذا تأباه القلوب السليمة والفطر المستقيمة، فضلًا عن النصوص الشرعية. إذا تصور الإنسان وعلم أن هذه السماوات والأرض ما هي في يد الله عز وجل، في قبضة الله عز وجل إلا كالخردلة، إلا كالشيء اليسير، السماوات والأرض كالشيء اليسير في قبضة الرحمن عز وجل، فكيف بعد هذا يتصور أن الله عز وجل محاط بخلقه؟ هذه الجهة بهذا المعنى -كما سمعتم- ممتنعة، مستحيلة، لا تقوز في حق الله عز وجل. والمعنى الثاني في الجهة هي الجهة العدمية، وهذا ما أثبته الله عز وجل لنفسه. فالله عز وجل أثبت لنفسه أنه في العلو المطلق، فوق سبع سماواته، فوق سماواته، مستوى على عرشه سبحانه وتعالى، محيط بخلقه سبحانه وتعالى، بائن من خلقه، ليس في خلقه، ليس في ذاته من خلقه شيء، ولا في خلقه من ذاته شيء، بل هو محيط به سبحانه وتعالى، وهو فوقهم. كما قال الله عز وجل: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: 18]، وقال سبحانه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: 10]، وقال ربنا عز وجل: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5]، وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: 54]، وقال سبحانه: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: 16]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم حينما سألت تلك الجارية -كما في صحيح مسلم من حديث معاوية رضي الله عنه السلم- قال لها: «أين الله؟»، قالت: «في السماء». قال: «من أنا؟»، قالت: «أنت رسول الله». فقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاوية بن الحكم السلم: «أعتقها؛ فإنها مؤمنة». لماذا هي مؤمنة؟ لأنها أقرت بأن الله عز وجل في السماء. وهذا أمر مستقر شرعًا، أي: نقلًا بكتاب الله عز وجل، وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد تقدمت أدلته. وأيضًا من الأمور المجمع عليها بين أهل العلم، لا خلاف بين السلف -ذلك بين الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان وأئمة الدين- على ذلك. وأيضًا يدل عليها العقل، وأيضًا استقرت الفطرة. الفطرة تدل على هذا المعنى. وقد ذكرنا في دروس مضت أن الإمام الهمذاني حينما صعد أبو المعالي -وكان أشعريًا وكان من أئمتهم- صعد على المنبر، فقال: «كان الله ولم يكن شيء معه، وهو اليوم على ما كان عليه قبلًا». يريد أن يقول بهذه الفلسفة وهذه الحذلقة: «أن الله عز وجل ليس في السماء»، وهذا مذهب الأشاعرة. فقال له الهمذاني رحمه الله تعالى: قال له: «يا أستاذ، دعنا من هذا الكلام»، أي: دعنا من كلام أهل الكلام والفلسفة والحذلقة وزخرفة القول الباطل. «وقل لي: دعني من هذا الكلام، وقل لي عن هذه الحاجة الذي يجدها السائل إذا سأل ربه عز وجل شيئًا». وجد قلبه متجهًا إلى السماء، السائل إذا سأل ربه عز وجل يتوجه بقلبه بفطرته إلى أين؟ إلى السماء. وهذه الفطرة السليمة من أعظم الأدلة الدالة على ماذا؟ على علو الله عز وجل. فنزل أبو المعالي الجويني وهو يضرب على رأسه ويقول: «حيرني الهمذاني، حيرني الهمذاني»، أي: لم يستطع أن يجب عن هذه الضرورة، وهذه الحاجة الذي يجدها كل إنسان. شاهدنا من هذا أن الله عز وجل في السماء، دل على هذا الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة. فإذا كان في السماء، وقيل لنا: «أنتم ترون ربكم أو سترون ربكم أو المؤمنون يرون ربهم عز وجل يوم القيامة»، نقول: نعم، ونراه في السماء سبحانه وتعالى، كما دل على هذا الأدلة الخمسة المذكورة: الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة. أما قول هؤلاء بأن الله عز وجل يرى من غير جهة، فحقيقة قولهم أنه يرى من حيث لا يرى، واضح هذا الأمر أم لا؟ ومعنى أنه يرى من حيث لا يرى: جمع بين ماذا؟ جمع بين النقيضين: يرى ولا يرى. وهذا -كما ذكرنا- أتوا بقول مبتدع مبتكر، ولهذا تسلط عليهم المعتزلة في هذه المسألة، كما تسلط عليهم في مسألة الكلام. حينما قالوا: «إن الكلام على قسمين: معنوي، وماذا؟ معنوي»، وهو كلام الله عز وجل، وهذا الموجود الألفاظ والحروف والكلمات مخلوق. هذا أيضًا من بدع وابتكارات الأشاعرة، وهذا أيضًا مما أنكره عليهم جميع الطوائف، وتسلط عليهم كذلك المعتزلة بسبب هذا الكلام المبتدع المبتكر. فشاهد أن كل من خالف الكتاب والسنة -كما سمعتم- ولم يرضى بطريق أهل السنة من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، خذل ووكل إلى نفسه. وإذا خذل من الله عز وجل فحرم التوفيق. رأيت في أقاويله العجب العجاب. وقد رأينا وسمعنا ما في أقاويل هؤلاء من هذا العجب العجاب. والله المستعان. نكتفي بهذا القدر إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على