الدرس في شرح الأصول الثلاثة 14، الدرس الرابع عشر : ( ودليل الذبح ... يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيراً ). ألقاها
يشرح دليل الذبح من القرآن والسنة، ويبين أهمية إخلاص العبادة لله وحده. يُفسر الذبح لغة وشرعا ويُظهر أن صرف العبادة لغير الله شرك.
يُشير إلى أن الصلاة والذبح من أعظم العبادات ويجب إخلاصهما لله. يُفصّل الكلام حول أهمية الذبح كعبادة مالية تجمع بين الطاعة والإنفاق.
يشرح أن النذر قد يكون عبادة لله أو شركًا لغيره. يجب الوفاء بالنذر لله، بينما النذر لغير الله لا ينعقد ويحرم الوفاء به.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. وبعد. قال رحمه الله تعالى: ودليل الذبح قوله تعالى: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له﴾. ومن السنة: «لعن الله من ذبح لغير الله». قوله رحمه الله تعالى: ودليل الذبح، الذبح يطلق في اللغة بمعنى القطع. وقال بعضهم: بمعنى تمزيق عنق المذبوح. وشرعا: ما عرفه العلامة العثيمين رحمه الله تعالى في شرحه على هذه الأصول، فقال: الذبح هو إزهاق الروح بإراقة الدم على وجه مخصوص. والذبح من العبادات العظيمة؛ لذا خص الله عز وجل بالذكر هاهنا، فقال: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له﴾. قل إن صلاتي، أي: تعبدي لله عز وجل بصلاتي. ونسكي، أي: وتعبدي لله عز وجل بالنسك. والنسك له تفسيران: التفسير الأول: بمعنى العبادة. والتفسير الثاني: بمعنى الذبيحة، وهذا المعنى الذي لأجله استدل الشيخ بهذه الآية عليه. وقوله: ﴿ومحياي ومماتي﴾، أي: عبادات في محياي، وما أعددته لمماتي لله رب العالمين لا شريك له، أي: خالصا لله عز وجل، لا أشرك بالله عز وجل شيئا في هذه العبادات. وقوله: ﴿لا شريك له﴾ بعد قوله: ﴿لله رب العالمين﴾ دليل على أن هذه العبادات عظيمة، وجب إخلاصها لله عز وجل. وأن من صرفها لغير الله عز وجل فقد أشرك؛ لذا قال الله عز وجل: ﴿لا شريك له﴾، ففيه دليل على أن هذه العبادة إما أن تكون لله فتكون عبادة وإخلاصا، وإما أن تكون لغير الله عز وجل فتكون شركا وكفرا والعياذ بالله. وخص الله عز وجل هاتين العبادتين في هذه الآية؛ لأن الصلاة هي أعظم العبادات البدنية، والذبح من أعظم العبادات المالية. ورأى من قام بهما سهل عليه بقية العبادات. قال العلماء رحمهم الله تعالى: وكان الذبح من أفضل العبادات المالية؛ لأنه يجتمع فيه أمران: الأول: أنه طاعة لله. والثاني: أنه بدل ماله، وطابت نفسه به. والبدن مشترك في جنس المال، لكن زاد الذبح على غيره من حيث أن الحيوانات محبوبة لأربابها، ويوجد لذبحها ألم في النفوس لشدة محبتها. فإذا بدله لله وسمحت نفسه بإذاقته الموت صار أفضل من مطلق العبادات المالية. وكذلك ما يجمع له عند النحر والذبح إذا قارنه الإيمان والإخلاص من قوة اليقين وحسن الظن بالله أمر عجيب؛ فصرفه لغير الله شرك أكبر. فمن ها هنا نعلم أن الذبح الذي أراده الشيخ رحمه الله تعالى هاهنا في قوله: دليل الذبح، ذبح العبادة. وذبح العبادة هو أن يذبح الإنسان ذبيحة متقربا بها إلى من ذبح له، وأزهق لأجلها الدم والروح، وأراق الدم. فإن كان لله عز وجل كانت عبادة وتوحيدا، وإن كان لغيره فهي عبادة صرفة لغير الله، وهي من الشرك الأكبر. قال رحمه الله تعالى: ودليل النذر قوله تعالى: ﴿يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا﴾. النذر إلزام المكلف نفسه لله تعالى بشيء غير واجب بكل قول يدل عليه. والمراد بالنذر هاهنا نذر العبادة، وهي عبادة يجب إخلاصها لله عز وجل. استدل الشيخ رحمه الله تعالى بقوله: ﴿يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا﴾. فأثنى الله عز وجل على هؤلاء الموفين بالنذر؛ يدل على أن فعلهم محبوب إليه. وما كان محبوبا لله عز وجل فهو عبادة. وبعض أهل العلم ذكروا أن النذر المراد به هاهنا الإيفاء بما أوجب الله عز وجل عليه من العبادات؛ فمن أوفى بهذه العبادات حق قيامها فهو الذي وفى بحق الله عز وجل، وهو الذي يستحق الثناء. أما النذر من حيث هو، فمن أهل العلم من قال بأنه مكروه؛ لأنه ألزم نفسه بشيء لم يلزمه به الله عز وجل. وقال بعضهم: بأنه محرم؛ استدلالا بقول النبي صلى الله عليه وسلم في النذر: «إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج من البخيل». وهذا النذر الخاص. من أباح ابتداءه، ومنهم من كرهه طبعا في غير أمور التي أوجبها الله عز وجل عليه. لكن من نذر وجب عليه أن يوفي بنذره؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من نذر أن يطيع الله فليطعه». وهذا أمر يقتضي الوجوب. والنذر الذي هو التقرب، أو إلزام الإنسان نفسه بشيء على سبيل التقرب يكون عبادة. وصرفه لغير الله عز وجل يكون شركا؛ لذا من نذر لمخلوق -سواء كان ميتا أو قبرا أو وليا أو ما شابه ذلك- فإن نذره هذا يعد من الشرك بالله عز وجل؛ لأنه صرف عبادة لغير الله عز وجل. وهذا النذر لا ينعقد، ولا يجب الوفاء به، بل يحرم. ومن السنة: «لعن الله من ذبح لغير الله». هذا الحديث جاء في صحيح مسلم من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه. واللعن من الله عز وجل بمعنى الطرد من رحمته؛ فمن لعنه الله فقد طرد من رحمته، أو فأبعده عن رحمته. وهذا لا يكون الطرد المطلق والبعد المطلق إلا لأهل الكفر والعياذ بالله. ولعل الشيخ رحمه الله لأجل هذا المعنى استدل به هنا في بيان أن الذبح لغير الله عز وجل كفر؛ لأنه يكون ملعونا بلعنة الله عز وجل له. ومن لعنه الله وأبعده عن رحمته وأخصاه عنها، هذا يكون من الكافرين والعياذ بالله. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.