الدرس في مقتطفات من فوائد الفوائد 9، الدرس التاسع:( معرفة أصل الخير والشر ). ألقاها
يتناول الدرس أهمية التفكر في معرفة أصل الخير والشر، ويصنف الأفكار إلى ثمانية أقسام تتعلق بمصالح ومفاسد الدنيا والآخرة. التفكر هو مبدأ الإرادة والطلب ويؤثر على سلوك الإنسان.
يبرز المقطع أهمية الفكر في التعرف على الله ونعمه وأمره ونهيه، مما يثمر المحبة والمعرفة لله ويعلي همة الإنسان للآخرة. كما يشير إلى الأفكار الرديئة التي تشغل معظم الناس.
يعدد النص أنواع التفكير الضار الذي لا يعود بالنفع، مثل التفكير في أمور لا يمكن إدراكها أو التفكير في الشهوات. هذه الأفكار تشغل الإنسان عن التفكير النافع في الدنيا والآخرة.
يتضمن المقطع دعاء يتألف من تسبيح الله والاعتراف بوحدانيته والاستغفار والتوبة إليه، ويختتم بشكر الله. يعبر الدعاء عن توبة صادقة واستغفار وخضوع لله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، فدرس هذا اليوم بإذن الله جل وعلا في معرفة أصل الخير والشر. قال الإمام العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «الفوائد»: «أصل الخير والشر من قبل التفكر؛ فإن الفكرة مبدأ الإرادة والطلب في الزهد والترك والحب والبغض». قال: «وأنفع الفكر الفكر في مصالح المعاد، وفي طرقه اجتلابها، وفي دفع مفاسد المعاد، وفي طرقه اجتنابها». فهذه أربعة أفكار هي أجل الأفكار. قال: «وأنفع الفكر الفكر في مصالح المعاد» هذا واحد، «وفي طرقه اجتلابها» هذا الثاني، «وفي دفع مفاسد المعاد» هذا الثالث، «وفي طرقه اجتنابها». فهذه أربعة أفكار هي أجل الأفكار. ويليها أربعة؛ قال: «فكر في مصالح الدنيا وطرق تحصيلها، وفكر في مفاسد الدنيا وطرق الاحتراز منها». هذه كذلك أربعة؛ الأولى في أمر الآخرة، والثانية الفكر في أمر الدنيا. فأمر الدنيا كما ذكر: «فكر في مصالح الدنيا»؛ أن ينظر الإنسان إلى مصالح هذه الدنيا، إلى ما ينفعه في هذه الدنيا، إلى الحكمة التي لأجلها خلقه الله جل وعلا في هذه الدنيا. قال: «فكر في مصالح الدنيا وطرق تحصيلها»؛ كيف يستطيع أن يتحصل على هذه الأشياء التي هي مصالح هذه الدنيا، والتي هي منافع هذه الدنيا. قال: «وفكر» -هذا فكر آخر- «في مفاسد الدنيا»؛ ما هي المفاسد التي جعلها الله جل وعلا في هذه الدنيا، وحذر منها ربنا جل وعلا كذلك في هذه الدنيا، وكذلك عرف العقل قبحها في هذه الدنيا. قال: «وفكر في مفاسد الدنيا وطرق الاحتراز منها»؛ يتفكر كيف أو ينظر أولا ما هي المفاسد الموجودة في هذه الدنيا، ثم ثانيا ما هي الطرق التي تحول بينه وبينها، والتي تجنبه إياها. فهذه -كما ذكر- أربعة، ومن قبل أربعة؛ لذا قال: «فعل هذه الأقسام الثمانية دارت أفكار العقلاء». قال: «ورأس القسم الأول الفكر في آلاء الله ونعمه وأمره ونهيه»؛ الفكر في آلاء الله، أي في نعمه وعظيم فضله. قال: «ونعمه وأمره ونهيه، وطرق العلم به وبأسمائه وصفاته من كتابه وسنة نبيه، وما والاهما». هذا -كما ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى- رأس القسم الأول؛ أن يكون فكر الإنسان يدور حول هذه الأمور، وينظر ويتأمل حول هذه الأمور: كيف يتوصل إلى التعرف على ربه جل وعلا؟ كيف يتوصل إلى التعرف على أسماء ربه جل وعلا، على شرع ربه جل وعلا، على دين ربه جل وعلا، على أقدار الله جل وعلا، على عظيم خلق الله جل وعلا؟ كيف يتوصل إلى معرفة مراد الله جل وعلا من خلقه، إلى معرفة مراد الله جل وعلا من شرعه، إلى معرفة مراد الله جل وعلا من ذلك العبد؟ هذا -كما ذكر رحمه الله تعالى- أعظم الفكر؛ قال: «وهذا الفكر يثمر لصاحبه المحبة والمعرفة»؛ يثمر له المحبة -محبة من؟ محبة الله رب العالمين- يثمر له أن يكون محبا لله ربه جل وعلا، معظما له، مجلا له. قال: «فإذا فكر في الآخرة»؛ فإذا فكر في الآخرة وشرفها ودوامها، وفي الدنيا وخستها وفنائها، أثمر له ذلك الرغبة في الآخرة والزهد في الدنيا. وكلما فكر في قصر الأمل وضيق الوقت أورثه ذلك الجد والإجتهاد وبذل الوسع في اغتنام الوقت. قال: «وهذه الأفكار تعلي همته، وتحييها بعد موتها وسفولها؛ وتجعله في واد والناس في واد». من كانت هذه همته -همته عالية- ينظر إلى الآخرة، ينظر إلى مراد الله جل وعلا من خلقه، ينظر إلى الباقية الدائمة، وينظر إلى سفالة هذه الدنيا؛ فيقبل على الله جل وعلا إقبالا كليا. قال: «وبإزاء هذه الأفكار الأفكار الرديئة»؛ أي في مقابل هذه الأفكار العلية والأفكار العظيمة الجليلة أفكار أخرى رديئة. قال: «الأفكار الرديئة التي تجول في قلوب أكثر الخلق»؛ كالفكر فيما لن يكلف الفكر فيه، ولا أعطي الإحاطة به، من فضول العلم الذي لا ينفع. قال: «كالفكر في كيفية ذات الرب وصفاته مما لا سبيل للعقول إلى إدراكه»؛ هذا فكر سافل؛ لأنه يريد أن يتفكر في شيء لا يستطيع أن يتوصل إليه أبدا. قال: «ومنها الفكر في الصناعات الدقيقة التي لا تنفع بل تضر»؛ كالفكر في الشطرنج والموسيقى وأنواع الأشكال والتصاوير؛ هذه مضرة. قال رحمه الله تعالى: «ومنها الفكر في العلوم التي لو كانت صحيحة -أي على سبيل الفرض والتنزل- لم يعطى الفكر فيها النفس كمالا ولا شرفا؛ كالفكر في دقائق المنطق والعلم الرياضي والطبيعي، وأكثر علوم الفلاسفة»؛ التي لو بلغ الإنسان غاياتها لم يكمل بذلك، ولم يزكي نفسه. قال: «ومنها الفكر في الشهوات واللذات وطرق تحصيلها؛ وهذا وإن كان للنفس فيه لذة، لكن لا عاقبة له». قال: «ومضرته في عاقبة الدنيا قبل الآخرة أضعاف منفعته»؛ هذا لو كان في مباح، فكيف إذا كان ذلك التأمل وذلك التفكر في محرم؟ قال: «ومنها الفكر فيما لم يكن؛ كالفكر فيما إذا صار ملكا أو وجد كنزا أو ملك ضيعة ماذا يصنع، وكيف يتصرف ويأخذ ويعطي وينتقم»؛ ونحو ذلك من أفكار السفل. قال: «ومنها الفكر في جزئيات أحوال الناس ومجرياتها وما داخلهم وما خارجهم»؛ من فكر النفوس المبطلة الفارغة من الله ورسوله والدار الآخرة. قال: «ومنها الفكر في دقائق الحيل والمكر التي يتوصل بها إلى أغراضه وهواه؛ مباحة كانت أو محرمة». قال: «ومنها الفكر في أنواع الشعر وصروفه وأفانينه في المدح والهجاء والغزل والمراثي ونحوها؛ فإنه يشغل الإنسان عن الفكر فيما فيه سعادته وحياته الدائمة». قال: «ومنها الفكر في المقدرات الذهنية التي لا وجود لها في الخارج، ولا بالناس حاجة إليها البتة»؛ وذلك موجود في كل علم؛ حتى في علم الفقه والأصول والطب؛ أي أن يأتي الإنسان بفرضيات: لو أنه كذا لكان كذا، ولو أنه كذا لكان كذا. قال رحمه الله تعالى: «فكل هذه الأفكار مضرتها أرجح من منفعتها؛ ويكفي في مضرتها شغلها عن الفكر في ما هو أولى به وأعود عليه بالنفع عاجلا وآجلا». والله تعالى أعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. شكرا.