الدرس في مقتطفات من فوائد الفوائد 11، الدرس الحادي عشر:( من علامات السعادة والشقاوة ). ألقاها
يتناول هذا الفصل علامات السعادة والشقاوة كما ذكرها الإمام ابن القيم، حيث يشير إلى أن من علامات السعادة أن يزداد العبد تواضعًا ورحمة مع ازدياد علمه، ويزداد خوفًا وحذرًا مع ازدياد عمله. كما يشير إلى أن المؤمن الحق يزداد خوفا وحرصا على طاعة الله كلما زاد عمله.
يتناول هذا الفصل تأثير الزيادة في المال والجاه على السعادة والشقاوة، حيث يبين أن السعيد يزداد تواضعا وبذلا كلما زاد ماله وقدره، بينما الشقي يزداد كبرا وتيها. كما يشير إلى أن زيادة المال والجاه قد تكون علامة على الشقاوة إذا صاحبها حرص وبخل وكبر.
يشرح هذا الفصل الابتلاء والصبر عليه وعلاقته بالسعادة والشقاوة، حيث يبين أن النعم قد تكون ابتلاء من الله وامتحان لعباده، ويظهر بها شكر الشكور وكفر الكفور. كما يشير إلى أن الابتلاء قد يكون سببا للسخط إذا لم يصبر عليه الإنسان، ومن رضي بقضاء الله كان له الرضا.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، فنحن في هذا الدرس بإذن الله جل وعلا مع فائدة أخرى من الفوائد الجليلة العظيمة التي ذكرها الإمام العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب الفوائد. وهذه الفائدة بعنوان «من علامات السعادة والشقاوة». قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «من علامات السعادة والفلاح أن العبد كلما زيد في علمه زيد في تواضعه ورحمته، وكلما زيد في عمله زيد في خوفه وحذره، وكلما زيد في عمره نقص من حرصه، وكلما زيد في ماله زيد في سخائه وبذله، وكلما زيد في قدره وجاهه زيد في قربه من الناس وقضاء حوائجهم والتواضع لهم». هذه، كما ترون، يذكرها الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى أنها من علامات السعادة، أي السعادة التي جعلها الله جل وعلا سعادة حقيقية لهذا العبد، سعادة جعلها الله جل وعلا سعادة حقيقية يسعد بها هذا العبد في دنياه قبل آخراه، وفي حياته قبل لقاء ربه جل وعلا. فمن علاماتها، كما ترون، قال: «إن العبد كلما زيد في علمه كلما زاد العبد علما وازداد فهما وازداد من معرفة دين الله جل وعلا، قال: زيد في تواضعه ورحمته». فمن علامات العلم النافع أنه يجر صاحبه إلى التواضع، وكذا إلى الرحمة، إلى رحمة الغير، التواضع لأن العلم يحث على التواضع ويحرض على التواضع ويوصي بالتواضع وخفض الجناح. كذلك العلم كلما ازداد الإنسان علما كلما ازداد معرفة بجهله، كلما ازداد علما كلما ازداد معرفة بجهله، بأنه ما أوتي من العلم إلا قليل، بأنه ما أوتي من العلم إلا قليل، فهو يستفيد اليوم مسألة وغدا يقف على مسألة لم تخطر له على بال، وغدا وبعد غد هكذا يستفيد مسألة ثالثة، فيعلم هذا المنتفع بالعلم أنه ما أوتي من العلم شيئا، ما أوتي من العلم إلا القليل، فيكون سببا لاعترافه بجهله وتقصيره وأنه ما أوتي من العلم إلا قليل. وكذلك يستفيد الطالب معرفة فضل معرفة فضل ربه جل وعلا عليه، فالله جل وعلا هو الذي يعلمه وهو الذي يتفضل عليه بذلكم العلم، ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، وقال ربنا جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾، وقال ربنا جل وعلا في حق نبيه: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾، فالله جل وعلا هو المتفضل أولا وآخرا. وهذه الأمور وغيرها تجعل العبد يعرف قدر نفسه أولا، ثم يعرف فضل ربه جل وعلا ثانيا، فيكون سببا لتواضعه وانكساره، وكذلك خفض جناحه للغير، وتعظيمه كذلك يكون سببا لتعظيم ربه جل وعلا بالذل له، بالذل لربه جل وعلا والانكسار بين يديه سبحانه وتعالى. وكذلك يكون سببا لرحمته للغير، لأن العلم رحمه، لأن العلم رحمه، قال الله جل وعلا في حق نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾، وقال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ﴾ إلى آخر الآيات. فالله جل وعلا هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، وجعل هذا الهدى ودين الحق مداره على الرحمة، فلابد أن يكون العلم سببا لرحمتك للغير، سببا لرحمتك للغير، فإن كان كذلك فهو علم نافع، وإن كان غير ذلك فهذا من علامات الشقاوة لا من علامات السعادة. قال رحمه الله: «وكلما زيد في عمله زيد في خوفه وحذره». كذلك تعلم وعمل بما تعلم، محافظ على الصلاوات، محافظ على الطاعات، محافظ على البر، يسارع في الخيرات، هذه الأعمال التي يعملها إذا نظر إليها العبد هل هي بحوله وقوته؟ الجواب: لا، بل هي بحول الله جل وعلا وقوته وفضله سبحانه وتعالى. إذن يكون العبد في هذه الحالة خائفا حذرا، أولا من تخصيره في حق ربه جل وعلا، بشكره لربه جل وعلا لهذه النعم، ثانيا يكون كذلك خائفا حذرا من أن يقطع الله جل وعلا عنه يد العون والتوفيق فينقطع عن هذا العمل، ثالثا يخشى كذلك على نفسه في عمله ذلك أن يكون مدخولا، أن يكون مدخولا فيه شيء لغير الله جل وعلا، فيكون سببا لشقاوته لا سببا لسعادته. فالعبد المؤمن الحق كلما زاد عملا ورأى نفسه مقبلا على العلم كلما زاد شفقة على نفسه، كلما زاد شفقة على نفسه وكان حذرا من ربه جل وعلا، ومن تأمل في حال الصالحين قبلنا لرأى في ذلك العجب العجاب، ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾، أي يخافون ربهم جل وعلا، ومع هذا يعملون الأعمال الصالحة، وقلوبهم وجله لأنهم حذرون حين انقلابهم إلى الله جل وعلا على أي حال يكون حالهم؟ وكيف تكون تلك الأعمال؟ هل هي متقبلة أم غير متقبلة؟ لذا جاء عن غير واحد من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، جاء عن أبي الدرداء وعن أبي ذر وعن ابن عمر وعن طائفة آخرين أنه قال: «لو علمتم أن الله جل وعلا تقبل مني حسنة، لكان هذا كاف»، أو كما قالوا، قالوا: لأن الله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، فهذه كذلك من علامات السعادة. فالمؤمن ينظر في عمله هل هذا العمل يجعله يفرح ويفتخر أم يجعله يتواضع وينكسر؟ إذا استفاد كذلك علما هل يجعله يعلو ويفتخر أم يجعله ينكسر ويتواضع؟ هذا ميزان بين السعادة والشقاوة، فلينظر الإنسان من أي الأصناف هو. قال رحمه الله: «وكلما زيد في عمره نقص من حرصه». هذا من علامات السعادة، كلما زاد من عمر الإنسان لا يكون حريصا على الدنيا، وإنما يكون أحرص ما يكون على لقاء ربه جل وعلا، لذا يكون زاهدا في الدنيا مقبلا على الآخرة، هذا كذلك من علامات السعادة. أن الإنسان كلما زاد الله جل وعلا في عمره كلما قصر أمله في هذه الحياة الدنيا، وكان أمله ورجاؤه في ما عند الله جل وعلا، فإن كان كذلك فهذه من علامات السعادة لذلك العبد. قال رحمه الله: «وكلما زيد في ماله زيد في سخائه وبذله». كذلك من علامات السعادة أن الله جل وعلا كلما رزقك من المال كلما فتح عليك من بركاته وفضله، كلما زاد العبد سخاءا وبذلا وإنفاقا في سبيل الله جل وعلا، لأجل مرضاة الله جل وعلا، فإن كان العبد كذلك فهذه علامة من علامات السعادة. علامة من علامات السعادة أن العبد كلما رزقه الله جل وعلا مالا كلما صلح على هلكته في طاعة الله جل وعلا، هذا كذلك قد حصل له معنى من معاني السعادة، وكانت في علامة من علامات السعادة. قال: «وكلما زيد في قدره وجاهه زيد في قربه من الناس وقضاء حوائجهم والتواضع لهم». فيكون جاهه سببا لنفع الناس، جاهه الذي آتاه الله جل وعلا يكون سببا لخدمة عباد الله جل وعلا، هذا من كان كذلك فهذه علامة من علامات السعادة لذلك الإنسان الذي آتاه الله جل وعلا ذلك ملجاه. قال رحمه الله تعالى: «وعلامات الشقاوة في المقابل». قال: «أنه كلما زيد في علمه زيد في كبره وتيهه». هذه من علامات الشقاوة، أنه كلما زيد في علمه كلما زاد علما كلما زاد تكبرا وتجبرا، هل انتفع هذا المتعلم بعلمه؟ الجواب: لا، لأنه لو انتفع بعلمه لكان العلم مهذبا له على طاعة الله جل وعلا وعلى التواضع وعلى خفض الجناح لعباد الله جل وعلى المؤمنين. قال رحمه الله تعالى: «وكلما زيد في عمله زيد في فخره واحتقاره للناس وحسن ظنه بنفسه». كلما زاد في العمل فرح بذلك العمل ونظر إلى حوله وقوته، نظر إلى حوله وقوته وقطع النظر إلى حول الله وقوته، وأن العمل الذي قام به إنما هو فضل من الله، قطع هذا الأمر وإنما حاله كحال قارون حينما قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾، حاله يقول: أنا الذي قمت بهذا العمل، وأنا المستحق للفضل بهذا العمل الذي قمت به بحولي وقوتي لا بحول الله وبقوة، هذا حال هذا الإنسان، وهذه من علامات الشقاوة. قال رحمه الله تعالى: «وكلما زيد في عمره زيد في حرصه». كلما زيد في عمره زيد في حرصه، يمد الله عز وجل فيه بالعمر، كلما زاد عمرا كلما زاد حرصا على الدنيا، جمعا للدنيا، جمعا للأموال، جمعا للجيهان، إلى غير ذلك، من كان كذلك فهذا كذلك من علامات الشقاوة لهذا الإنسان. قال رحمه الله: «وكلما زيد في ماله زيد في بخله وإمساكه». زيد في بخله وإمساكه، الله جل وعلا يعطيك من فضله ويغنيك من فضله ويتفضل عليك من فضله، وأنت تمسك ذلك المال وتبخل به، فلا تنفقه في سبيل الله جل وعلا، من كان كذلك فهذه علامة من علامات الشقاوة. قال رحمه الله: «وكلما زيد في قدره وجاهه زيد في كبره وتيهه». وهذه كذلك من علامات الشقاوة، أنه كلما زاد جاهه ومنصبه وكذلك مكانته، كلما زاد كبرا على عباد الله، وازداد كذلك تجبرا على عباد الله جل وعلا، وازداد كذلك تيها، صار تائها بما معه من المناصب والجهان والجهان، فمن كان كذلك فهذه علامة من علامات الشقاوة. قال رحمه الله تعالى: «وهذه الأمور ابتلاء من الله». هذه الأمور ابتلاء من الله وامتحان، يبتلي بها عباده، فيستعد أو فيسعد بها أقوام ويشقى بها أقوام، الأولى علامات يسعد بها أقوام، والأخرى علامات يشقى بها أقوام. قال رحمه الله: «وكذلك الكرامات امتحان وابتلاء». الكرامات التي يعطيها الله جل وعلا لمن شاء من عباده، يقول علامة ابن القيم: «وكذلك الكرامات امتحان وابتلاء»، قال: «كالملك والسلطان والمال»، الملك ابتلاء وامتحان، السلطان ابتلاء وامتحان، المال ابتلاء وامتحان من الله جل وعلا لذلك العبد. قال تعالى عن نبيه سليمان لما رأى عرش بلقيس عنده: ﴿قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾، إذن هو بلاء، ليبلوه، فيقال: ليبلوني أشكر أم أكفر؟ أي أن المال أو الجاه أو النعمة قد تكون بلاء لذلك العبد، فالعبد إما أن يكون شاكرا فيكون من السعداء، وإما أن يكون كافرا لتلك النعمة فيكون من الأشقياء. قال رحمه الله: «فالنعم ابتلاء من الله وامتحان، يظهر بها شكر الشكور وكفر الكفور». تأمل إلى هذه العبارة، يقول رحمه الله: «فالنعم ابتلاء من الله»، إذا آتاك الله جل وعلا من المال هذه نعمة وهو ابتلاء من الله، إذا آتاك الله جل وعلا العلم النافع، آتاك الله جل وعلا العلم فهو ماذا؟ فهو نعمة من الله وهو ابتلاء من الله. إذا وفقك الله جل وعلا لعمل من الأعمال ومن الطاعات فهو كذلك ابتلاء من الله، إذا آتاك الله المنصب والجاه فهو كذلك ابتلاء من الله، لينظر لينظر ربك جل وعلا أتشكره أم لا تشكره؟ تشكر تلك النعمة أم لا تشكر تلك النعمة؟ قال رحمه الله: «فالنعم ابتلاء من الله وامتحان يظهر بها شكر الشكور وكفر الكفور». قال: «كما أن المحن بلوى منه سبحانه». كما أن المحاسن بلوى، والنعم بلوى، وكذلك المحن ماذا؟ بلوى أيضا. قال: «فهو يبتلي أي الله جل وعلا فهو يبتلي بالنعم كما يبتلي بالمصائب». قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾، هنا ماذا؟ ابتلاء بماذا؟ ابتلاء بالنعم. قال العلامة ابن القيم رحمه الله بعد أن ذكر هذه الآية: «كلا»، قال: «أي ليس كل من وسعت عليه وأكرمته ونعمته يكون ذلك إكراما مني له، ليس كل من آتاه الله جل وعلا مالا وجعل له منصبا وجاها أن يكون هذا إكرام من الله، ليس كل أحد، بل من شكر فهو إكرام، ومن كفر فهو إذلال وإهانة يوم القيامة بين يدي الله رب العالمين». قال رحمه الله: «وَلَا كُلُّ مَنْ ضَيَّقْتُ عَلَيْهِ رِزْقَهُ وَابْتَلَيْتُهُ يَكُونُ ذَلِكَ إِهَانَةً مِنِّي لَهُ»، وليس كل من ضيق الله عز وجل عليه في الرزق، جعله فقيرا، أن يكون الله جل وعلا أهان ذلك العبد، بل قد يكون من محبة الله جل وعلا لذلك العبد أن يبتليه بهذا الضيق حتى يصبر فيرفع درجاته، وربما يكون من باب ماذا؟ من باب الابتلاء، فيضيق على ذلك الععب فلا يتحمل الصبر، فلا يتحمل ذلك البلاء، ولا يصبر، فيكون سببا لأن يكون هذا الأمر سببا لسخط الله جل وعلا وعلا عليك. ما جاء في الحديث في حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه في ذكر البلاء والمحن، قال: «فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط»، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط، والله أعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.