الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 71، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
اسم الله السيد يعني المالك المولى المدبر لخلقه، ويقتضي الإيمان به امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه. الإيمان به يحتم طاعة الله وتعظيمه وحده.
يُنبه إلى خطورة الغلو في الألقاب مثل "السيد" وتأثيرها على التوحيد، ويحذر من الوقوع في الشرك بسبب التعلق بغير الله. النبي نهى عن الغلو في الدين والأقوال.
النبي حذر من المدح والغلو في الآخرين، ويعتبر ذلك من أخلاق اليهود والنصارى والمخالفين، ويؤدي إلى الوقوع في الهلاك. نهى عن التمدح واعتبره ذبحًا للشخص الممدوح.
يختتم الدرس بالإشارة إلى أهمية الوقت، ثم يدعو الله أن ينفعهم بما سمعوه. الدعاء بأن ينفع الله بما قيل ويختتم الدرس.
بسم الله، الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاهم. بعد ذلك، من أسماء الله الحسنى التي ذكرها الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى في كتابه «القواعد المثلى»، السيد. ثبت هذا في صحيح سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فثبت عند أبي داود في سننه، والبخاري في «الأدب المفرد»، من حديث عبد الله بن الشخير رضي الله تعالى عنه وأرضاه، قال: انطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في وفد بني عامر، فقلنا: أنت سيدنا. فقال عليه الصلاة والسلام: «السيد الله تبارك وتعالى». فقلنا: وأفضلنا فضلا، وأعظمنا طولا. فقال: «أيها الناس، قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان». فهذا الحديث فيه إثبات السيد من أسماء الله جل وعلا الحسنى؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «السيد الله تبارك وتعالى». ومعنى هذا الاسم السيد لله جل وعلا، يقول العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في نونيته: «وهو الإله السيد الصمد الذي صمدت إليه الخلق بالإذعان الكامل الأوصاف من كل الوجوه كماله، ما فيه من نقصان». أي أن السيد هو من معاني اسم الله جل وعلا الصمد، فالصمد له معاني، ومنها السيد الذي قد كمل في سؤدده. كما جاء عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما حين فسر اسم الله جل وعلا الصمد، قال: العليم الذي قد كمل في علمه، والحليم الذي قد كمل في حلمه، وذكر كذلك فقال: والسيد الذي قد كمل في سؤدده. وذكر ابن جرير رحمه الله تعالى عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما في تفسير قول الله جل وعلا: ﴿قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء﴾، قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أي سيدا وإلها أبغي ربا، أي سيدا وإلها. ففسر الرب بالسيد، فيدل هذا على أن السيد هو الرب، وهو المالك، وهو المولى جل وعلا، فهو يتضمن معاني وأوصافا، فالسيد الذي له السيادة المطلقة، وهذا ليست إلا لله جل وعلا، فهو السيد الذي له السيادة المطلقة، أي أنه سيد كل شيء جل وعلا، فلا أحد سيد كل شيء، ولا أحد له السيادة المطلقة إلا الله جل وعلا. فهو السيد بمعنى المالك المولى المدبر لخلقه، المربي لهم، فالخلق كلهم عبيده جل وعلا، فهو سيدهم جل وعلا، أي ربهم ومولى النعم عليهم، ومالكهم، إلى آخر ذلك من معاني السيادة اللائقة بالله جل وعلا، والتي دلت عليها نصوص الكتاب والسنة. فإذن، هذا معنى اسم الله جل وعلا السيد، ومقتضى التعبد لله جل وعلا باسمه السيد. ومن ثمار الإيمان باسم الله جل وعلا السيد، أولا: على العبد أن يمتثل أمر الله جل وعلا، وأن يجتنب نهي الله جل وعلا، وهكذا نهي رسوله عليه الصلاة والسلام. إذا آمنت بالله جل وعلا أنه السيد، فمعنى ذلك أنه المطاع الذي له الطاعة المطلقة جل وعلا. فالسيد في الناس هو المطاع في قومه، فالله جل وعلا هو السيد الذي له السيادة المطلقة، وأنت عبده يا عبد الله، فإيمانك بأنه جل وعلا السيد يقتضي منك أن تمتثل أوامره وتجتنب نواهيه؛ لأنك آمنت وقررت بأنه السيد. والإيمان بذلك يقتضي منك هذا. ثانيا: أن تفرده جل وعلا بالسيادة المطلقة، فتجعل ربك جل وعلا هو السيد الذي له السيادة المطلقة، بمعنى هو السيد الذي ترجوه، وهو السيد الذي تخافه، وهو السيد الذي تتضرع إليه، وهو السيد الذي تنيب إليه، وهو السيد الذي تدعوه وتستغيث به، وهو السيد الذي تعظمه. فمن جعل هذا لغير الله جل وعلا فقد جعل لله جل وعلا شريكا. وهذا حاصل عند من يسمون الموتى والأولياء بالسيد، ويقولون: هذا السيد الفلاني. ماذا يعتقدون فيه؟ يعتقدون فيه النفع والضر، فيأتون إلى هذا السيد فيطلبون منه الحاجات، كالسيد البدوي أو غيره ممن سماهم الناس سيدا، فصار يعكفون عند قبره، ويلوذون به، ويطلبون منه المدد، ويطوفون به، ويتمسحون بترابه، وتطلب منه الحاجات، وتقصده الغايات، وهكذا. فهؤلاء جعلوا لله جل وعلا سيدا شريكا، ما جعل الله جل وعلا هو السيد فقط، وإنما جعلوا لغير الله سيدا شريكا يشارك الله جل وعلا في هذه السيادة؛ لأنهم فعلوا مع ذلك السيد ما فعلوه مع الله جل وعلا، تعلقت قلوبهم به، وهكذا صرفوا لهم شيئا من أنواع العبادات. فجعلوا السيادة بغير الله جل وعلا، التي لا تليق إلا بالله سبحانه وتعالى. وهذا يحصل عند عباد القبور ممن غلوا في قبور الموتى، وصار يعكفون عند قبورهم، ويجعلونهم من دون الله جل وعلا. فإذا آمنت حقا بأن الله جل وعلا هو السيد، فاجعل السيادة المطلقة لله جل وعلا، السيادة التي معها إفراده بالعبادة، وإفراده بالطاعة المطلقة، وإفراده بكل ما يستحقه جل وعلا. لا تجعل مع الله جل وعلا السيد السيد البدوي، ولا السيد الفلاني، ولا السيد الفلاني. فالغلو بإطلاق مثل هذه الأوصاف أو بمثل هذه التسميات، ابتعد عن تسمية فلان سيدا، أو تسمية ولدك سيدا، أو غير ذلك. فالأولى في هذا الابتعاد عن هذا؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام حين قال له: أنت سيدنا. قال: «السيد الله تبارك وتعالى». ونهى عليه الصلاة والسلام أن مثل ذلك يكون سببا في الغلو، ويكون سببا في الوقوع في المحظور. مع أنه سيد الأنام عليه الصلاة والسلام، ومع هذا لما قيل له سيدنا، قال: «السيد الله تبارك وتعالى». فمن أنت إذا قيل لك: يا سيد؟ ما ستقول؟ إذا كان رسول الله عليه الصلاة والسلام لما قيل له ذلك، قال: «السيد الله تبارك وتعالى». وأنت ماذا تقول إذا قيل لك: يا سيد؟ لا تفرح لذلك، وتتفاخر كما هو حال طواغيت النفس إذا قيل له: يا سيد، صار يفرح، وصار كذلك يرفع رأسه. فليس هذا من الأدب مع الله جل وعلا. فالواجب التمسك بحمى التوحيد، وصيانة التوحيد من كل الأقوال، ومن كل الأفعال، ومن كل الأسباب التي تؤدي إلى نقصه، وإلى ضعف إيمان العبد به. ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ولا يستجرينكم الشيطان». «ولا يستجرينكم الشيطان» معناه: أن الشيطان يستجري العبد إذا قيل له: يا سيد، فيفرح بذلك، ثم بعد ذلك إذا لم يقل له: يا سيد، وإنما قيل له: يا فلان، عبس وجهه. لماذا؟ لأنه كان ينتظر يا سيد، لكن لما لم يقل له: يا سيد، عبس. لماذا؟ لأنه صار يحب هذه الكلمة، فيمدح بها نفسه، فيقل فيه التواضع، فيقعون فيما لا يحمد عقباه. فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ولا يستجرينكم الشيطان». بل في الحديث الآخر الذي هو عند النسائي وغيره، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وصححه العلامة الألباني، والوادعي رحمه الله تعالى عليهما: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لما قالوا له: أنت سيدنا، وابن سيدنا، وخيرنا، وابن خيرنا. قال: «أيها الناس، قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان، ما أحب أن ترفعوني على منزلتي التي أنزلنيها الله جل وعلا، إنما أنا عبد الله ورسوله». فهذا النبي عليه الصلاة والسلام يعلم هذه الأمة كيف يكون الأمر منهم في مخاطبته عليه الصلاة والسلام، وفي مخاطبة غيرهم. ولذلك جاءت الأحاديث، بل الآيات الكثيرة في كتاب الله جل وعلا، والأحاديث في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، تأمر بذلك، وتنهى عن الغلو في الدين، والغلو في الأقوال. قال: «إياكم والغلو في الدين». «يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم». فالغلو والمدح، واختيار الألقاب، والتمادح، إنما هو من أخلاق اليهود والنصارى، ومن أخلاق المخالفين، من أخلاق الروافض الذين غلوا في أئمتهم، وغلوا في علمائهم، وهكذا. ومن الغلو: ما يفعله عباد القبور وغيرهم ممن يغلوا في هؤلاء ممن يسمونهم السيد، وغير ذلك، فيقعون في الهلاك. والتنطع في دين الله جل وعلا. ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في حديث أبي بكرة في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام - أو قال أبو بكرة -: إن رجلا أثنى على رجل عند رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «قطعت عنق صاحبك». «قطعت عنق صاحبك». كرر ذلك مرارا عليه الصلاة والسلام. وفي صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى، قال عليه الصلاة والسلام - كما جاء من حديث المقداد بن الأسود رضي الله تعالى عنه -: «إذا رأيتم المداحين فاحثوا على وجوههم التراب». الذي يمدح الشخص أمامه وأمام الناس، فحث على وجهه التراب. لماذا؟ لأن هذا فيه قطع عنق ذلك، ليس فيه منفعة لذلك، مصلحة ذلك يجري به الشيطان، ويلعب به، ويتفاخر، ويتعاظم. وهذا الذي سار عليه العلماء، تبعا لأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، والتابعين لهم بإحسان، فكانوا لا يرضون بالمدح؛ لأنهم يعلمون أن المدح إنما هو الذبح. فقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما، والحديث صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى، قال عليه الصلاة والسلام: «إياكم والتمادح؛ فإنه الذبح». «إياكم والتمادح؛ فإنه الذبح». إذن المدح ذبح، المدح ليس مدحة، وإذن ذبحا تذبح صاحب الحال، تمدحه وهو من عمل الشيطان. قال العلامة سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه العظيم «تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد»، عند شرح هذا الحديث، والتعليق عليه، قال: ذلك من عمل الشيطان الذي يحب أن يمدحه غيره، ولو كان فيه ذلك، إذا أحب أن يمدحه غيره، وكان ذلك فيه حقا، فإن ذلك من عمل الشيطان بهذا الحديث؛ لقول عليه الصلاة والسلام: «ولا يستجرينكم الشيطان». فلذلك العلماء على هذا، الشيخ العلامة العثيمين رحمه الله تعالى. كتب بعض الناس قصيدة، فأراد أن يقرأها على الشيخ، قال: أقرأ عليك قصيدة يا شيخ؟ قال: تفضل. فذكر بعض الأبيات، ثم قال: وفينا ابن العثيمين، وفينا ابن العثيمين. قال: قبل ما يقال الواصل. قال: يقول: وفينا كتاب الله، وفينا كتاب الله، وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. قال: يا شيخ، ما نستطيع أن نزن الأبيات بهذا، لكن بهذا يقوم الوزن. قال: تتركها. من عنده سؤال؟ وترك الأبيات، تترك القصائد، ليس من منهج أهل السنة والجماعة أن تلقى القصائد، ويسهر عليها، وتؤلف، ثم تلقى على مثل ذلك الشيخ، أو ذلك العالم، وكذا وكذا. ليس هذا من منهج أهل السنة والجماعة، هذا فيما عدا الشيطان، على هذا. وما أوتينا إلا من هذه الأبواب؛ لما كثر الشعر، وكثر الذين يكتبون في الشعر، جاءت الفتن، وجاءت البلايا. صدق الله وجل وعلا إذ يقول: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون﴾. بماذا؟ لأنهم يكتبون ويقولون ما لا يفعلون. همه أن يتبع القافية، همه أن يكون في أحيان تكون مناسبة في وزنها، وفي قافيتها، ومما يوافق ذلك البحر الذي كتب به هذه القصيدة، لا يبالي بما يقول. فربما تنسب وتوصف الأوصاف التي لا تليق إلا بالملوك، أو بالأنبياء. في الناس ربما هم أقل من ذلك بقليل. وذلك بسبب الغلو، فكل ذلك عباد الله من الغلو الذي ينبغي تركه. فالسيد الله تبارك وتعالى، وهو جل وعلا. ومع ذلك أن الإنسان يحمي حمى التوحيد بقوله، وبإيمانه، وبأفعاله، فلا يتوسع في مثل ذلك. والمقام هذا يحتاج إلى وقته، لكن حسبنا - لأن الوقت ضيق - في مثل هذا الوقت أن نذكر بعض هذه الإشارات، فحسبنا ذلك. نصل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن ينفعنا بما نقول ونسمع. صلى الله وسلم وبرك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.