الدرس في شرح العقيدة الواسطية 23، ألقاها
يفسر المقطع مفاتيح الغيب الخمسة ويبين أن علم الله ينقسم إلى قسمين: ما أعلمه لمن يشاء من خلقه، وما لم يظهره على أحد. كما يتطرق إلى صفة العلم الإلهية كصفة ذاتية قائمة بذات الله.
ناقش المقطع آراء المعتزلة والجهمية في نفي صفات الله تعالى، حيث نفى المعتزلة الصفات وأثبتوا الأسماء الجامدة، بينما نفى الجهمية الأسماء والصفات جميعًا. كما تطرق إلى محاولات بعض الفرق الجمع بين العقليات الباطلة وأدلة الشرع.
يثبت الشيخ علم الله عز وجل بالدليل العقلي والنقلي، ويرد على المخالفين مثل الفلاسفة والقدرية الذين أنكروا علم الله بالجزئيات وأفعال العباد. يستدل الشيخ على إثبات العلم لله بأدلة عقلية ونقلية متعددة.
بسم الله والحمد لله، وصلاة الله وسلامه على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال رحمه الله تعالى: وقد فسرها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله»، عندكم «مفاتيح الغيب خمس»، أو «مفاتح الغيب»، ثم تلا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: 34]، وهذا الحديث تفسير لقول الله عز وجل: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: 59]. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال -والحديث متفق عليه من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما-: «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله»، وقوله: «لا يعلمهن إلا الله» يدل على أن هذه الأمور الخمسة من علم الغيب المحض، الذي لم يطلع عليه ربنا عز وجل أحدًا. فمن ادعى وزعم أنه يعلم شيئًا من ذلك فقد نازع الله عز وجل فيما اختص به من العلم، ومن فعل ذلك فهو كافر بالله العظيم؛ لأنه زعم أنه يعلم من علم الله الخاص المحض الذي لم يظهره ربنا عز وجل على أحد من الناس أو على أحد من الخلق، لا نبيًا مرسلًا ولا ملكًا مقربًا. وفيه دلالة على أن علم الله عز وجل منه ما أعلمه الله عز وجل لمن يشاء من خلقه، ومنه ما لم يظهره الله عز وجل على أحد. وهذه الأمور الخمسة وهل هناك غيرها من العلوم التي لم يظهرها الله عز وجل على خلقه؟ فالجواب: نعم. ومن تلك الأشياء معرفة كيفية الرب سبحانه وتعالى وذاته وصفاته، معرفة كيفية ذات الله عز وجل وصفاته وأفعاله، فهذه من علم الغيب التي لم يظهرها الله عز وجل على أحد. قال رحمه الله تعالى: وقد دلت الآيتان الأخيرتان على أنه سبحانه عالم بعلم هو صفة له قائمة بذاته. معنى هذا أن صفة العلم من الصفات الذاتية التي لا تنفك عن الله عز وجل، وهو كذلك. أي صفة العلم هي من الصفات المعنوية، فهي صفة ذاتية معنوية. وعلم الله عز وجل أحاط بكل معلوم، وهذا فيه دلالة على سعة علم الله عز وجل وإحاطته بكل معلوم. وقوله رحمه الله تعالى: وقد دلت الآيتان الأخيرتان على أنه سبحانه عالم بعلم هو صفة له قائمة بذاته، هذا مأخوذ من قول الله عز وجل: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: 59]، ثم قال: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: 59]. قال رحمه الله تعالى: خلافًا للمعتزلة الذين نفوا صفاته، وهذا أول تصريح للشيخ الهرس رحمه الله تعالى بأن المعتزلة قالوا: إن علم الله عز وجل ليس هو من صفات الله عز وجل، فلا يثبتون لله عز وجل صفة العلم. والمعتزلة مذهبهم كما هو معلوم أنهم يثبتون أسماء لله عز وجل جامدة لا معاني لها، فيثبتون الأسماء لله عز وجل وينفون الصفات. والجهمية نفوا جميع الأسماء والصفات عن الله عز وجل، فهم في باب أسماء الله عز وجل وصفاته معطلون. نفوا عن الله عز وجل الأسماء والصفات؛ لأن ثبوت هذه الأسماء وثبوت هذه الصفات لله عز وجل يستلزم منها الحدوث وأنها مشابهة لأسماء وصفات المخلوقين، والله عز وجل منزه عن هذا. فذهب المعتزلة إلى نفي صفات الله عز وجل وإلى إثبات أسماء الله عز وجل، ولكنهم يقولون: إن أسماء الله عز وجل جامدة أي لا معاني لها، ولا تتضمن صفات. هذا من قول المعتزلة أيضًا، بحجة أنهم أثبتوا لله الأسماء ونفوا عنه الصفات؛ بحجة أن الأسماء لائقة بالله عز وجل ولا يستلزم منها المشابهة، وأما الصفات فثبوتها يستلزم منها المشابهة، والله عز وجل منزه عنها. ثم جاءت فرقة ثالثة أيضًا أخذت من عقليات المعتزلة الباطلة الفاسدة، ونظروا كذلك في أدلة الشرع، ورأوا ما كان عليه السلف، فراموا الجمع أيضًا. وذهبوا يقولون: نثبت لله عز وجل الأسماء ونثبت لله عز وجل سبع صفات، وما عدى هذه السبع الصفات فلا نثبتها لله عز وجل؛ لأن العقل يدل على هذا. فقال الشيخ رحمه الله تعالى: فمنهم من قال: إنه عالم بذاته وقادر بذاته، ومنهم من فسر أسماءه بمعاني سلبية، فقال: «عليم» معناه «لا يجهل»، وقادر معناه «لا يعجز». وهذان طريقان ومصبهما واحد ومعناهما واحد. فالمعتزلة كما سمعتم يقولون: نثبت لله عز وجل الأسماء ولا نثبت لله عز وجل الصفات. فقيل لهم: كيف يعلم بغير علم؟ كيف تقولون كذلك في الأدلة التي جاءت فيها «يعلم» وما شابه ذلك؟ فراموا الجمع بين ما ثبت واستقر عندهم بعقلياتهم ونظرياتهم وبين ما رأوهم من أدلة الشرف. قالوا: «عالم» ولكنه بذاته. ما معنى «عالم بذاته»؟ «عالم بذاته» معناه أنه عالم بلا علم. «قادر بذاته» معناه قادر بلا قدرة. فمنهم من فسره بهذا التفسير أنه «عالم بذاته وقادر بذاته»، ومنهم من صرح بذلك فقال: نفسره بمعانٍ سلبية، فنقول: «عليم» معناه «لا يجهل»، واضح. فقولهم «عليم» معناه «لا يجهل»، لا نستفيد من ذلك أنهم يثبتون لله عز وجل كمال العلم. لأن النفي عندهم محض، وليس عندهم النفي كعند أهل السنة والجماعة أنه يستلزم منه ثبوت كمال الضد. قال رحمه الله تعالى: والدليل العقلي على علمه تعالى أنه يستحيل إيجاده الأشياء مع الجهل؛ لأن إيجاده الأشياء بإرادته، والإرادة تستلزم العلم بالمراد. ولهذا قال سبحانه: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]. قال رحمه الله تعالى: ولأن المخلوقات فيها من الإحكام والإتقان وعجيب الصنعة ودقيق الخلقة ما يشهد بعلم الفاعل لها؛ لامتناع صدور ذلك عن غير علم. وهذا أيضًا طريق أخرى لمعرفة علم الله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: ولأن من المخلوقات من هو عالم، والعلم صفة كمال، فلو لم يكن الله عالما لكان في المخلوقات من هو أكمل منه. وهذا مسلك ثالث عقلي في إثبات العلم لله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: وكل علم في المخلوق إنما استفاد من خالقه، وواهب الكمال أحق به، وفاقد الشيء لا يعطيه. وهذا هو المسلك الرابع. قال رحمه الله تعالى: وأنكر فلاسفة علمه تعالى بالجزئيات، وقالوا: إنه يعلم الأشياء على وجه كلي ثابت. ذكر الشيخ رحمه الله تعالى هاهنا بعد أن أثبت وقرر أن العلم ثابت لله عز وجل بالعقل والنقل، ذكر هاهنا من خالف في هذا الباب أيضًا غير المعتزلة، فذكر أن ممن خالف في هذا الباب الفلاسفة. فالفلاسفة قالوا: إن الله عز وجل لا يعلم بالجزئيات، وإنما يعلم الأشياء على وجه كلي ثابت. وحقيقة قولهم أنه لا يعلم شيئًا؛ لأن نفي تعلق العلم بالجزئيات نفي للعلم؛ لأن العلم يتعلق بالمعلومات، والجزئيات من هذه المعلومات. قال رحمه الله تعالى: كما أنكر الغلاة من القدرية علمه تعالى بأفعال العباد حتى يعملوها، توهّمًا منهم أن علمه بها يفضي إلى الجبر. وقولهم معلوم البطلان بالضرورة في جميع الأديان. فالقدرية الغلاة الذين نفوا علم الله عز وجل بأفعال العباد وأنه لا يعلم أفعالهم إلا بعد وقوعها، قالوا: إن علم الله عز وجل لا يتعلق بأفعال العباد؛ لأنهم توهموا أن علمه بها يفضي إلى الجبر. قال رحمه الله تعالى: وما أحسن ما قاله الإمام عبد العزيز المكي في كتابه «الحيدة» لبشر المريسي المعتزلي الجهمي الخبيث، وهو يناظر في مسألة العلم. قال: «إن الله عز وجل لم يمدح في كتابه ملكًا ولا نبيًا مرسلًا ولا مؤمنًا تقيًا بنفي الجهل عنهم، ليدل على إثبات العلم له، وإنما مدحهم بإثبات العلم لهم، فنفى بذلك الجهل عنهم». يقول الشيخ رحمه الله تعالى: أو الإمام عبد العزيز المكي في كلامي هذا: أن نفي الجهل ليس فيه مدح، بخلاف إثبات العلم فإنه الذي يمدح به. فمن أثبت العلم نفى الجهل، ومن نفى الجهل لم يثبت العلم. قال رحمه الله تعالى: والدليل العقلي على علمه تعالى أنه يستحيل إيجاده الأشياء مع الجهل؛ لأن إيجاده الأشياء بإرادته، والإرادة تستلزم العلم بالمراد. ولهذا قال سبحانه: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]. والله أعلم، وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.