الدرس في كتاب الصلاة 74، ألقاها
يتناول شرح دعاء النبي صلى الله عليه وسلم للتعوذ من عذاب النار ويستعرض بعض المباحث المتعلقة بعذاب النار. يُثبت أن النار موجودة الآن وأبدية ولا تفنى.
يشرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول الاستعاذة من أربع: عذاب جهنم، عذاب القبر، فتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال. يوضح معاني هذه الاستعاذات ودلالتها.
يتناول أحكام التعوذ من الأربع في الصلاة واختلاف أهل العلم بين القول باستحبابه والقول بوجوبه. يُشرع التعوذ في التشهد الأخير ويجوز الدعاء بعد ذلك.
يتم الرد على قول للإمام أبي حنيفة معللاً أنه ليس بالصواب، ويُختتم بذكر دعاء لله تعالى والتسبيح والاستغفار.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو في صلاته: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال». الحديث كما تعلمون متفق عليه. وجاء في لفظ للإمام مسلم رحمه الله تعالى أنه قال: «إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم...» الحديث. طيب، قوله «أعوذ بك من عذاب النار»، «أعوذ بك من عذاب النار»، «أعوذ» بمعنى: ألتجئ وأعتصم وأتحرز، ألتجئ وأعتصم وأتحرز، فمعناه: أعوذ بالله، وأعتصم بالله، وألتجئ إلى الله، وأعتصم به من عذاب جهنم، من عذاب جهنم. وكذلك القول في بقية الأربع المستعاذ منها. قوله «من عذاب القبر» فيه دلالة على ثبوت عذاب القبر. طيب، قبل ذلك قوله «أعوذ بالله من عذاب النار»، النار يذكر بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى عند هذا الحديث بعض المباحث، نشير إليها إشارة خفيفة. من هذه المباحث أن في قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم «أعوذ بالله من عذاب النار»، وفي رواية أخرى «أعوذ بالله من جهنم» أو «من عذاب جهنم»، فيه إثبات عذاب جهنم، عذاب جهنم حقيقي، عذاب جهنم عذاب حقيقي مؤلم، ففيه إحراق، وفيه ألم، وفيه شدة، والعياذ بالله. نسأل الله عز وجل أن ينجينا منه. فمن المباحث التي يذكرها العلماء رحمهم الله تعالى في مسائل النار: هل النار موجودة الآن أم لا؟ والذي عليه سلف الأمة وأهل السنة والجماعة أن النار موجودة الآن، لقول الله عز وجل في النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾، فهي معدة. وكذلك جاء في حديث ابن عباس وغيره في صفة النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أنه قال: «رأيت الجنة والنار». ومن المباحث أيضًا المذكورة في هذا الباب: أن النار أبدية، أبدية أبد الآباد، وأنها لا تفنى ولا تبيد. وعلى هذا أهل السنة والجماعة وسلف الأمة قاطبة: أن النار لا تفنى ولا تبيد، بل أهلها خالدون فيها أبدًا، كما دل على ذلك الأدلة الكثيرة من كتاب الله عز وجل، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وكذلك من المباحث المذكورة في مكان النار، والعلماء رحمهم الله تعالى ذكروا أقوالًا في مكان النار، وأصح الأقوال أنها في الأرض السفلى، كما يدل عليها قول الله جل وعلا: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾. وجاء في حديث البراء بن عازب عند الإمام أحمد وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فترد روحه فتلقى في الأرض السفلى في سجين». قال: «في الأرض السفلى»، فاستدل به أهل العلم على أن النار في الأرض السفلى. هذه بعض المباحث المذكورة في عذاب النار، والعياذ بالله. فقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم «أعوذ بك» -«اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم»- هذا فيه التعوذ من أسباب أو يدل على معنيين: يدل على التعوذ من الأسباب التي قد تكون سببًا لدخول النار، وقد يكون المراد به دخول النار. وفي هذا تعليم من النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لأمته، وإلا فإنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وكفى به أنه رسول الله وخاتم الأنبياء وخير الرسل، صلوات ربي وسلامه عليه. وقوله صلى الله عليه وسلم -أي في الحديث أيضًا- في قوله «ومن عذاب القبر»، أي: وأعوذ بالله من عذاب القبر؛ لأن الواو تقتضي تكرار العامل؛ لأن العطف يقتضي تكرار العامل، فالتقدير: وأعوذ بالله من عذاب القبر. وفيه أيضًا دلالة على ثبوت عذاب القبر، خلافًا لمن أنكر ذلك من أهل البدع والكلام. وقوله «من عذاب القبر»، القبر هو الحفرة المعروفة التي يوضع فيها الميت. وأهل السنة والجماعة يعتقدون أن القبر حق، وأن القبر إما أن يكون نعيمًا لصاحبه، وإما أن يكون عذابًا، والعياذ بالله. فمن نجى منه فقد نجى. وقد ذكر العلماء أيضًا في ذلك مباحث كثيرة، نكتفي بما ذكر، وزيادة على ذلك في كتب العقائد بإذن الله عز وجل. قوله «ومن فتنة المحيا»، قال العلماء: معنى «فتنة المحيا» ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات، وأعظمها -والعياذ بالله- أمر الخاتمة عند الموت. فيدخل في فتنة المحيا فتنة الشبهات وفتنة الشهوات؛ فإنها من الفتن العاصفة بأصحابها في هذه الدنيا، فيكون استعاذة يشمل هذا ويشمل هذا. قوله «وقيل هي الابتلاء مع الصبر»، ومن فتنة المحيا قيل: هي الابتلاء مع الصبر. قوله «وفتنة الممات»، وفتنة الممات قيل: المراد بها الفتنة عند الموت، أضيفت إليه لقربها منه. قال: «وقيل: ويجوز أن يراد بها فتنة القبر»، ويجوز أن يراد بها فتنة القبر. وقيل: أراد بها السؤال مع الحيرة. وقد أخرج البخاري: «إنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريبًا من فتنة الدجال». ولا يكون هذا تكريرًا لعذاب القبر؛ لأن عذاب القبر متفرع عن ذلك. بمعنى أن قوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم «وفتنة الممات» أي: الفتنة التي يفتن بها العبد في قبره. وهذا لا ينافي ولا يعارض ما تقدم من قوله «وعذاب القبر». لماذا؟ لأن الفتنة -كما ذكر رحمه الله تعالى- هي سبب لمن لم يثبت في عذاب القبر، فإما أن يثبته الله عز وجل بالقول الثابت، فإنه لا يناله عذاب القبر، فتكون سببًا لعدم العذاب، أو لعدمه. إن ثبته الله عز وجل بالقول الثابت، فإنه ينجو بإذن الله عز وجل من عذاب القبر، وإن لم يكن كذلك ناله عذاب القبر، والعياذ بالله. قوله «ومن فتنة المسيح الدجال»، قال العلماء: الفتنة الامتحان والاختبار، وقد يطلق على القتل والإحراق والتهمة وغير ذلك. والمسيح -بفتح الميم وتخفيف السين المهملة وآخره هاء مهملة- يطلق على الدجال وعلى عيسى، ولكن إذا أريد به الدجال قيد باسمه، فيقال: «المسيح الدجال»، لا يقال: «المسيح» فقط. سمي المسيح؛ لمسحه الأرض؛ لأنه -كما جاءت الأحاديث- كما في حديث النواس بن سمعان وحديث غيره في الصحيح: أنه يطوف الأرض في عدة أيام: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، ويوم كبقية أيامكم. قيل: لأنه ممسوح العين. هذان قولان. وأما عيسى عليه السلام فقيل له المسيح؛ لأنه خرج من بطن أمه ممسوحًا بالدهن. وقيل: لأن زكريا عليه السلام مسحه. وذكر صاحب القاموس أنه جمع في وجه تسميته بذلك خمسين قولًا. طيب، في الحديث مسائل، نأخذ منها مسألتين: المسألة الأولى حكم التعوذ من هذه الأربع في الصلاة. في قولين لأهل العلم: القول الأول قول الجمهور: بأن التعوذ من هذه الأربع مستحب. والقول الثاني: قول طاوس بن كيسان اليماني، ورواية عن أحمد، وابن حزم الظاهري وأصحابه. وأيضًا هو اختيار الصنعاني والشوكاني والألباني والوادعي: ذهب هؤلاء إلى وجوبها؛ إلى أن الاستعاذة بالله من هذه الأربع واجبة. استدل الجمهور على استحبابها بحديث ابن مسعود السابق، والذي فيه: «ثم ليتخير من الدعاء ما شاء». وقد تقدم أنه مستحب، فالتعوذ من الأربع يدخل ضمنًا أو يدخل ضمن هذا الدعاء، فيأخذ حكمه -أي في الاستحباب- فيكون مستحبًا؛ لأنه داخل تحت قوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «ثم ليتخير من الدعاء ما شاء». واستدل الموجبون -أي القائلون بالوجوب- برواية مسلم: «إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع»، بلفظ الأمر، والأصل في الأمر أنه للوجوب. وهذا القول هو الأظهر، والله أعلم. أما حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، فلا يعارض هذا، ولا يدخل هذا تحته؛ إذ أن حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه فيه الحث على مطلق الدعاء، أما هذا الدعاء المعين فقد جاء الأمر به من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فمعنى هذا أنه إذا تشهد الإنسان وصلى على النبي، بعد ذلك استعاذ بالله من أربع، فإذا استعاذ بالله من أربع بعد ذلك يدعو بما شاء، جمعًا بين الأدلة في هذا الباب. طيب، مسألة أخرى: أين يكون هذا الدعاء في التشهد الأول أم في الأخير؟ هل يكون هذا الدعاء في التشهد الأول أو يكون في التشهد الأخير؟ فيه خلاف. فذهب ابن حزم إلى أنه يقال في كل تشهد. وذهب النووي رحمه الله تعالى إلى أنه يقال في التشهد الأخير؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليتعوذ بالله من أربع». قال النووي رحمه الله: «وفيه التصريح باستحبابه في التشهد الأخير»، والإشارة إلى أنه لا يستحب في الأول. والصحيح أنه واجب فيقال: «التصريح بإيجابه في التشهد الأخير». هذا هو الصحيح في هذه المسألة، والله أعلى وأعلم. طيب، بقي مسألة كذلك تلحق بهذه المسائل: أين يكون الدعاء بشكل عام؟ هل يكون قبل التشهد؟ هل يكون قبل الصلاة أم يكون بعد الصلاة؟ الظاهر -والله أعلم- على الترتيبات المذكورة في الأحاديث: أن المصلي أول ما يبدأ بالتشهد الذي علمه النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أصحابه، ثم بعد ذلك الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، كما دلت على ذلك الأدلة. ثم بعد ذلك يستعيذ بالله من الأربع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليستعذ بالله من أربع». وقوله صلى الله عليه وسلم: «ثم ليتخير من الدعاء ما شاء» -في حديث عبد الله بن مسعود- يحمل على أنه بعد أن يتعوذ بالله من الأربع، فليدعو الله عز وجل بما شاء. طيب، مسألة أخرى: ما هي الصيغة المشروعة في الدعاء في آخر الصلاة؟ في خلاف بين أهل العلم. فذهب الجمهور إلى أنه يجوز الدعاء بما شاء، من أمور الدنيا والآخرة، ما لم يكن إثمًا. ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: «ثم ليتخير من الدعاء ما شاء». وهذا يدل على جوازه مطلقًا ما لم يكن إثمًا. وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يجوز إلا بالدعوات الواردة في القرآن والسنة. وهذا القول من الإمام أبي حنيفة ليس بصواب، بل الصواب ما ذكر، والله أعلم. إلهنا سبحانك، اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. شكرًا.