الدرس في كتاب الصلاة 90، ألقاها
تطرق الخطيب إلى شروط وجوب صلاة الجمعة مثل الإسلام والذكورة والحرية والبلوغ والعقل والإقامة والعدد، وناقش آراء الفقهاء حول وجوبها على فئات معينة. وأوضح الشروط الأساسية لوجوب صلاة الجمعة على المسلمين.
ناقش المقطع شروط إقامة صلاة الجمعة في القرى، مثل كونها مبنية بما جرت العادة ببنائها وأن تكون مجتمعة البناء، واستثنى حالة اجتماع أربعين شخصًا في قرية متفرقة. كما تطرق إلى شرط إقامة أهل القرية.
تناول المقطع اختلاف العلماء حول العدد المطلوب لصلاة الجمعة، حيث ذهب بعضهم إلى اشتراط أربعين مصليًا بينما رأى آخرون أنها تصح بثلاثة أو أربعة أو حتى اثنين، واستدلوا بآيات وسنة نبوية مختلفة.
تضمن المقطع تسبيح الله والاعتراف بعظمته مع طلب المغفرة والتوبة إليه، ويظهر التواضع والاعتراف بالذنب واللجوء إلى الله، ويختتم بالاستغفار والتوبة.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، مسألة الجمعة: ذكر العلماء رحمهم الله تعالى شروطًا على من تجب عليه الجمعة. فقالوا: بأنها تجب على المسلم، هذا الشرط الأول. الثاني: الذكر. الثالث: الحر. الرابع: البالغ. الخامس: العاقل. السادس: المقيم. السابع: العدد، أي أن يكون جماعة. العدد اشترطوا العدد، واشترطوا أيضًا أن تكون الجمعة في قرية. فهذه واجبة على هذا الصنف بإجماع، الصلاة صلة الجمعة واجبة على من توفرت فيه هذه الشروط بإجماع. وهذا حال ما عليه عملاء، أي أن من كان مسلمًا ذكرًا حرا بالغًا عاقلًا مقيمًا وكانوا عددًا على اختلاف العدد، السادة كلام عليه. كانوا اشترطوا العدد، وكذلك كانوا في قرية، فإنهم تجب عليهم أو تجب عليه ماذا؟ تجب عليه الجمعة. طيب، مسألة أخرى: لا تجب الجمعة على المرأة بالإجماع، وكذا لحديث طارق بن شهاب. مسألة أخرى: لا تجب الجمعة على الصبي، ونقل على هذا الإجماع، أي نقل طائفة أو جماعة من أهل العلم الإجماع على هذه المسألة، واستدلوا كذلك بحديث طارق بن شهاب. لكن حكى ابن قدامة عن بعضهم رواية عن أحمد بالوجوب. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: ولا معول عليها، أي على هذا النقل في نقل هذه الرواية. إذا المسألة لا خلاف فيها، إذن المسألة لا خلاف فيها كذلك في الصبي. مسألة أخرى: هل تجب الجمعة على العبد؟ فيه أقوال. أحدها: أن الجمعة واجبة عليه، وهذه رواية عن أحمد. الثانية: أنها ليست بواجبة عليه، قول أكثر أهل العلم. الثالث: أنه إذا كان يؤدي الضريبة فتجب عليه، وهذا قول الحسن وقتادة. الرابع: قالوا أن وجوبها يكون على العبد القوي مطلقًا، أو إذا أذن له السيد، وهذا قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. والصواب -الله أعلى وأعلم- القول الثاني: بأنها لا تجب عليه، لحديث طارق بن شهاب. وعلل كذلك بعض أهل العلم بأن العبد غالبًا ما يكون مشغولًا بخدمة سيده، فهو مشغول بخدمة سيده. وأيضًا قالوا: إذا سقطت عليه الجماعة فكذا الجمعة تسقط عليه. مسألة أخرى: هل تجب الجمعة على المسافر؟ فيه خلاف أيضًا. فذهب أكثر أهل العلم إلى أنها لا تجب عليه، وحكي عن الزهري والنخعي أن الجماعة تجب عليه، فالجمعة أولى. وبعض أهل العلم فرق بين المسافر المقيم في بلد ما لحاجة من الحاجات، فأدركت الصلاة أو سمع النداء في الجمعة وهو في تلك البلاد، وبين المسافر المقيم، أي الذي نزل البلاد أو بلدًا ما وهو ماذا؟ في أثناء سيره. فأوجبوها على الأول ولم يوجبوها على الثاني، أي على أن من كان باقيًا يبيع ويشتري مثلًا في تجارة، أو كان نازلًا في بلد ما لأمر ما، وجاء يوم الجمعة وهو في تلك البلد، يقولون: تجب عليه الجمعة، استدلالًا بعموم قول الله عز وجل: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. قالوا: فهذا فيه أنه إذا سمع النداء فعليه الإجابة. والأظهر -والله أعلم- ما ذهب إليه أكثر أهل العلم من أنها لا تجب عليه، كذلك لحديث طارق بن شهاب. طيب، إذا كان كذلك، فهل يجوز للمرأة أو للعبد أو للمسافر أن يصلي الجمعة مع من صلى الجمعة؟ والجواب: أنه إن صلى الجمعة مع المصلين صحت صلاته، ولكنها لا تجب عليه. فإن صلاها مع المصلين صحت صلاته وسقط عنه صلاة الظهر. واضح هذا. جماعة، من خلال ما إذا لم يصلها فإنه يصليها في بيته ظهرًا، أو في رحله ظهرًا، هذا بالنسبة لهؤلاء. طيب، مسألة أخرى: هل أو الجمعة واجب على أهل القرى دون غيرهم؟ والمراد بالقرية أعم مما هو متعارف عليه الآن، فيدخل في القرية المدن الكبيرة والصغيرة. ما الدليل على أن القرية يدخل فيها المدن الكبيرة والصغيرة من القرآن؟ ها جماعة، ها «قرية محتمى لتنذر أم القرى ومن حولها»، واضح «أم القرى» أي مكة، وهي كانت من أكبر المدن ومن أشهر المدن. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: وهذا قول أكثر أهل العلم، أي اشتراط القرية. قال: فأما القرية، أي شيء يذكر الآن ضابط لهذه القرية؟ وما هو المعتبر في القرية؟ قال: فأما القرية فيعتبر أن تكون مبنية بما جرت العادة ببنائها من حجر أو طين أو لبن أو قصب أو شجر أو نحوه، ما تعرف الناس ببنائه في زمن ما أو في مكان ما، والناس مختلفون في ذلك. قال: فأما أهل الخيام وبيوت الشعر والحركات -الحركات الظاهر أصحاب التنقلات-، ظاهر أهل البيوت والشعر والحركات الظاهر الذين يتنقلون مثل بدو الرحل الذين يترحلون من مكان إلى آخر. قال: فأما أهل الخيام وبيوت الشعر والحركات فلا جمعة عليهم، ولا تصح منهم؛ لأن ذلك لا ينصب للاستيطان غالبًا. ووضح هذا جماعة: أصحاب الخيام اليوم في مكان وغدًا في مكان وبعد غد في مكان، فهم لا يترحلون من مكان إلى آخر، فأشبه ما يكون هؤلاء بالمسافرين المترحلين، فهم لم يستوطنوا بلدًا ما. قال: «وكذلك كانت قبائل العرب حول المدينة فلم يقيموا جمعة، ولا أمرهم بها النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان ذلك لم يخف». واضح هذا. جماعة، يقول ابن قدامة رحمه الله: «كانت قبائل حول المدينة كثيرة وعشائر متفرقة، ولكنهم كان حالهم هذا الحال، أي كانوا متنقلين ومترحلين، ولم ينقل أنهم جمعوا قط، ولا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمرهم بذلك». فعدم أمر النبي صلى الله عليه وسلم لهم بذلك مع العلم بأنهم لا يصلوها يدل على أن الجمعة لا تجب عليهم، بل كما قال ابن قدامة: «ولا تصح منهم». قال: «ولا أمرهم بها النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان ذلك لم يخف، ولم يترك نقله». قال: «لكن إن كانوا مقيمين بموضع يسمعون النداء، لذي ما هم السعي إليها كأهل القرية الصغيرة إلى جانب المصر». ذكره القاضي. بمعنى أنه إذا كان قرية صغيرة لا تقام بها جمعة، وبجانبها قرية كبيرة تقام بها الجمعة، فإن أصحاب الصغيرة يأتون أو يذهبون إلى أصحاب القرية الكبيرة فيجمعون معهم. يقول: «فكذلك هؤلاء يذهبون إلى القرية الكبيرة فيجمعون معهم». قالوا: «واشترطوا في القرية أن تكون مجتمعة البناء بما جرت العادة في القرية». فإن كانت متفرقة المنازل تفرقًا لم تجري العادة به، لم تجب عليهم الجمعة، إلا أن يجتمع منها ما يسكنه أربعون، فتجب الجمعة بهم، ويتبعهم الباقون. واضح هذا. الجماعة، يقول ابن قدامة: «فإن كانت متفرقة المنازل قرية، ولكنها متفرقة منازل، لم تجري العادة بكون مثل هذه المنازل بيوت قرية، لا يقال قرية، بل بيوت متفرقة». يقول: «لا تجب عليهم الجمعة؛ لأنهم ليسوا بقرية». قال: «فإن اجتمع من هؤلاء المتفرقين نحو أو إذا اجتمع أربعون فأقاموا جمعة، قال يجب على من عداهم أن يصلوا معهم». وهذا بناء منهم على اشتراط الأربعين في صحة صلاة الجمعة. وسيأتي الكلام على هذه المسألة بإذن الله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: «ويتبعهم الباقون، ولا يشترط اتصال البنيان بعضه ببعض». وحكي عن الشافعي أنه شرط، وأنه لا يصح. واضح الجماعة، أي لا يشترط أن تكون بيوت متتابعة، بيت بعد بيت، لو كانت هذا هنا وهذا في اليمين وهذا في الشمال، لكن بينهما تقارب، وقد عرف أن عادة هذه القرية أو عدة قرى أنهم يبنون هذا البناء، فهذا لا يخرج عن كونهم ماذا؟ قرية تجب عليهم الجمعة. قال: «ومتى كانت القرية لا تجب الجمعة على أهلها بأنفسهم، وكانوا بحيث يسمعون النداء من المصر أو من قرية تقام فيها الجمعة، لذمهم السعي إليها لعموم الآية». واضح هذا. جماعة، لا؟ طيب، ما ذكره ابن قدامة رحمه الله تعالى من التعليل؟ واضح في أصحاب البدو الرواحل ومن كان على شاكلتهم. أما من عداهم من أصحاب القرية، فقولهم مبني على ماذا؟ على اشتراط العدد، على اشتراط العدد، وهو أن يكون أربعين فصاعدًا. وهذا الشرط لم يشترطه جماعة من أهل العلم. وبناء على هذا أجاز أن تصلى الجمعة ولو في القرية الصغيرة، ولو في القرية الصغيرة يجوز أن يجتمع ولو اثنان على قول جماعة، أو ثلاثة على قول آخرين، أو أربع على قول كذلك طائفة، أو خمسة أو أكثر من ذلك، لهم أن يجتمعوا ويقوم أحدهم فيخطبهم أو فيخطب فيهم ويصلوا جمعة. وهذا هو الذي اختاره الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى. وهذا -والله أعلى وأعلم- أقرب. وهذا أقرب لعدم وجود الدليل على اشتراط القرية، وأن تكون جامعة. بل تصح الصلاة ولو كانت في قرية صغيرة، ما دام فيها من يقيم الجمعة فيها. طيب، مسألة أخرى: كم العدد الذي تنعقد به الجمعة؟ فيه خلاف. فذهب مالك والشافعي وأحمد في رواية إلى أنها لا تنعقد إلا بأربعين فصاعدًا. وهو هذا القول عن عمر بن عبد العزيز وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة. واستدل هؤلاء ببعض الأحاديث والآثار، منها أن مصعب بن عمير رضي الله عنه وأرضاه جمع بالناس المدينة أول ما جمع بهم، وكان عددهم أربعين. فقالوا: فهذا فيه دلالة على ماذا؟ على أن العدد أربعين. وجاء في حديث جابر «أن الجمعة لا تصح إلا من أربعين فصاعدًا» أو بهذا المعنى. والحديث الثاني لا يصح، حديث جابر لا يصح، ضعيف. وحديث مصعب بن عمير كذلك. وعلى فرض صحته، فكما قال العلماء رحمهم الله تعالى: أن هذا حصل وفاقًا، لم يكن عن اشتراطه للعدد. هؤلاء الذين ذهبوا إلى هذا القول يقولون: لو أنه اجتمع تسعة وثلاثون رجلًا حرا مسلمًا عاقلًا بالغًا ذكرًا لأجل أن يصلي الجمعة، لا تصح صلاتهم. لماذا؟ يقول: لأنهم أقل من أربعين. وهذا الشرط ليس عليه برهان. وذهب أحمد في رواية ثانية إلى أنها لا تنعقد إلا بخمسين رجلًا. لما جاء في بعض الروايات بهذا المعنى. وعن أحمد رواية ثالثة: أنها تنعقد بثلاثة، وهو قول الأوزاعي وأبي ثور. قالوا: لأنه يتناول اسم الجمع، فانعقدت به الجماعة الأربعين. ولأن الله قال: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، قالوا: هذه صيغة الجمع، أي في قول «فاسعوا»، صيغة ماذا؟ صيغة جمع، فيدخل فيه ماذا؟ الثلاثة. وهذا كذلك القول اختاره الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وكذلك العلامة العثيمين من المعاصرين. وعن أبي حنيفة أنها تنعقد بأربعة، وعلل ذلك بأن الأربعة لا خلاف فيهم بأنهم جماعة. وذكر تعليلات أخرى. وقال ربيعة: تنعقد باثني عشر رجلًا، واستدل على ذلك بأن الصحابة لما جاءت لما كانوا في يوم جمعة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبهم، جاءت العير من الشام وفيها تجارة، فخرجوا، وما بقى إلا اثنا عشر رجلًا، وفيهم أنزل قول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾. قالوا: فهذا يدل على أنها تنعقد بالاثني عشر رجلًا فصاعدًا. وذهب إبراهيم النخعي: «إذا كان واحدًا مع الإمام صليا الجمعة بخطبة وركعتين». وهو قول الحسن بن حين ومذهب الظاهرية، واختاره الشوكاني. وقال العثيمين: وهو قول قوي. ثم قال: إلا أن ما ذهب إليه شيخ الإسلام أقوى. والأظهر -والله أعلم- أن هذا القول هو الأقوى؛ لأن صلاة الجمعة لا تخالف صلاة الجاعة إلا في أشياء واستثناءات معينة، فدل هذا على أن الجمعة تحصل بما يحصل به الجماعة. وأقل ما يحصل به الجماعة اثنين، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث: «إذا كنتما اثنين فليؤذن لكما أحدكما، وليؤمكما أقرأكما». فالحاصل: أن فيه دلالة على أن الجماعة تقام باثنين. وما صحت فيه صلاة الجماعة، صحت فيه صلاة ماذا؟ الجمعة. ولأن الله عز وجل أطلق القول فقال: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، فهو جمع. وقد جاءت السنة ببيان أن الجماعة تصح باثنين فصاعدًا. فالأصح في هذه المسألة -والله أعلى وأعلم- أن الجمعة تصح برجلين فصاعدًا، كما تصح الجماعة برجلين فصاعدًا. والله أعلى وأعلم وإلهنا سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.