حلية طالب العلم 78

الدرس في حلية طالب العلم 78، ألقاها

مقدمة في التنمر بالعلم وتحبير الكاغد

يناقش المقطع التنمر بالعلم وتحبير الكاغد، حيث يحذر من طلب العلم للجدل والمفاخرة ويشرح معنى التأليف والكتابة. كما يشير إلى أهمية التأليف الجيد الذي يحقق مقاصد معينة.

تحذير الشيخ من التأليف الخالي من الإبداع وأهمية المقاصد

يحذر الشيخ من التأليف الذي يفتقر إلى الإبداع والإضافة العلمية، ويشير إلى ضرورة استكمال أدوات التأليف واكتمال الأهلية قبل الشروع فيه. كما يوضح أهمية وجود هدف واضح وراء التأليف.

أهمية التأليف والتصنيف وعرض العقل للناس

يتناول أهمية التأليف والتصنيف، حيث يشير إلى ضرورة وجود هدف واضح وراء التأليف. كما يذكر قول الإمام الخطيب البغدادي حول التأليف وعرض العقل للناس.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الخصلة أو الحلية السابعة والخمسون، قال: التنمر بالعلم. التنمر بالعلم بمعنى التوثب بالعلم، وإظهار العلم، والمجادلة في العلم لأجل أن يقال: بأن عندك علم، فلان ما شاء الله عنده علم، قد حقق وحرر وأتقن تلك المسائل، فهذا يسمى كما ذكر الشيخ متنمراً، أي كأنه النمر يثب على العلم وثوباً. قال رحمه الله: احذر ما يتسلى به المفلسون من العلم، يراجع مسألة أو مسألتين، فإذا كان في مجلس فيه من يشار إليه أثار البحث فيهما ليظهر علمه، وكم في هذا من سوءه، أقلها أن يعلم أن الناس يعلمون حقيقته. قال: وقد بينت هذا. وقد بينت هذه، أي الخصلة، مع أخواتها في كتاب التعالم، أي للمؤلف الشيخ بكر أبو زيد، عليه رحمة الله. يقول الشيخ رحمه الله تعالى: احذر أن تكون من هذا الصنف ممن يطلب العلم لأجل أن يكون مجادلاً فيه، أن يكون مظهراً لأنه من أهله ومن ذويه، وممن قد أتقن ذلك العلم. فكما ذكر: يراجع مسألة أو مسألتين فيتقنها، فإذا حضر في مجلس فيه من هو أعلم وأشهر بدأ يثير النقاش حول تلك المسألة أو تلك المسألتين حتى يقول الحاضرون: ما شاء الله، فلان ما أعلمه، قد جاء لهذا الشيخ من هاهنا ومن هاهنا من الأدلة والبراهين ما يدل أو ما يدل فيها على أنه ذو علم. والحقيقة أحق أن تقال: بأنه ذو جهل، إذ لو كان من أهل العلم لما تجرأ أن يثير مسائل وأن يثير أموراً في مجلس فيه من هو أعلم وأكبر وأعظم وأجل. ولكن جهل كذلك يفعل بأهله. لذا قال الشيخ: ليظهر علمه. قال: وكم في هذا من سوءه، أي يظهر من سوءات ذلك المتعالم، أقلها أن يعلم أن الناس يعلمون حقيقته. يعني أقل أحواله أن يعلم الناس أنهم يعلمون حقيقته، وذلك لأنه قد يذكر مسألة فيقول: والدليل عليها كذا وكذا، فيقول له العالم: يا بني، يا ولدي، هذا الدليل في مسألة أخرى، إنما هذا الدليل في مسألة مشابهة لها وليس لهذه المسألة، فالفرق بينهما كذا وكذا. قال رحمه الله تعالى، وهو يذكر الحلية الثامنة والخمسين: تحبير الكاغد. ومعنى تحبير الكاغد، كما ذكره الشيخ: الكاغد هو القرطاص، فارسي معرب. ومعنى هذا التأليف، أي تحبيره، بماذا؟ بالحبر، بالكتابة، أن يكتب الإنسان، يبدأ بالتأليف بكتابة السواد على البياض. قال رحمه الله: كما يكون الحذر من التأليف الخالي من الإبداع في مقاصد التأليف الثمانية، والذي نهايته تحبير الكاغد. فالحذر من الاشتغال بالتصنيف قبل استكمال أدواته واكتمال أهليته والنضوج على يد أشياخك، فإنك تسجل به عاراً وتبدي به شناراً. يقول الشيخ رحمه الله: كما يكون الحذر، أي مما ينبغي أن يحذر منه الطالب، العجلة في التأليف، ولا سيما إن كان مبتدئاً أو لم يكن متأهلاً به التأليف. قال: كما يكون حذر من التأليف الخالي من الإبداع، يعني يحذر الشيخ أن يكون تأليفاً خاوياً، كتاب ما شاء الله، تنظر الكتاب عنوان كبير طويل عريض، تأليف فلان ابن فلان، تدخل في الكتاب تقرأ ما تخرج بشيء أو قل ما تخرج بكبير شيء. وأحياناً كما يرى وموجود في الساحة تجد كتاب علق عليه وخرجه وذكر يعني حواشيه وما شابه ذلك فلان ابن فلان، فتنظر إلى الكتاب ما هناك تحقيق من التحقيق العلم، ما هناك تحقيق من التحقيق العلم. فالشيخ رحمه الله تعالى يحذر الطالب من هذا الوصف. قال: احذر أن تكون من هذا النوع ممن إن كتب كتب كتابة من غير فائدة، كما قال الشيخ: خال من الإبداع في ماذا؟ في مقاصد التأليف الثمانية. العلماء رحمهم الله تعالى كما ذكر في الحاشية أن هذه المقاصد، قال: أول من ذكرها ابن حزم في نق العروس، قال: وانظر تسلسل العلماء لذكرها في إضاءة الراموس. وحاصل هذا أن العلماء رحمهم الله تعالى ذكروا أن التأليف له مقاصد لا بد للتأليف من أن تتوفر فيه مقاصد، وبعضهم ذكر ثمانية، وبعضهم ذكر سبعة مقاصد للتأليف. من هذه المقاصد أن يكون التأليف مما هو مستنبط فيه استنباطات، وفيه كذلك حسن ترتيب، تقاسيم وفصول وأبواب وما شابه ذلك. فيكون في التأليف هذا المعنى مبني على تقاسيم فصول أبواب، وكذلك فيه من العلم من الاستنباطات من الخفايا، بحيث أن القارئ إذا قرأ في ذلك الكتاب خرج بفائدة وخرج بعلم. وكذلك من مقاصد التأليف كما ذكر من ذكر من أهل العلم قالوا: أن يقف مثلاً على تآليف لبعض أهل العلم ممن سبقهم إلى ذلك التأليف، ولكنها مستغلقة أي فيها غموض، فيسارع إلى البيان والتوضيح والشرح شرح تلك الكتب وتبيينها. كذلك وتوضيحها وتجريد الغامض منها وما شابها ذلك، هذه كذلك من المقاصد. ومن المقاصد العكس أن يرى كتب مطولة أبحاث كبيرة مطولة، ينظر أن الطالب ربما يتكاسل أو لا تكون الفائدة فيها كبيرة بسبب الطول والإسهاب، فيعمل على اختصارها وعلى تهذيبها وعلى تقريبها للقراء، هذا كذلك مقصد من مقاصد التأليف. وكذلك من المقاصد أن ينظر في فن من الفنون فيرى أنه قد كتب فيه، ولكنه قد أهمل في ذلك الفن بعض الجوانب، فيكمل ذلك النقص، فهذا كذلك من المقاصد في التأليف. وكذلك من المقاصد المذكورة أن يكون التأليف في فن ما منثورة متفرقة، فن واحد ولكن أبحاثه منثورة، هذا ألف في شيء وآخر ألف في شيء، وثالث ألف في أمر ثالث وهكذا. فيعمد إلى جمع ما تشتت من تلك الأبحاث وتلك المسائل فيجعلها في ماذا؟ في مؤلف واحد، هذا كذلك من مقاصد التأليف. وكذلك من مقاصد التأليف أن ينظر في بعض الأبحاث أو بعض المسائل العلمية أو العملية المذكورة في الكتب، فيرى أن بعض من صنف أو ألف في ذلك الفن المعين أخطأ في مسائل، فرأى أن يبين ذلك الخطأ ويوضح ذلك الزلل نصحاً لله ولدينه ولعلماء المسلمين وعامتهم. فيكون المقصد من ذلك تبيين الخطأ والتعقيد، فهذه بعض أو فهذه جملة من المقاصد التي ينبغي أن تراعى في التأليف. بمعنى أن الإنسان إذا ألف أراد أن يكتب فيه أمر ما، فلينظر ما المقصد؟ لماذا يكتب في هذه المسألة أو في هذا البحر أو كتاب بهذا الكتاب؟ لماذا يكتب؟ هل لأجل مقصد من المقاصد المعلومة عند أهل العلم أم أنها أمور لا طائلة تحتها ولا فائدة وراءها؟ وكثير من أهل العلم، ولا سيما من المعاصرين رحمهم الله تعالى، كالعلامة العثيمين، وكذلك كشيخه العلامة مقبل بن هادي الوادعي، كان ينصحون الطلبة بالعناية بالكتب المتقدمة شرحاً وتوضيحاً، من فتح الله جل وعلا عليه بالعلم، فاستطاع أن يشرح من الكتب المؤلفة المصنفة التي قد صنفها الأئمة وصنفها العلماء، فيشرحها شرحاً يقرب للقراء ما خفي من تلك المسائل ومن تلك العلوم ومن تلك الكنوز التي في تلك المؤلفات والمصنفات. قال رحمه الله تعالى: فالحذر من الاشتغال بالتصنيف قبل استكمال أدواته، وهذا تحذير ينبغي أن يعلم، ينبغي للطالب أن لا يستعجل في التأليف ولم يستكمل أدوات العلم. قال: واكتمال أهليتك والنضوج على يد أشياخك، فإنك تسجل به عاراً وتبدي به شناراً. بمعنى أن الإنسان لو استعجل في التأليف سيجد القراء في تأليفه العجب العجاب الدال على ضعفه وهزله العلمي. قال رحمه الله تعالى: أما الاشتغال بالتأليف النافع لمن قامت أهليته واستكمل أدواته وتعددت معارفه وتمرس به بحثاً ومراجعة ومطالعة وجرداً لمطولاته وحفظاً لمختصراته واستذكاراً لمسائل، فهو من أفضل ما يقوم به النبلاء من الفضلاء. قال رحمه الله تعالى: ولا تنسى قول الخطيب: من صنف فقد جعل عقله على طبق يعرضه على الناس. وهذه مقالة قد اشتهرت على الإمام الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى، وهي كما قال: أن الإنسان إذا ألف كأنه يقول للناس: هذا عقلي، فانظروا إلى عقلي، هل هو عقل نير عقل مستكمل أو عقل قد نضج أم لا؟ فيرى الناس فيه ما قد يكون خافياً. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على