حلية طالب العلم 46

الدرس في حلية طالب العلم 46، ألقاها

أهمية انتقاء الجليس الصالح في طلب العلم

يتناول أهمية اختيار الجليس الصالح وتأثيره الإيجابي على الإنسان، ويحذر من صحبة السوء وتأثيرها السلبي. يُبين أن الجليس الصالح يعين على الخير ويقرب إلى الله.

تصنيف الأصدقاء وخطورة مصاحبة رفيق السوء

يُنبه إلى خطورة مصاحبة رفيق السوء ويبين أهمية اختيار الصديق الصالح. يُصنف الأصدقاء إلى ثلاثة أقسام: صديق منفعة، وصديق لذة، وصديق فضيلة.

صديق الفضيلة وأهميته الدائمة

يناقش أهمية صديق الفضيلة الذي يعين على الخير والبر، ويعتبره الصداقة النافعة المستمرة في الدنيا والآخرة. يشير إلى أن الصداقات الأخرى غالبًا ما تنقطع عند زوال موجبها.

ختام بالدعاء والصلاة على النبي

يعبر عن رغبة في التوفيق من الله ويختم بالصلاة على النبي. يشير إلى أهمية طلب مرضاة الله والتوفيق الإلهي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فمواصلة لدرسنا في «حلية طالب العلم»، قال الشيخ رحمه الله تعالى: الفصل الرابع: أدب الزمالة، أي مما ينبغي أن يحرص عليه طالب العلم في سيره في طلب العلم أن ينظر إلى الصاحب وإلى الصديق وإلى الجليس، فينتقي من يكون جليسًا له وصديقًا له ومصاحبًا له في طلب العلم. لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء، كحامل المسك أو نافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحًا منتنة». إذا كان الجليس جليسًا صالحًا، فلا يجد منه الإنسان إلا الخير، فحيث كان في كل مكان وفي كل زمان يجده هذا الخير، إما أن يحذيك -أن يعطيك طيبًا- وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، فأنت في طيب إما بالمجاورة وإما بالإعطاء. والجليس السوء بالعكس، إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحًا منتنة. والنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كذلك يقول كما في السنة، من حديث أبي هريرة، قال: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل، لا تسأل عن المرء واسأل عن خليله، إن الجليس بالمجالس يُعرف، فإن القرين بالمقارن يُعرف». الإنسان يُعرف بقرينه وبجليسه، إن كان خيرًا علم أنه خير، وإن كان سيئًا علم أنه سيئ. لذا حرص الإسلام على هذا الأمر أن ينظر الإنسان إلى الجليس الصالح فيلازمه ويحافظ عليه، أشد من المحافظة على الذهب والفضة، لأن الصديق والجليس الصالح أغلى وأنفع لك في دينك ودنياك من الذهب الخالص. قال الشيخ رحمه الله تعالى: «احذر قرين سوء»، وهذا مأخوذ مما تقدم، وكذلك من الأدلة العامة في القرآن، قال ربنا جل وعلا: ﴿يَوْمَ يَعَضُ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾. شاهدون من هذا قول الله جل وعلا عن هذا المتحسر: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾. احذر خليل سوء وجليس السوء ومصاحب السوء. قال الشيخ رحمه الله تعالى: «كما أن العرق دساس، فإن أدب السوء دساس». كما أن العرق دساس -وقد جاء في هذا حديث موضوع- العرق دساس، ومعنى هذا أن الإنسان إن تزوج من امرأة سوء أو عرف أهلها بالسوء، فيتوقع أن يكون في أبنائه من يكون كذلك، لأن العرق دساس. وإن لم يصح الحديث، ولكن قد ثبت في الواقع لهذا مظاهر لهذا المعنى. وأيضًا قال: «فإن أدب السوء دساس»، كذلك جاء في هذا حديث موضوع: «أدب السوء دساس»، معنى أن الإنسان يتطبع بأدب السوء من حيث لا يشعر، بالمجالسة بمخالطة صديق السوء وحميم السوء وصاحب السوء، يتطبع بأخلاقه السيئة من حيث لا يشعر. وكما سمعتم في الحديث السابق: «ومثل الجليس السيئ كنافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحًا خبيثة». فلهذا كما ترون الحديث، وإن لم يكن ثابتًا عن النبي صلى الله عليه وسلم بل هو موضوع، لكن الأدلة العامة تدل على معناه. قال رحمه الله تعالى: «إذ الطبيعة نقالة»، أي ينتقل الطبع من شخص إلى آخر بالملاقاة والمصاحبة والمخالطة. قال: «والطباع سراقة»، كذلك المعنى كسابقه. قال: «والناس كأسراب القطيع، مجبولون على تشبه بعضهم ببعض»، على تشبه بعضهم ببعض، هذا يتطبع بطابع هذا، وهذا يتطبع بطابع هذا. قال: «فاحذر معاشرة من كان كذلك»، أي من كان من أهل السوء، خشية أن تتطبع بطباع السوء. قال: «فإنه العطب»، أي الفساد والهلاك والمرض والعاهات. قال: «والدفع أسهل من الرفع»، دفع الشيء قبل وقوعه أسهل من رفعه بعد وقوعه. وهذه قاعدة فقهية يذكرها الفقهاء ولها أمثلة كثيرة ذكرها الفقهاء رحمهم الله تعالى في كتب الفقه، أو في كتب القواعد الفقهية، كما ذكرها الإمام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في «كتاب القواعد»، وكذلك ذكرها السبكي في كتابه «الأشباه والنظائر»، وغيرهم ممن ألف في كتب في قواعد الفقه. وفي معناها: «الوقاية خير من العلاج»، أن تقي نفسك من المرض أسهل من أن تعالج نفسك بعد أن ينزل بك المرض، والتجربة خير برهان. قال رحمه الله تعالى: «وعليك بتخير للزمالة والصداقة من يعينك على مطالبك، ويقربك إلى ربك، ويوافقك على شريف غرضك ومقصدك». وخذ تقاسيم الصديق في أدق المعايير. الشيخ رحمه الله تعالى يقول: إذا علم هذا، فلينبغي لطالب العلم أن يحرص على الصديق الطيب الصالح النافع، الذي يعينك على نوائب الخير، ويدلك على أبواب الخير، ويغلق أمامك أبواب الشر. فما من خير يعرفه لك إلا ويعينك عليه ويدلك عليه، هذا ينبغي للإنسان أن يعض عليه بالنواجذ، وأن يحرص عليه غاية الحرص. وأما القسم الثاني، وهو جليس السوء، فليحذر منه غاية الحذر، لأنه سم يسرى في قصدك وفي خلقك من حيث تشعر أو لا تشعر. قال رحمه الله تعالى: «وخذ تقاسيم الصديق في أدق المعايير»، أي أن الصديق على أقسام. وذكر الشيخ رحمه الله تعالى هاهنا أقسامًا ثلاثة، قال: «صديق منفعة»، «وصديق لذة»، «والثالث صديق فضيلة». «صديق المنفعة» هو أن يصادق الإنسان إنسانًا آخر لمنفعة دنيوية، لأجل غرض مال، لأجل أن ينال جاهًا، لأجل أن يجد شهرة، وما شابه ذلك. هذه الصداقة منقطعة ليست موصلة، لماذا؟ لأنها مبنية على غرض، فمتى ذهب ذلك الغرض انقطعت تلك الصداقة. قال: «وصديق لذة»، أن يجالس وأن يصادق الرجل رجلًا لأجل اللذة، أي أنس في الطبع، هذا يرتاح لهذا في طبعه، هذا عنده نوع -مثلًا- من الفكاهة، عنده شيء من الثقافة، فيحب أن يجالس لأجل هذا المعنى، لذة يتلذذ بمجالسة هذا الصديق. وهذا كذلك منقطع، لأن مبناه على لذة، سواء كانت لذة مشروعة أو كانت لذة ممنوعة. القسم الثالث: «صديق فضيلة»، وهذا هو الذي ينبغي للإنسان أن يحرص عليه، صديق الفضيلة، وهو الذي يعينك على كل بر وفضيلة، يعينك على كل بر وفضيلة، فما من باب من أبواب الخير إلا وهو ساع في إرشادك إليه وفي دلالتك عليه. فهذا هو الصديق الذي ينبغي أن يحرص عليه الإنسان غاية الحرص. لذا قال الشيخ رحمه الله: «فالأولان منقطعان بانقطاع موجبهما»، الأولان: صديق المنفعة وصديق اللذة، منقطعان بانقطاع موجبهما، إذا انقطع الموجب: النفع في الأول، واللذة في الثاني، ذهبت تلك الصداقة. قال: «وأما الثالث فالتعويل عليه»، وهو الذي باعث صداقته: تبادل الاعتقاد في رسوخ الفضائل، لذا كل منهما يعين أخاه على الخير والبر، والآخر يعين أخاه على البر والخير. هذه هي الصداقة النافعة المستمرة في الدنيا، وكذلك المستمرة في الآخرة، يوم أن يلقى الإنسان ربه جل وعلا، قال ربنا جل في علاه: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾. فأهل التقوى مستمرة خلتهم وصحبتهم، لأنهم تحابوا وتصاحبوا وتصادقوا لأجل الله جل وعلا، في الله جل وعلا، ولأجل الله سبحانه وتعالى، فهي المحبة النافعة المستمرة، وما عداها فإنها مقطعة مضمحلة. قال رحمه الله تعالى: «وصديق الفضيلة هذا عملة صعبة»، اسمع يا طالب العلم إلى هذا الكلام، يقول الشيخ رحمه الله تعالى: «وأما الثالث فالتعويل عليه»، وهو الذي باعث صداقته: تبادل الاعتقاد في رسوخ الفضائل لدى كل منهما. «وصديق الفضيلة هذا عملة صعبة»، يعز الحصول عليها لقلتها، لقلة هذا الصنف. فينبغي لطالب العلم أن يحرص أولًا على البحث عن الصديق، عن هذا النوع من الأصدقاء، صديق يعينك على طاعة ربك جل وعلا، يدلك على مرضاة ربك جل وعلا، يفتح أمامك أبواب البر والطاعات، ويغلق أمامك جميع أبواب الشر والمنكرات. فما من خير يعرفه لك إلا وعاونك عليه، وما من شر يحذره أو يخشاه عليك إلا حذرك منه ونهاك عنه، فهذا الذي يحرص عليه. قال رحمه الله تعالى: «ومن نفيس كلام هشام بن عبد الملك رحمه الله تعالى قوله: ما بقي من لذات الدنيا شيء إلا أخ أرفع مؤنة التحفظ بيني وبينه»، أي إذا كان هذا في زمن هشام بن عبد الملك -أي في زمن التابعين أو قريب من ذلك- يقول: «ما بقي من لذات الدنيا شيء إلا أخ»، أي صديق، «أرفع مؤنة التحفظ»، أي لا أخشى ولا أحذر في أن أذكر له ما يجول في نفسي من الأمور، لأنه حافظ لي ومعين لي على نوائب الخير. قال: «ومن لطيف ما يقال قول بعضهم: العزلة من غير عين العلم زلة، ومن غير زهد علة». العزلة من غير عين العلم -أي عزلة من اعتزل عن الناس- لكن من غير علم، هل تنفع هذه العزلة؟ الجواب: لا تنفع هذه العزلة، لماذا؟ لأنه جاهل، قد يتخبطه الشيطان ويتخبطه، لماذا؟ لأنه انعزل عن الناس عن المجتمع، وما عنده علم، فيكون لقمة سائغة للشيطان. وأيضًا قال: «ومن غير زهد علة»، أيضًا من اعتزل الناس من غير زهد، هذه كذلك ماذا؟ علة، وليست منقبة ولا فضيلة. نسأل الله جل وعلا أن يوفقنا جميعًا لمرضاته. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحابته أجمعين.

شاركنا على