التعليق على شرح الأربعين النووية  11

التعليق على شرح الأربعين النووية 11

الدرس في التعليق على شرح الأربعين النووية 11، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

شرح دلالة أداة الشرط والفرق بين الأمر والنهي

يشرح الشيخ ابن عثيمين دلالة أداة الشرط (ما) في الحديث، مبيناً أن النهي يقتضي الاجتناب المطلق لسهولته على الجميع، بينما الأمر مقيد بالاستطاعة مراعاة للمشقة، ويضرب مثالاً بسقوط وجوب القيام في الصلاة عن المريض للعجز، في حين لا يرخص في المحرمات كشرب الخمر إلا للضرورة القصوى.

فوائد حديث ما نهيتكم عنه فاجتنبوه

يستعرض المقطع فوائد الحديث النبوي الذي يأمر باجتناب النواهي كلها وفعل الأوامر بقدر الاستطاعة، مبيناً أن الأصل في النهي التحريم وفي الأمر الوجوب إلا بدليل يصرفهما، وأن المحرمات تبيحها الضرورة بقدرها، وأن الشريعة الإسلامية تتسم باليسر وعدم التكليف بما لا يُطاق.

يسر الإسلام وتيسير العبادات في الشريعة

يبيّن المقطع أن الله لم يكلف العباد إلا ما يطيقون، مستشهداً بآيات التيسير في الصلاة والطهارة والصيام والحج، وأن العاجز يأتي بما يقدر عليه، كما يحذر من كثرة المسائل والجدل لأنها سبب لهلاك الأمم السابقة وتفرق المسلمين.

تحذير من كثرة المسائل والاختلاف المفضي للتفرق

يشير المقطع إلى أن الحديث النبوي يتضمن تحذيراً من الإكثار من المسائل والاختلافات التي تؤدي إلى التفرق بين المسلمين، ويختتم المتحدث بالاكتفاء بهذا القدر من البيان.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، وصلاتنا على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. بعد: إن شاء الله نقرأ شرح الحديث التاسع مما ذكره العلامة ابن العثيمين رحمه الله تعالى بشرحه لهذا الحديث. قال الشيخ ابن العثيمين عليه رحمة الله: قال: "ما في قوله: ما نهيتكم، وفي قوله: ما أمرتكم، شرطية". يعني: الشيء الذي نهيتكم عنه فاجتنبوه كله، ولا تفعلوا منه شيئًا. فـ "ما" في اللغة العربية تأتي شرطية، فتحتاج إلى فعل الشرط وجوابه. مثل ما تقول: "ما تصنع تجزى به". أين فعل الشرط؟ "تصنع". أين جواب الشرط؟ "تجزى". فـ "ما" من أدوات الشرط التي تجزم فعلين، تحتاج إلى فعل الشرط وجواب الشرط. فهنا "ما" في قوله: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه"، و"ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم"، شرطية. أين فعل الشرط؟ فعل الشرط هنا جملة في محل جزم؛ لأن الشرط هنا جاء فعل ماضٍ، ولم يأتِ فعل مضارع، فتكون الجملة في محل جزم لفعل الشرط. ومثله في الجواب: "فاجتنبوه"، هذا هو جواب الشرط، فجاء هنا فعل أمر في محل جزم جواب الشرط. ومثله: "وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم". "ما" أيضًا هنا شرطية، فشرط النهي الاجتناب، وشرط الأمر الإتيان به حسب الاستطاعة. هذا هو المراد. قال: لأن الاجتناب أسهل من الفعل، وكل يدركه. وأما المأمور فقال: "وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم"، لأن المأمور فعل، وقد يشق على الإنسان، ولذلك قيده النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "فأتوا منه ما استطعتم". وهذا من تيسير هذه الشريعة؛ الأمر سهل الشرع فيه: "فأتوا منه ما استطعتم"، لأنه يشق على الإنسان أن يأتي بكل أمر أمر الله عز وجل به، فوسع الله سبحانه وتعالى في ذلك، وجعل الأمر على قدر الاستطاعة. الاستطاعة الشرعية: الاستطاعة لا تكون بحسب الهوى، ولا بحسب اجتهاد الشخص، وإنما الاستطاعة بحسب الشرع. فمثلًا: القيام في الصلاة أمر، القيام في الصلاة أمر. فمن لم يستطع القيام جاز له الجلوس. طيب، قد يقول قائل: ما ضابط عدم الاستطاعة في القيام؟ نقول: الضابط في ذلك المشقة. فلو كنت مريضًا وما تستطيع أن تقف في الصلاة، عندك ألم في رجلك، أو عندك بواسير، كما جاء في حديث عمران بن حسين لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب». طيب، فهنا أسقط النبي صلى الله عليه وسلم وجوب القيام؛ لأن هناك سببًا في إسقاط هذا المأمور، وهو المرض. فهكذا من كان مريضًا ولم يستطع القيام جاز له الجلوس، سقط عنه هذا الأمر، وهذا من التيسير. أما في النهي: فلأن النهي تركه سهل، ما فيه مشقة، الكل يستطيعه، كما قال: «وكل يدركه». فنهى الله سبحانه وتعالى عن شرب الخمر، فالكل يستطيع أن يبتعد عن هذا؛ لأن هناك ما يقوم مقام هذا الشراب الخبيث من الأشربة الطيبة النافعة التي لا تضر. ولا يجوز فعل المنهي عنه إلا للضرورة، كالهلاك أو إلى غير ذلك، وهذه أحوال ضيقة جدًا. فالأمر سهل الشرع فيه؛ لأنه يشق على الإنسان أن يأتي بجميع الأمر. أما النهي فلا يرخص فيه، فلا يرخص منه في شيء إلا للضرورة القصوى؛ لأن ترك النهي كل يدركه وكل يستطيعه. هذا معنى الحديث: "ما أمرتكم... ما نهيتكم عنه فاجتنبوه". تعدوا عنه، ما قيده بالاستطاعة؛ لأنه أمر سهل. "وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم"، قيده بالاستطاعة. «فاتقوا الله ما استطعتم». قال: ويستفاد من هذا الحديث فوائد. فوائد الحديث: قال: منها وجوب اجتناب ما نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عنه، وكذلك ما نهى الله عنه من باب أولى. وهذا ما لم يدل دليل على أن النهي للكراهة. فما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه فهو كالذي نهى عنه ربنا سبحانه وتعالى؛ لأن الله أمر بطاعة ذلكم الرسول. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ [الحشر: 7]. فما أمر به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو كالذي أمر به ربنا سبحانه وتعالى، وما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كالذي ينهى عنه ربنا سبحانه وتعالى. وأما قوله: "ما لم يدل دليل على أن النهي للكراهة"، يعني أن الأصل في النهي للتحريم، الأصل في النهي للتحريم. وهذا موضعه في كتب الأصول، إلا ما دل الدليل على أن هذا النهي ليس للتحريم بل هو للكراهة. وهناك صوارف تصرف النهي من معنى التحريم إلى النهي بمعنى الكراهة، فهذا يطلب في مواضعه ومضانه. قال: ومنها -يعني من فوائد هذا الحديث- أنه لا يجوز فعل بعض المنهي عنه، بل يجب اجتنابه كله، بل يجب اجتنابه كله. ومحل ذلك ما لم يكن هناك ضرورة تبيح فعله. وهذا كما تقدم: أنه يجب اجتنابه كله، ما يجوز أن يفعل منه شيء إلا للضرورة. كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ ﴾ [المائدة: 3] إلى آخره، ثم قال: ﴿ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ﴾ [المائدة: 3]. يعني وقت ضرورة: إنسان حرم عليه لحم الميتة، وهو في مكان قد بلغ به الجوع مبلغًا، ولم يوجد عنده من الطعام الطيب الحلال، فهو بين خيارين: إما أن يهلك بسبب الجوع، وإما أن يأكل من هذا المحرم فينقذ نفسه من الموت. فأيهما يختار؟ يختار الثاني: يأكل من هذه الميتة. والضرورة تقدر بقدرها، يأكل بقدر ما يكون سببًا في بقاء حياته. فهذا أمر نهى الله عز وجل عنه: أكل الميتة، لكن في هذه الحال من باب الضرورة يجوز له أن يأكل منها. هذا معنى قوله: "وما لم يكن هناك ضرورة تبيح فعله". قال: ومنها وجوب فعل ما أمر به. قال: ومنها وجوب فعل ما أمر به. ومحل ذلك ما لم يقم دليل على أن الأمر للاستحباب. مثل ما تقدم في النهي: الأصل في الأمر للوجوب. إذا أمر الله أو أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأمر، الأصل في هذا الأمر أنه للوجوب، إلا إذا جاء صوارف تصرف هذا الوجوب إلى الاستحباب. إنكم كما تعلمون في الأحكام الشرعية أنها خمسة: واجب، ومحرم، ومستحب، ومكروه، ومباح. وهذا يطلب في كتب الأصول. قال: ومنها أنه لا يجب على الإنسان أكثر مما يستطيع. وهذا من تيسير هذه الشريعة. أنت الواجب عليك أن تفعل ما تستطيعه، وما لم تستطيعه فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. رخص الشارع في ذلك. قال: ومنها سهولة هذا الدين الإسلامي، حيث لم يوجب على المرء إلا ما يستطيعه. وهذا ينبغي للمسلم أن يزداد محبة لهذا الدين وتمسكًا بهذا الدين؛ إذ أن الله سبحانه وتعالى لم يكلف العباد ما لا يستطيعون. سهل هذا الدين. الله عز وجل يقول: ﴿ مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ [الحج: 78]. والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ [البقرة: 185]. انظر في الصلاة: كم من التخفيفات وكم من التسهيلات في أفعال الصلاة، وفي كذلك بعض ما يتعلق بأحكام الصلاة. إذا ما تستطيع تصلي قائمًا تصلي جالسًا. في الطهارة: إذا خفت على نفسك الهلاك من استخدام الماء جاز لك التيمم. تسهيل كذلك في الصلاة: ما تستطيع أن تسجد تؤمئ إيماءً. في السفينة: أنت تصلي والموج متلاطم والرياح شديدة، وإن صليت قائمًا خفت على نفسك من الهلاك، جاز لك أن تصلي جالسًا. تيسير، سهولة. وهكذا كم من الأحكام في الصيام: كذلك في الصيام يجوز الفطر للمسافر تيسيرًا؛ لأن السفر قد يكون فيه مشقة، ويكون فيه كذلك إجهاد للصائم، فجاء الإسلام بالتيسير. هكذا كنت مريضًا يجوز لك الإفطار، وإلى غير ذلك. أيضًا في الحج: لا يجب الحج إلا في العمر مرة، وهذه المرة أيضًا على قدر الاستطاعة. ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ﴾ [آل عمران: 97]. إن استطعت تذهب، ما استطعت لا حرج عليك. انظر سهولة ويسر ورفع حرج، وهذا من عظيم هذا الدين. قال: ومنها أن من عجز عن بعض المأمور كفاه أن يأتي بما قدر عليه منه. فمن لم يستطع الصلاة قائمًا صلى قاعدًا، ومن لم يستطع قاعدًا صلى على جنب، ومن أمكنه أن يركع فليركع، ومن لا يمكنه فليؤمئ بالركوع، وهكذا بقية العبادات يأتي الإنسان منها بما يستطيع. وهذا قد تقدم. قال: ومنها أنه لا ينبغي للإنسان كثرة المسائل؛ لأن كثرة المسائل ولا سيما في زمن الوحي ربما توجب تحريم شيء لم يحرم، أو إيجاب شيء لم يجب. وإنما يقتصر الإنسان في السؤال على ما يحتاج إليه فقط. يعني: لا يسأل سؤال تعنت، لا يسأل سؤال جدال، وإنما يسأل سؤال إرشاد وفائدة وعلم. فلا يكثر المسائل في الأمور التي يريد منها مثلًا إظهار الجدل، أو المراء، أو التشدد في بعض المسائل. فهذا مما نهى عنه الشرع، ومما يدل عليه هذا الحديث، لا سيما في زمن الوحي. وقد قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ ﴾ [المائدة: 101]. وقالوا: إن كثرة المسائل والاختلاف على الأنبياء من أسباب الهلاك، كما هلك بذلك من كان قبلنا. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإنما أهلك الذين من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم». فكثرة المسائل التي تنبئ من خلالها الجدال والاختلاف، هذا من أعظم أسباب الهلاك. ولذلك جاء الإسلام بذم التفرق والاختلاف؛ لأن التفرق والاختلاف من أعظم أسباب الفرقة، من أعظم أسباب الفرقة والتنازع. ﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾ [الأنفال: 46]. فجاء الإسلام بالتحذير من كثرة المسائل وكذلك التفرق والاختلاف. قالوا: منها التحذير من كثرة المسائل والاختلاف؛ لأن ذلك أهلك من كان قبلنا. فإذا فعلناه فإنه يوشك أن نهلك كما هلكوا. فهذا الحديث جاء فيه التحذير، جاء فيه التحذير من سلوك هذا المسلك، وهو كثرة المسائل وكثرة الاختلاف وكذلك التفرق. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.