الدرس في التعليق على شرح الأربعين النووية 12، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح الشيخ ابن عثيمين أن الله طيب في ذاته وصفاته وأفعاله، فلا يقبل من العمل والصدقة إلا ما كان طيباً في ذاته ومكتسباً بطيب. ويؤكد أن الصدقة من مال حرام ك الربا أو السرقة غير مقبولة مستدلاً بأمر الله الرسل والمؤمنين بالأكل من الطيبات.
أجاز بعض العلماء لمن تاب من الربا صرف ماله الربوي في مشروعات قذرة كالمجاري والطرقات للتخلص منه، لأن المال الخبيث لا يُحرق ولا يُتلف. وبيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن آكل الحرام لا يستجاب دعاؤه حتى مع توفر أسباب الإجابة كطول السفر والاشعثاغبرة ورفع اليدين.
يُعد التوسل بلفظ الربوبية «يا رب يا رب» سبباً رابعاً لإجابة الدعاء، وينقسم التوسل المشروع إلى ثلاثة أنواع: بأسماء الله وصفاته، بالأعمال الصالحة، وب دعاء الرجل الصالح. ومع ذلك قد لا تُجاب دعوة من توسل بهذه الوسائل إذا كان مطعمه وملبسه من حرام، مما يجعل الكسب الطيب من أعظم أسباب الإجابة.
يؤكد المقطع أن طيب الكسب سبب لقبول الدعوة، فمن طاب كسبه قبلت دعوته. ويختتم بالحمد لله مع ذكر اسم المترجمة.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإن شاء الله نقرأ شرح العلامة ابن عثيمين عليه رحمة الله لهذا الحديث. قال الشيخ ابن عثيمين: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً". قال: طيب في ذاته، طيب في صفاته، وطيب في أفعاله. فالله سبحانه وتعالى طيب في هذه الخصال الثلاث. الله عز وجل طيب في ذاته، وكذلك في صفاته، وصفاته كلها طيبة. وهكذا طيب في أفعاله، فأفعاله كلها طيبة، وإن كان ظاهرها عند بعض الخلق أنها غير ذلك، ولكن في تقدير الله سبحانه وتعالى أن هذا الفعل خير لذلك المخلوق، خير له. فالله سبحانه وتعالى في جميع هذه الأمور الثلاثة: في الذات، وفي الصفات، وفي الأفعال. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. فساد البر والبحر في نظر كثير من الناس أمر غير طيب، صح. لكن الله عز وجل قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. فرجوع الخلق أمر طيب، أو ليس بطيب؟ أمر طيب. فإذا فعل الله عز وجل ذلك فهو طيب؛ لأن فيه رجوعاً للخلق إلى الله سبحانه وتعالى. فأفعاله عز وجل كلها طيبة سبحانه وتعالى. فإن الله طيب، ثم قال: "لا يقبل إلا طيباً". فقال: ولا يقبل إلا طيباً في ذاته، يعني ذاته طيبة، ما فيها شيء خبث من المخلوقات. لا يقبل إلا الشيء الطيب في ذاته، وطيب في كسبه، يكون كسبه طيباً، ما فيه رشوة، وما فيه سرقة، وما فيه كذب، وما فيه حلف بيمين الكذب، وما فيه خداع، وما فيه غش، وما فيه ربا، وإلى غير ذلك. كسبه طيب حلال. قال: "وأما الخبيث في ذاته كَالْخَمْرِ"، الخمر خبيثة في ذاتها، فهي غير طيبة، فالله سبحانه وتعالى لا يقبل من الشارب شربه لهذا الخمر، بل هذه كبيرة ومعصية يأثم فاعلها. قال: "أو في كسبه كالمكتسب بالرِّبَا"، فإن الله تعالى لا يقبله. ﴿إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ﴾. يعني أن الآيتين فيهما أمر: الآية الأولى أمر للمرسلين بماذا؟ بأن ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾، بأن يأكلوا من الطيبات. والآية الثانية فيها أمر للمؤمنين بنفس الأمر الأول الذي أمر الله عز وجل به المرسلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. فانظر: أمر الله المؤمنين بما أمر به المرسلين، وهو أن يأكل الجميع من الطيب، أن يأكل الجميع من الطيبات. قال: فأمر الله تعالى للرسل وأمره للمؤمنين واحد، أن يأكلوا من الطيبات. وأما الخبائث فإنها حرام عليهم، لقوله تعالى في وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾. الخبيث محرم؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، سواء كان في ذاته أو في كسبه، أو في كسبه، كما بيّن الشيخ رحمه الله تعالى. فهذا معنى قول الله عز وجل... فهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين"، فذكر الآيتين. فلو أن إنساناً جمع مالاً كثيراً لكنه من كسب خبيث: كسرقة، أو رشوة، أو بيع محرم، بيع خمور، أو بيع مخدرات، ولو بيع مخدرات بمليارات الريالات، ثم قال: "أنا سأبني بيتاً لله مسجداً، أو أنا سأتصدق على الفقراء"، فيقال له: ماذا؟ لا يقبل الله منك هذه الصدقة. لماذا؟ لأنها صدقة أصلها خبيث. صح: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً". ولذلك العلماء منعوا أن تبنى المساجد من الربا، قالوا: ما يجوز. وبعض أهل العلم في حالات ضيقة أجازوا أن تنفق أموال الربا في الأمور التي فيها خبث، كمثلاً: عمل المجاري، أو البيارات، بيارات المجاري، أو الطرقات التي توطأ، أو إلى غير ذلك. وأما غير ذلك من الأمور الطيبة فمنع العلماء من ذلك، منع العلماء من ذلك. طبعاً: أجاز هذا لمن تاب من الربا وعنده مال ربوي، ماذا يفعل به؟ هل يحرقه؟ هل مثلاً يتصدق به أو ماذا يفعل به؟ قالوا: حتى تتخلص من هذا المال، لأن ما يجوز حرقه هو مال، لا يحرق ولا كذلك يتلف. فقالوا: يجعل هذا المال في أمور خبيثة؛ لأنه خبيث: بيارة فيها هذه القاذورات، أو مجاري فيها هذه القاذورات، أو طريق توطأ وتمر فيها ربما بعض الحيوانات، وهكذا إلى غير ذلك. فالمهم: هذا يدلك على ماذا؟ يدلك على أن الكسب الخبيث لا يقبله الله. الكسب الخبيث لا يقبله الله. "إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، لا يقبل إلا طيباً". قال: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الرجل الذي يأكل الحرام، يعني: بيّن أثر أكل الحرام على الفرد، أن أمره عظيم، وأن آكل الحرام لا يقبل الله عبادته، ومنها الدعاء: لا يقبل الله دعاءه، ولا يستجيب له. قال: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الرجل الذي يأكل الحرام، أنه تبعد إجابة دعائه، وإن وجدت منه أسباب الإجابة. يعني: هذا الرجل اتخذ أسباباً عظيمة من أسباب إجابة الدعاء، أسباباً عظيمة كما ذكرت في هذا الحديث، وسيشير إليها الشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله. قال: "وإن وجدت منه أسباب الإجابة: يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء، يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟". هذا الرجل اتصف بأربع صفات، وكل هذه الصفات من صفات إجابة الدعاء، ومع هذا لا يستجاب لدعائه. لماذا ما يستجاب لدعائه؟ لأن كسبه خبيث، لأن كسبه خبيث. مع توفر هذه الدواعي وأسباب إجابة الدعاء، إلا أن الله عز وجل لا يقبل دعاءه؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً. قال: الأولى: بأنه يطيل السفر، والسفر مظنة إجابة الداعي. وقد ورد في هذا الحديث... الحديث عن أبي هريرة مشهور في الأدب المفرد للإمام البخاري: "ثلاثة لا ترد لهم دعوة"، وذكر منهم المسافر. فمن أسباب إجابة الدعاء السفر. إنسان إذا هو مسافر، هذا سبب من أسباب... إجابة الدعاء. فهذا الرجل أول سبب من أسباب إجابة الدعاء كان متحلياً به: السفر، مسافر. قال: والثاني: أنه أشعث أغبر. والله تعالى عند المنكسرة قلوبهم من أجله، وهو ينظر إلى عبادي يوم عرفة ويقول: "أتوني شعثاً غبراً". وهذا من أسباب الإجابة أيضاً. أي: أنه أشعث أغبر من أجل ما هو فيه من التعب، ومن السفر، ومن كذلك سوء الحال. فالله سبحانه وتعالى قد أخبر في يوم عرفة أنه يغفر لأهل الموقف، لماذا؟ لأنهم أتوه شعثاً غبراً، شعثاً غبراً من أثر ما هم فيه من إجابة النداء لأداء حج بيت الله الحرام. فهذا سبب ثانٍ من أسباب إجابة الدعاء: أنه أشعث أغبر. قال: الثالث: أنه يمد يديه إلى السماء. ومد اليدين إلى السماء من أسباب الإجابة، وإن الله سبحانه وتعالى يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً. وقد ورد في هذا حديث سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "إن الله حيي كريم، يستحي من عبده أن يمد إليه يديه ثم يردهما صفراً، ثم يردهما صفراً". فمن أسباب إجابة الدعاء رفع اليدين، ومد اليدين في الدعاء، وكما هو فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإذا هذا سبب ثالث من أسباب... إجابة الدعاء. قال: الرابع: دعاؤه إياه: "يا رب يا رب". وهذا توسل إلى الله بربوبيته، وهو من أسباب الإجابة. ولكنه لا تجاب دعوته. طيب: هذا أيضاً الموجب الرابع من أسباب قبول الدعاء، التوسل بلفظ الربوبية: "يا رب يا رب". والتوسل المشروع ثلاثة أنواع... أنواع. صح، ما هو توسل... التوسل بأسمائه وصفاته، وهذا هو الذي بين أيدينا: توسل باسم الله "الرب" سبحانه وتعالى: "يا ربي يا ربي". طيب. بلفظ الربوبية، الثاني من التوسل المشروع... ها، لا... التوسل المشروع له ثلاثة: نعم. ها: التوسل بالإيمان... لا، عم... من هذا يقول: التوسل بالعمل الصالح. التوسل بالعمل الصالح، سواء كان الإيمان، أو بر الوالدين، أو كذلك الصلاة، أو الاستقامة، أو إلى غير ذلك: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾. ما علاق... لا تتحدث... سالم، ما علاق... لا تتحدث، انتبه. فمن التوسل المشروع: التوسل بالعمل الصالح، ومنه الإيمان: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾. وكذلك توسل الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة... ها، توسلوا بأعمال صالحة. ذاك توسل ببره لوالديه: الأول. والثاني: توسل بعفته عن الفاحشة والحرام. والثالث: توسل بأدائه للأمانة. ففرج الله سبحانه وتعالى عنهم. هذا من التوسل المشروع. والأخير: التوسل... عندك يا عمر؟ نعم: التوسل بالأسماء والصفات التي مرت معنا. وفي العمل الصالح: الثالث... نعم، هو من العمل الصالح. نعم: دعاء الرجل الصالح، الدعاء... تمام. وهذا خير مثال له: الاستسقاء. الاستسقاء: الصحابة توسلوا بمن؟ بدعاء من؟ بدعاء العباس في عهد عمر. صح. قالوا: "اللهم إن كنا نتوسل بنبيك"، يعني: بدعاء النبي عليه الصلاة والسلام، "فإنا نتوسل إليك بدعاء عم نبيك العباس"، فصل بهم ودعا لهم، فأمطروا بفضل الله سبحانه ورحمته. فهذا النوع الثالث من أنواع التوسل المشروع: التوسل بدعاء الرجل الصالح. طيب: أن يدعو لك الرجل الصالح، فهذا أيضاً له أدلة كثيرة، وخير دليل له: ماذا؟ دعاء الاستسقاء. وكذلك لما دخل الرجل... حديث أبي هريرة: النبي صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر، فدخل الرجل وقال: "يا رسول الله، انقطعت السبل، وهلكت المواشي، فادعُ الله لنا أن يمطرنا"، فدعا النبي عليه الصلاة والسلام. هذا توسل مشروع بالدعاء، بدعاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما التوسل بالذات، أو التوسل كذلك بالآثار، أو إلى غير ذلك، فهذا كله من التوسل الممنوع، من التوسل الممنوع. أما التوسل المشروع فهو هذه الثلاثة فقط: التوسل بالأسماء أو الصفات، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾. مثل ما تقدم: الدعاء: "يا ربي، اللهم يا غفور اغفر لي، يا رحمن ارحمني". هذا كله من الدعاء... ماذا؟ المشروع، الذي هو من التوسل المشروع، الذي هو التوسل بالأسماء والصفات: "يا ذا الجلال والإكرام، يا ذا العزة والجلال". هذا كله من التوسل... ماذا؟ المشروع بالدعاء. طيب: بالأسماء والصفات، وتوسل بالأعمال الصالحة، كله أدلة كثيرة من القرآن والسنة، وتوسل بالدعاء: دعاء الرجل الصالح. فهذا: "يا رب"، توسل بماذا؟ بالأسماء والصفات. توسل باسم الربوبية: "يا ربي يا رب". وهذا سبب من أسباب إجابة الدعاء. توسل قبل الدعاء. قال: وهو من أسباب إجابته، ولكنه لا تجاب دعوته؛ لأن مطعمه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام. فاستبعد النبي صلى الله عليه وسلم أن تجاب دعوته، وقال: "فأنى يستجاب لذلك؟". كيف يستجاب له، وأكله وشربه ولبسه حرام؟ ما يستجاب له، ما يستجاب له. كيف يستجاب له؟ لذلك: من أعظم أسباب إجابة الدعاء أن يكون كسب المرء طيباً. يتحرى المسلم في كسبه، يبتعد عن المكاسب الخبيثة، المشبوهة: لا تبيع السجائر، ولا القات، ولا كذلك الأشياء المشبوهة، ولا تكذب في بيعك وشرائك، ولا تغش، ولا تمكر، ولا تكذب. كل هذه تجعلك ممن يكون كسبه طيباً. فإذا طاب كسبك قبلت دعوتك، قبلت دعوتك. دعوتك طيب. الهولا، والحمد لله رب العالمين. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر