الجواب الكافي 55

الدرس في الجواب الكافي 55، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

تحذير من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

يشرح خطورة ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتأثيره على المجتمع، حيث يؤدي إلى لعن الله وتعميم العذاب. يُبين أهمية الإصلاح بجانب الصلاح الشخصي.

دور المصلحين في منع العذاب الإلهي

يؤكد على أهمية دور المصلحين في منع وقوع العذاب الإلهي، ويفرق بين الصالح الذي يعبد الله وحده والمصلح الذي يدعو غيره إلى الصلاح.

علاقة المنكرات بالزلازل والعقوبات

يتناول خطورة انتشار المنكرات وعلاقتها بالزلازل والعقوبات الإلهية، ويحذر من التهاون في هذه الأمور وتأثيرها على المجتمع.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام المقيم رحمه الله تعالى: وفي المسند والسنن، من حديث عمر بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن من كان قبلكم كان إذا عمل العامل فيهم بالخطيئة جاءه الناهي تعذيـرا، فقال: يا هذا، اتق الله، فإذا كان من الغد لصافحه وواكله وشاربه، كأنه لم يره على خطيئة بالأمس، فلما رأى الله عز وجل ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض، ثم لعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى بن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون». والذي نفس محمد بيده، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه، ولتأطرنه على الحق أطرا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعنكم كما لعنهم. وهذا الحديث فيه ضعف، قد ضعف العلامة الألباني رحمه الله تعالى، وغيره من أهل العلم، وذكره ابن القيم رحمه تعالى في سياق ذكره للأحاديث والآثار الواردة في هذا، وإن كان بعض هذه الأحاديث والآثار فيها كلام، لكن يذكرها من باب الاعتبار بها، بغض النظر مما جاء فيها من ضعف أو علل أو انتقاد، فذكر هذا الحديث لأنه ذكر فيه خطر ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعدم القيام بهذه الشعيرة العظيمة، فإن الناس إذا تهاونوا بها صاروا يشاربون ويجالسون ويواكلون ويشاربون ويضاحكون ويمازحون أهل المنكر من غير إنكار عليهم، كان ذلك نذير شر. والمعنى الذي في الحديث صحيح، قد دل عليه القرآن، وهو أن الله جل وعلا لعن بني إسرائيل: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، لبئس ما كانوا يفعلون، بنو إسرائيل كانوا لا يقومون بهذا الواجب الذي أوجبه الله عليهم، تركوا الأمر بالمعروف وتركوا النهي عن المنكر، يقعون في المعاصي ويقعون في الذنوب ولا ينكر بعضهم على بعض، فلعنوا، لعنهم الله جل وعلا على لسان داود وعيسى بن مريم بسبب عصيانهم واعتدائهم على حرمات الله جل وعلا. فإذا من اعتدى وتجرأ على حرمات الله جل وعلا، وصار الناس لا ينكرون عليه، بل يجاملونه ويحابونه، فهذا نذير شر، وهو من أعظم أسباب عذاب الله جل وعلا ووقوع العذاب على الجميع. وذكر ابن أبي الدنيا عن إبراهيم بن عمر الصنعاني قال: أوحى الله إلى يوشع بن نون: «إني مهلك من قومك أربعين ألفا من خيارهم، وستين ألفا من شرارهم»، قال: يا رب هؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار؟ قال: «إنهم لم يغضبوا لغضبي، وكانوا يؤاكلونهم ويشاربونهم». وهذا من الإسرائيليات، وأيضا فيه إعضال، فهو ضعيف. وذكره ابن القيم رحمه تعالى لما ذكر فيه مما أراده من أن وقوع العقاب يقع على الأخيار والأشرار إذا لم يقم الأخيار بما أوجب الله جل وعلا عليهم، وإذا لم يغضبوا لغضب الله جل وعلا، وإذا لم تأخذهم الغيرة على دين الله عز وجل، فيقومون بما أوجب الله جل وعلا عليهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن العذاب يعم الجميع. واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة. وذكر أبو عمر ابن عبد البر عن نبي عمران قال: بعث الله عز وجل ملكين إلى قرية أن يدمراها بمن فيها، فوجدا فيها رجلا قائما يصلي في مسجد، فقال: يا رب إن فيها عبدك فلانا يصلي، فقال الله عز وجل: «دمراها، دمره معهم، فإنه ما عرى وجهه في قط»، وهذا أيضا من الإسرائيليات، وأيضا هو معضل. وما أراد ابن القيم رحمه تعالى ذكره والاستشهاد به في هذا، أن العقاب يعم الجميع، العابد وغير العابد، لأن الصلاح وحده لا يكفي، لابد من إصلاح، لأن جاء: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾، شرط وهو الإصلاح، وأهلها مصلحون، ما قال: وأهلها صالحون، فقد يوجد الصالحون، عباد يعبدون الله عز وجل، عندهم عبادات، عندهم طاعات، لكن لم يقوموا بما أمرهم جل وعلا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فينزل عليهم العذاب والعقاب لأنهم لم يكونوا مصلحين، نعم كانوا صالحين، لكن لم يكونوا مصلحين، وفرق بين الصالح والمصلح، الصالح الذي أصلح نفسه، عبادته تنفعه بها، أصلح نفسه، هذا الصالح، لكن المصلح الذي أصلح نفسه ودعا غيره، وأصلح غيره ودعا غيره إلى هذا الصلاح، أصلح نفسه وأمر بالصلاح والتزم الصلاح ودعا غيره إلى الصلاح، فصار صالحا مصلحا. فإذا وجد المصلحون كان هذا من أسباب النجاة من عذاب الله جل وعلا، وإذا لم يوجد المصلحون كان هذا من أسباب وقوع العذاب، وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون، مفهوم الآية أنهم إذا لم يكونوا مصلحين أهلكهم الله جل وعلا، وهي تدلنا على أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا الذي يريده ابن القيم رحمه تعالى من ذكر هذا الأثر، وإلا فهو معضل ومن الإسرائيليات، لكن ما دل عليه المعنى صحيح، قد دل عليه القرآن. وذكر الحميدي عن سفيان بن عيينة، قال: حدثني سفيان الثوري عن نفر، أن ملكا أمر أن يخسف بقرية، فقال: يا رب إن فيها فلانا العابد، فأوحى الله إليه: «به فابدأ، فإنه لم يتمعر وجهه في ساعة قط». وهذا أيضا فيه انقطاع وإعضال، فهو لا يصح. وما ذكر فيه صحيح، وهو أن العابد إذا اقتصر على نفسه بالطاعة والعبادة، ولم يأمر غيره، ولم يتمعر وجهه بما يرى من المنكرات، فيدفعه للقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا لا يمنع وقوع عذاب الله عليه، وإن كان عابدا كما سبق، لأنه كان صالحا ولم يكن مصلحا، وهو من وجب في حقه القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا بد أن يقوم بها أحد في هذه الأمة، إذا لم يقم أحد بهذه الشعيرة صار الإثم على الجميع. فإذا لم يوجد المصلحون في الأمة نال الإثم الجميع، والإثم سبب للعقوبات، قد تكون عاجلة في الدنيا، قد تكون آجلة. وهذا الذي أراد ابن القيم رحمه تعالى من ذكر هذا الأثر، وهو أن العبادة والصلاح إذا اقتصرت على الشخص نفسه، ولم يجعلها تتعدى إلى غيره بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصار لا يهتم بأمر الناس، وإنما همه نفسه، يقول: ما علي من الناس، أنا أصلي وأنا أصوم وأنا أفعل وأفعل، والناس ما علي منهم، الذي يشرب الخمر يشرب، والذي يسرق يسرق، والذي يفعل يفعل، والذي يكذب يكذب، أنا ما علي، مع أنه هو الذي قد لزمه القيام بهذا، إذا لم يلزم هذا القيام بهذه الشعيرة، تلزم أولئك الذين قد وقعوا في المنكرات، هم واقعون في المنكرات، هؤلاء يأمرون منهم. أنت أيها العابد، أنت يا من وفقك الله جل وعلا لهذا الهدى، لزمك القيام بهذا بقدر الاستطاعة، من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان، كما في مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه. أما لا ينكر بيد مع الاستطاعة، أو لا ينكر باللسان مع الاستطاعة، ولا ينكر بقلب، فمعناه أن الناس ضيعوا، فرطوا وقصروا في القيام بهذه الشعيرة العظيمة، وهذا من أعظم أسباب وقوع العذاب والعقاب. وذكر ابن أبي الدنيا عن وهب بن منبه قال: لما أصاب داود الخطيئة، قال: يا رب اغفر لي، قال: «غفرت لك، وألزمت عارها بني إسرائيل»، قال: يا رب كيف أنت الحكم العدل لا تظلم أحدا، أنا أعمل الخطيئة وتلزم عارها غيري؟ فأوحى الله إليه: «إنك لما عملت الخطيئة لم ينكر عليك أحد». وهذا كذلك من الإسرائيليات، وهذه البصة ضعيفة، فالضعف في إسنادها، وفي متنها نكارة، كيف يلزم من لا ذنب له بذنب غيره؟ وأيضا فيه شيء من القدح في هذا النبي داود عليه السلام، فهذه تدل على ضعفها وعلى نكارتها. وذكرها ابن القيم رحمه الله تعالى يريد الشاهد منها الذي أراده، وأن من لم يعجل ويسارع بالإنكار، فإنه يعاقب، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منه ما لا يجوز تأخيره، ما لا يجوز السكوت عنه، ومنهم ما يجوز أن يؤخر فيه لمصالح، لكن من المنكرات التي لا يجوز تأخير الإنكار عنها، فهذا النوع إذا فرط الناس وقصروا فيه ولم يعجلوا، وهو من هذا النوع، عاقبهم الله جل وعلا. وجل وعلا أمر بالمسارعة والمسابقة: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾، فالأوامر في المسابقة والمسارعة في مرضات الله منها المسارعة والمسابقة في الإنكار في إنكار المنكر، فإذا حصل التفريط في إنكار المنكر الذي هو مما يجب المسارعة في إنكاره، كان هذا مؤذنا بالعقاب من الله جل وعلا. وذكر ابن أبي الدنيا عن أنس بن مالك، أنه دخل على عائشة هو ورجل آخر، فقال لها الرجل: يا أم المؤمنين حدثينا عن الزلزلة، فقالت: «إذا استباحوا الزنا وشربوا الخمور وضربوا بالمعازف، غار الله عز وجل في سمائه، فقال للأرض: تزلزلي بهم، فإن تابوا ونزعوا وإلا هدمها عليهم»، قال: يا أم المؤمنين أعذابا لهم؟ قالت: «بلى، موعظة ورحمة للمؤمنين، ونكالا وعذابا وسخطا على الكافرين»، فقال أنس: ما سمعت حديثا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أشد فرحا به مني بهذا الحديث. وهذا الحديث فيه ضعف، بل بعض العلماء حكم عليه بالوضع، وأيضا فيه تدليس بقية بن الوليد، وتدليسه من شر أنواع التدليس. وذكره ابن القيم رحمه الله تعالى مستشهدا به، لما أراد من المعنى، بغض النظر عن صحته من ضعفه، وهو أن المنكرات إذا انتشرت بين الناس، وصار الناس يستحلونها ويستبيحونها، فالله جل وعلا يغار على دينه، الله جل وعلا يغار كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله يغار، وغيرة الله أن يأتي العبد ما حرم الله عليه». يغار رب العالمين جل وعلا على دينه وعلى حرماته جل وعلا، فإذا غار الله جل وعلا، فقد يعجل العقاب كما عجل العقاب على أمم انتهكوا المحارم، وقعوا في الاعتداء على محارم الله جل وعلا، فعاجلهم بالعقوبات، كما أهلك أقواما ومسخهم، ومنهم من زلزل بهم الأرض، ومنهم أقوام ذكرهم الله جل وعلا في كتابه، وذكرهم عليه الصلاة والسلام للأمة ليعتبروا. فإن انتشار المنكرات والفواحش هذا من أعظم أسباب حلول العقوبات. واليوم نسمع بين الفترة والأخرى حدوث بعض الزلازل في بعض البلاد، زلازل وفيضانات، سونامي، كل هذه من العقوبات، لماذا؟ لأن المنكرات انتشرت وعمت وطمت، كما يقال. فما ذكر موجود الآن، الزنا وشرب الخمور وضرب المعازف، هذه أمور تهاون الناس في الوقوع بها، في الوقوع فيها. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والزنا والخمر والمعازف»، كما ذكر هنا، زنا، خمر، ضرب المعازف، هذا ضعيف، لكن قد دلت النصوص على أن أناس يقعون في هذا، في استباحة هذه الأشياء واستحلالها، بمعنى أنهم يجعلونها كالحلال. ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحر والزنا والخمر والمعازف، كما في البخاري معلقا عن هشام بن عمار، وهذا يدل على تصحيح البخاري له، لخلاف من قال: هذا يدل على تضعيف البخاري له. وأيضا جاء موصولا خارج الصحيح البخاري. فهذه محرمات، وقد قرنها النبي عليه الصلاة والسلام مع بعض في هذا الحديث، ليكون أقوام من أمتي، وذلك يدل على عظم هذه الأشياء، ومنها المعازف. والمعازف اليوم، الله المستعان، تهاون الناس بها تهاونا عاء عظيما. الأفراح ما يحلو الفرح إلا بالمعازف، ما فيه زواج ما فيه معازف، ما هو زواج. وزواج ما فيه سهرة ما هو زواج. وأزعج الناس في الساحات العامة التي تقام فيها هذه الحفلات، وفي الأعراس. والآن كذلك ما يسمى بالمسابح، مسابح الآن أقامها بعض التجار هداهم الله، والله يتحملون أوزار هؤلاء الناس، لأنهم يعينونهم على إقامة مثل هذا. الآن مسابح خاصة معروفة في البلاد، ما يحتاج نقول: في مكان الفلاني، يعرفها الصغير الذي عمره سبع سنوات، موجودة أحيانا في الأسبوع ثلاث مرات، أربع مرات، إلى آخر الليل. طيب هذا بجانب بيوت، بجانب بيوت، وهؤلاء أصواتهم، والله تستمع إلى غرفتك، إلى داخل غرفتك، ولو أقلقت باب الغرفة إلى داخل الغرفة، سبحان الله، أذية، أذية. التجار يتحملون الآثام، كم دعوات فوق ظهورهم؟ ساء ربما يتأذى ويقوم يدعو مظلوم، ما استطاع أن ينام، ما استطاع أن يحتاج يصلي، يحتاج كذا، ويدعو عليك، يا أيها التاجر، يا صاحب المسبح، ويا صاحب كذا، ويا صاحب كذا، اتق الله، لنفسك، اتق الله، مسابح لا تجعلها لأذية الناس، تأخذ أنت الأموال وتؤذي الناس، وأنت نائم في بيتك، ما تسمع هذه الأصوات في بيتك، ربما في القصر، ولا في البيت، والناس مساكنهم يعانون من أذية هؤلاء. وتأخذ أنت خمسة آلاف ريال للليلة، أو عشرة آلاف ريال، الله المستعان. وين عقال الحارات؟ وين الذين اهتموا بأمر الناس؟ هذا أذية، الله المستعان، وإلى الله المشتكى. صلى الله وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. الله أكبر، الله إله إله الله. اشتركوا في القناة.