شرح قرة عيون الموحدين 52

الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 52، ألقاها

شرح حديث النبي حول الكذابين والمدعين للنبوة

يناقش شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول الكذابين الذين يدعون النبوة، ويوضح أن المقصود بالحديث هم من لهم شوكة وأتباع. كما يؤكد على أن النبي صلى الله عليه وسلم هو خاتم النبيين ولا نبي بعده.

نزول عيسى عليه السلام وكونه من أمة محمد

يناقش معنى نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان، ويوضح أنه ينزل حاكما بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم، وبالتالي يكون من أمة محمد. كما يشرح معنى الطائفة المنصورة وأنه يشمل مختلف أصناف المؤمنين.

معنى البركة وأنواعها وتفسير تبارك

يشرح معنى البركة في الإسلام، ويبين أن البركة نوعان: الأولى متعلقة بأفعال الله والثانية صفة لازمة لله تعالى. كما يوضح أن لفظ "تبارك" مختص بالله تعالى ويعبر عن كمال بركته وعظمتها.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الشيخ العلام عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى في كتابه «قرة عيون الموحدين»: قوله «وإنه سيكون في أمتك الكذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي»، قال القرطبي: وقد جاء عددهم معين في حديث حليفة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يكون في أمتي كذابون دجالون، سبع وعشرون، منهم أربع نسوة»، أخرجه أبو نعيم، وقال: هذا حديث غريب، وحديث ثوبان أصح. قال رحمه الله تعالى: قال القرطبي أو قال القاضي عياض: عد من تنبأ من زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الآن -أي إلى زمن القاضي عياض- ممن اشتهر بذلك وعرف، واتبعهم جماعة على ضلالته، فوجد هذا العدد فيهم، ومن طالع كتب الأخبار والتواريخ عرف صحة هذا، وآخرهم الدجال الأكبر. ومعنى هذا أن في قوله صلى الله عليه وسلم «وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي»: قد يقول قائل: نجد في الواقع بأن مدعي النبوة كثر، أي أكثر من هذا العدد بكثير، بل قد يكون في القرن الواحد في أصقاع الأرض وبقاعها هذا العدد، في القرن الواحد ممن يزعم بأنه نبي، فكيف يحمل هذا الحديث، وعلى ماذا يوجه مع ما ذكر؟ الجواب هو ما أشار إليه الإمام القاضي عياض رحمه الله تعالى، من أن المقصود بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم «إنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي»: أن المقصود بالثلاثين ممن دعم وادعى النبوة، وكان ذا شوكة، وكان ذا أتباع، أي اتبعه من اتبعه وصدقه من صدقه على تلك الدعوة، كما حصل من مسيلمة حينما ادعى النبوة، وكذلك سجاح حينما ادعت النبوة، وكذلك من كان على شاكلتهم. أي أن المراد بقوله صلى الله عليه وسلم «سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي»: أن المقصود بهؤلاء من كان ذا شوكة ومن كان ذا أتباع، أما من كان يزعم ذلك وهو ليس كذلك، فهؤلاء كثر، وكما ذكر الإمام القيم رحمه الله تعالى: أن غالب هؤلاء -أي ممن يزعم أنه نبي وليس ذا شوكة وليس له أتباع- إنما يكون سبب ذلك غلبة السوداء على دماغه، فيكون سببا أن يتكلم بما لا يعقل، فيكون حاله كحال الأبلة، يكون حال كحال الأبلة، يزعم أنه نبي، ومن سمعه ضحك عليه وعلم أن في عقله شيئا. إذن في قوله صلى الله عليه وسلم «ثلاثون»: المقصود بهم -كما سمعتم- من كان ذا شوكة وذا أتباع، وأما من لم يكن كذلك وادعى النبوة، فإن هؤلاء كثر، وبهذا يعلم معنى الحديث أنه لا مخالفة بينه وبين الواقع. قال رحمه الله تعالى: قوله «وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي»: قال الحسن: وهو البصر الخاتم الذي ختم به، يعني أنه آخر النبيين، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، وإنما ينزل عيسى عليه السلام في آخر الزمان حاكما بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم، مصليا إلى قبلته، فهو كآحاد أمته، بل هو أفضل هذه الأمة. قوله رحمه الله: قوله -أي قول النبي صلى الله عليه وسلم- «وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي»: والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم هو آخر الأنبياء، هو آخر الأنبياء والرسل الذين بعثهم الله جل وعلا، وأرسلهم الله جل وعلا إلى أهل الأرض، ومنه يعلم أن من ادعى النبوة بعده، فقد افترى على الله جل وعلا، وافترى على رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فيكون كافرا بالله جل وعلا؛ لأنه مكذب لخبر الله جل وعلا، ومكذب لخبر رسوله صلى الله عليه وعلا آله وصحبه وسلم، ولما أجمعت عليه الأمة، وللأمر الذي صار معلوما ضرورة عند المسلمين كافة من أن محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، فلا نبي بعده. ومن العجب العجاب أن بعض الناس استدل بهذا الحديث -استدل بهذا الحديث على أنه نبي-، استدل بهذا الحديث على أنه نبي، كيف هذا؟ قال: بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لا نبي بعدي»، قال: «وأنا لا» يعني اسمه «لا»، واضح «لا» يخو «أم لا» يعني، انظروا إلى الشيطان كيف يعمل بأصحابه، قال: في هذا الحديث دلالة على أني نبي، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأني سأكون نبيا، من أين؟ قال: من هذا الحديث، كيف هذا؟ قال: النبي صلى الله عليه وسلم قال «لا نبي بعده»، وأنا «لا»، فأنا -فأنا النبي الذي أخبر به نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-. وهذا الاستدلال يدل على سفه من استدل به على قوله، وعلى جهله بدين الله بدين الله جل وعلا وشرعه، فإن الأحاديث متكاثرة -بل متواثرة من حيث المعنى- على أنه لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، كما جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب مثلا بالأنبياء قبله وبه، فقال: بأن الأنبياء من قبله حال كحال جدار قد أو كان لبنة أو بني كله إلا موضع لبنة واحدة، قال: «وأنا تلك اللبنة»، أي أنه آخر النبيين، فلا نبي بعده، بل كتاب الله جل وعلا يدل على هذا، قال الله جل وعلا -كما في الآية السابقة الذكر-: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، فمن ادعى أنه نبي بعد محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، عالم بذلك متعمدا، كفر بالله العظيم؛ لأنه مكذب لخبر الله جل وعلا، ولخبر رسوله صلى الله عليه وسلم. بخلاف من قال ذلك بسبب ما غلب على عقله من الأمراض والآفات والعاهات، كما هو حال كثير ممن حالهم كحال الأبلة، يتكلم بكلام ويعقل، أو يتكلم بكلام لا يعقل معناه، فهذا حال كحال المجانين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة، ومنهم المجنون حتى يفيق». قال رحمه الله تعالى: وإنما ينزل عيسى -يعني قد يقول قائل- قد يقول قائل: فما تقولون في عيسى عليه السلام؟ أنتم تقولون بأن محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، وقد أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم بأن عيسى سينزل في آخر الزمان، فما الجواب على هذا؟ الجواب هو ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى، من أن عيسى عليه السلام إنما ينزل حاكما بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم، بل يكون مؤتما بأحد من هذه الأمة، وكما جاءت الأحاديث في صحيح مسلم وغيره، كما في حديث النواس بن سمعان، وكذلك حديث تميم الداري وغيرهم في صحيح مسلم وغيره. فالحاصل أن عيسى بن مريم -كما ذكر من ذكر- أنه يكون حكمه كحكم أفراد أمة محمد، فهو بهذا الاعتبار من أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ لأنه يحكم بشريعة محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وها هنا لطيفة، وها هنا نكتة بديعة ذكرها السبكي -أو ذكرها ابن السبكي- في طبقات الشافعية، قال: ألغاز لنا شيخنا الذهبي لغزا، ما هو هذا اللغز؟ قال: من هو خير من أبي بكر وعمر بإجماع الأمة؟ فمن هو؟ قال: فسكتنا، فقال: عيسى بن مريم، واضح يا أخوة أم لا؟ فهو من أمة محمد، وهو خير من أبي بكر وعمر؛ لأنه نبي. فالحاصل من هذا أن عيسى عليه السلام يكون حاكما بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم، فيكون كفرد من أفراد هذه الأمة، فلا تعارض بين الحديثين. قوله «ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم»: قال النووي: يجوز أن تكون الطائفة جماعة متعددة من أنواع المؤمنين، ما بين شجاع وبصير بالحرب، وفقيه ومحدث ومفسر، وقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وزاهد وعابد، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين في بلد واحد، بل يجوز اجتماعهم في قطر واحد، وافتراقهم في أقطار الأرض، ويجوز أن يجتمعوا في بلد واحد، ويجوز أن يكونوا في بعض دون بعض منه، ويجوز إخلاء الأرض منهم أولا فأولا إلى أن لا يبقى واحدة ببلد واحد، فإذا انقرضوا جاء أمر الله. قال الحافظ: هو تلخيص مفيد ومتمم لهذه المسألة والفائدة، طائفة المنصورة ليست محصورة في قوم دون قوم، ولا بلد دون بلد، ولا زمن دون زمن، ولا كذلك وظيفة دون وظيفة، بل كما ذكر النووي رحمه الله تعالى: أنها تكون في أصناف من الناس، منهم المحدث، ومنهم الفقيه، ومنهم اللغوي، ومنهم الطبيب، ومنهم كذلك المجاهد في سبيل الله، ومنهم الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر، ومنهم ومنها. فكل من انتسب إلى السلف الصالح، إلى كتاب الله جل وعلا، آخذا بكتاب الله جل وعلا، وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، على ما كان عليه سلف هذه الأمة، ناصرا لدين الله جل وعلا، بما آتاه الله جل وعلا من خير وقوة وعلم، فهو داخل في هذا الأمر. أي «لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة»، ما دام أنه على الحق، فهو على الحق، على أن كثيرا من العلماء، ومن الأئمة رحمهم الله تعالى، نص على أن المراد بالفرقة الناجية والطائفة المنصورة: أن المراد بهم أهل الحديث، ومنهم من عمم ذلك، فقال: بأن المراد بهم أهل العلم، ولا ريب أن أهل العلم هم رأس هذه الطائفة، وذروتها، وأئمتها، وقدوتها. فإن الناس لا سبيل لهم إلى معرفة الحق والوصول إليه والعمل به إلا بعلمائهم، إلا بعلماء، فرأس هذه الفرقة وأئمتها وقدوتها وأسوتها: الأئمة والعلماء العاملون، الذين يعملون بشرع الله جل وعلا، ويعلمون دين الله جل وعلا، ويعلمونه لمن وراءهم، فإنه لا سبيل لمعرفة الحق إلا بواسطة هؤلاء العلماء، بواسطة هؤلاء العلماء. ومنه نعلم أن قول الأئمة رحمهم الله تعالى: أن المراد بقولهم هم أهل الحديث، أو هم أهل العلم، أو ما شابه ذلك: المراد بذلك أن هؤلاء رأس هذه الطائفة، وقدوتها، والمقدمون فيها، وكل من انتسب إليهم، وأخذ عنهم، وسار بسيرهم، وعلى طريقة، فإنه منهم. نعم قد يوجد في هذه الفرقة من هو دونهم العلم، ودونهم كذلك في السابق إلى الخير، إلا أن الإنسان ما دام أنه على الحق، وأنه على ذلك سائر، وبه راض، وكذلك له محب، فإنه منهم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم -أي قصر به عنهم عمله-، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت مع من أحببت»، أنت مع من أحببت. فمن أحب أهل السنة والجماعة، ونصرهم بما آتاه الله جل وعلا من قوة من نصرة، من جاه، من مال، وإن كان مقصرا، أو عنده بعد التقصير، فإنه يشملهم بإذن الله جل وعلا هذا الحديث، ما دام أنه على الحق، ما دام أنه على الحق، فإنه يشملهم هذا الحديث، والله تعالى أعلى وعلا. ما دام أنه ناصر لدين الله جل وعلا، إلا أنه ربما في نفسه يحصل له شيء من التقصير، فما دام أنه ناصر للحق، منتصرا له ولأهله، فإنه منهم بإذن الله رب العالمين جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: قال المصنف: وفيه الآية العظيمة أنهم مع قلتهم لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، والبشارة بأن الحق لا يزول بالكلية، وهو ما قحمه الله أجمع، نعم قد يعتريه نقص، قد يعتريه ضعف، ولكنه -سبحانه وتعالى- فإنه على فإهرامي رب جعله المهنة، ودعين إليه، ودعين إليه. وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم «لا يضرهم من خالفهم»: إلى أن المخالف من غيرهم، «ولا من خذلهم»: إلى أن المخذل قد يكون من بينهم، المخذل قد يكون من بينهم، الصحابة الكرام: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، وزبير، ومعاذ، وأبي بن كعب، وغيرهم من الصحابة الكرام -رضي الله عنهم وأرضاهم-، تجد من الناس من يخذل عنهم، وفي الوقت نفسه كذلك تجد أناسا آخرين من غيرهم، من يوظفهم وينفر عنهم، ويبعد عنهم؛ لأنه يعلم أن الناس إذا صاروا إلى هذه الطائفة، وساروا بسيرها، لكانوا على الحق، في التنفير عن هذه الطائفة؛ لأنه تنفير عن الحق، وتنفير عن الحق، وذلك لدوكم من بعد إيمانكم كفارا، حسدا من عند أنفسهم، من بعد ما تبين لهم الحق، إذا تبين لهم الحق، ومع هذا ينفرون عنه، ويبعدون الناس عنه، لماذا؟ حسدا من عند أنفسهم. فليحذر الإنسان من هذا الأمر، ومن هذه الطريق، وليحمد الله جل وعلا من وفقه الله جل وعلا إلى السير على هذا الصراط، وعلى هذا المنهج الرباني الذي جعل على نبينا صلى الله عليه وسلم، وسار عليه بعدهم صحابة الكرام، بإحسان إلى يوم الدين، نسأل الله جل وعلا -بمنه وكرمه- أن يمن علينا بسلوك هذا الصراط، وعلى هذا المنهج الرباني الذي سار عليه نبينا صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، والتابعون لهم بإحسان. قال رحمه الله تعالى: قوله تبارك وتعالى، قال: قوله تبارك وتعالى، قال ابن القيم رحمه الله: البركة نوعان: أحدهما بركة لعلى -والمراد الفعل المتعد-؛ لأن أفعال الله جل وعلا على قسمين: أفعال الله جل وعلا على قسمين: أفعال متعدية، وأفعال لازمة، أي ما يفعله الله جل وعلا من الأفعال، وصفات الله جل وعلا الفعلية على قسمين: صفات فعلية متعدية، وصفات فعلية لازمة له. فالصفات المتعدية كالمغفرة والرحمة، فالله جل وعلا يرحم من شاء من عباده، ويغفر لمن شاء، ويتوب على من شاء، ويرزق من شاء، إلى غير ذلك من صفات الفعل، هذه أفعال متعدية -أي إلى المخلوق-، ومن أفعال الله جل وعلا ما هي لازمة -أي لازمة له لله رب العالمين جل وعلا- مثل صفات الاستواء، صفات النزول، المجيء، وسأتي معنى كذلك، ها هنا التبارك والتعالي والتقدس، وما شابه ذلك: صفات لازمة، لا تتعدى إلى المخلوق. قال رحمه الله تعالى -أي ابن القيم-: قال ابن القيم رحمه الله تعالى: البركة نوعان: أحدهما بركة هي فعله -والمقصود كما سمعتم- فعله المتعد، والفعل منها باركة، الفعل منها باركة، ويتعدى بنفسه تارة -أي يقال-: باركه الله، وبأداة على تارة، فيقال: بارك الله عليه، أو بارك الله عليك، وبأداة فيه تارة، فيقال: بارك الله فيه، أو بارك الله فيك. قال: والمفعول منه مبارك، وهو ما جعل منها كذلك، فكان مباركا بجعله تعالى، بمعنى أن المبارك من بارك الله جل وعلا فيه، من بارك الله جل وعلا فيه -وهو المبارك-، والبركة قد تكون في أشخاص، وقد تكون في أعيان، وقد تكون في أزمان، وقد تكون في أمكنة، إلى غير ذلك. فنبينا صلى الله عليه وسلم مبارك، عيسى عليه السلام مبارك، قال الله جل وعلا: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾، بل جميع الأنبياء مباركون، بل جميع الصالحين جعل الله جل وعلا كذلك فيهم البركة، فمباركون بما آتاهم الله جل وعلا من الخير، وكذلك البقاع -مثل مكة- جعل الله جل وعلا فيها البركة، والبركة -كما مر معنا في الكلام عند الكلام على التبرك- أنها الخير الإلهي الذي يجعله الله جل وعلا فيما شاء. وقد تكون أزمنة كذلك مباركة -كشهر رمضان-، وقد تكون كذلك -كما سمعتم- في أمكنة، وفي أزمنة، وفي بقاع، وفي أشخاص، فكل ما جعله الله جل وعلا مباركا، فهو مبارك. قال رحمه الله تعالى: والنوع الثاني: بركة تضاف إليه، إضافة الرحمة والعزة، والمعنى أنها بركة، ولكنها صفة له لازمة -أي غير متعدية-، قال: والفعل منها تباركا، الأول باركا، والثاني تباركا، قال: ولهذا لا يقال لغيره ذلك، ولا يصح إلا له عز وجل، فهو سبحانه المتبارك، وعبده ورسوله المبارك. وأما صفة تبارك: فمختصة به -أي بالله جل وعلا-، قال: كما أطلقها على نفسه في قوله: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، قال: أفلا تراها كيف اضطردت في القرآن جارية عليه، مختصة به، لا تطلق على غيره، وجاءت على بناء الساعة والمبالغة -كتعالى وتعاظم ونحوه-، أي أن لفظ تبارك على وزن تفاعل، وهذه صيغة مبالغة -كـ«تعالى» وتقدس وتعاظم-، وما شابه ذلك. قال: فجاء بناء تبارك على بناء «تعالى» -من حيث الوزن، ومن حيث المعنى على ما تقدم- الذي هو دال على كمال العلو ونهايته، أي «تبارك» على بناء «تعالى»، «تعالى» يقول: صيغة مبالغة تدل على ماذا؟ قال: الذي هو دال على كمال العلو ونهايته، أي «تعالى»، فكذلك «تبارك» دال على كمال بركته، وعظمتها، وسعتها. وهذا معنى قول من قال من السلف: «تبارك» تعاظم، «تبارك» تعاظم، قال: وقال ابن عباس: «جاء بكل بركة»، والأمر متقارب، أو المعنى متقارب، ومنه نعلم أن الله جل وعلا مبارك لمن شاء، فيجعل البركة فيمن شاء، والبركة -كما سمعتم- على نوعين: بركة من بارك، وبركة من بارك، وهذه يقال: بارك الله فيه، وبارك الله فيك، وباركه الله، وباركه الله، وما شابه ذلك، وهذه -أي بارك- فعل متعد من أفعال الله جل وعلا. وأما «تبارك»: ففعل لازم من أفعال الله جل وعلا، فلا يتعد إلى غيره، ولا يقال لغيره بأنه تبارك، كما لا يقال لغيره بأنه تعالى، وتعاظم، وما شابه ذلك من الألفاظ الدالة على كمال الصفة، وتمامها، وهذا لا يستحقه إلا الله رب العالمين جل وعلا، والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على