الدرس في شرح مسائل الجاهلية 29، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
تناقض أهل الجاهلية في الانتساب إلى إبراهيم عليه السلام مع عدم اتباعهم له يبرز أهمية الاتباع لتحقيق النسبة الصحيحة. العبرة ليست بمجرد الانتساب بل بصحة هذا الانتساب.
الانتساب الصحيح في الإسلام يتطلب أن يكون إلى أسماء شرعية مثل الإسلام والإيمان والسنة والجماعة، وأن يكون مبنياً على تحقيق معاني هذه الأسماء. ليس مجرد ادعاء الانتساب كافيا.
الانتساب إلى أهل السنة والجماعة جائز إذا كان على ما كان عليه النبي والصحابة، ويتحقق بعدم التناقض مع عقيدة وخلق وسلوك السلف الصالح. يجب أن يكون الانتساب مطابقاً لمنهج السلف.
يتضمن المقطع دعاءً بأن ينفع الله المستمعين بما سمعوه ويجعلهم يتبعون أحسن الأقوال، ويختم بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه. هذا الدعاء يعبر عن الرجاء في نفع العلم والعمل الصالح.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: الثامنة عشرة تناقضهم في الانتساب، ينتسبون إلى إبراهيم مع إظهارهم ترك اتباعه. كذلك من المسائل والخصال التي كان عليها أهل الجاهلية أنهم يتناقضون في تناسبهم وانتسابهم. فقال رحمه الله تعالى: تناقضهم، والتناقض ما أخذ من التفاعل، يقال: ناقض قوله، أن يتكلم بما يخالف معناه. فإذن التناقض والمناقضة فيها معنى المعارضة، فيها معنى التعارض. فقوله رحمه الله تعالى: تناقضهم، أي أن أهل الجاهلية دخلوا في مناقضة، ومن ثم في معارضة. فما وجه المعارضة وأين مكمن المعارضة عندهم؟ قال رحمه الله تعالى: تناقضهم في الانتساب، أي تمت المعارضة في هذا الباب، في باب من؟ أي وجه؟ قال: ينتسبون إلى إبراهيم مع إظهارهم تركا لاتباعه، أي أنهم في دعواهم ينتسبون إلى إبراهيم عليه السلام، وهو إمام الحنفاء، ينتسبون إلى هذا النبي الكريم وإلى هذا الرسول الجليل، وبالمقابل مع هذه النسبة أنهم يتركون اتباعه. وهذا هو وجه المناقضة، وجه التناقض. لأن الأصل يا إخواني في الله أن الذي ينتسب إلى شيء فإن من ضرورة الانتساب أنه يفعل ويأتي بما يدل عليه النسبة، يفعل ويأتي بما تدل عليه النسبة. فإذا كان هؤلاء الكفرة من أهل قريش من العرب الذين يدعون أنهم على دين إبراهيم أو أنهم على ملة إبراهيم عليه السلام، كان من لوازم هذه النسبة أنهم يتبعوا إبراهيم عليه السلام، هذا الأصل. لكن الغرابة في هذا الباب أن الانتساب في واد وأن فعلهم واتباعهم في واد آخر، فكانت هذه المعارضة. وهذا الذي كان عند العرب كذلك كان فيمن كان قبلهم. وهكذا حدث في هذه الأمة، فإن من أعظم خصال أهل البدع وكذلك خصال أهل الضلال ومن مشى على درب أهل الجاهلية أنه لو ربما ينتسب إلى شيء، لكن في حقيقة أمره أنه بعيد كل البعد عن النسبة. وهذا يا إخواني فلا يفيدنا فائدة أن ليس العبرة بالانتساب، ليس العبرة بالدعوة، إنما العبرة بصحة الانتساب، ينبغي أن نتفطن لذلك. ليس العبرة بالانتساب وإنما العبرة يا عبد الله بصحة الانتساب. فلا تفرح إذا رأيت رجلا ما يرفع تلكم الرايات ويرفع تلكم الدعاوى أو أنه ينتسب إلى ذاك وإلى أولئك. العبرة يا عبد الله بفعله، العبرة يا عبد الله بقوله، العبرة يا عبد الله بالخط الذي يسلكه. فإن كان هذا الخط الذي سلكه يؤديه إلى هذه النسبة المحمودة فسيرته حميدة، أما إذا كان سلك مسلكا على خلاف هذه النسبة فسلوكه وكذلك طريقته باطلة. وقد دل الشرع الكريم على ذلك. قال ربنا جل وعلا: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾. قل إن كنتم تحبون الله، هذه دعوى قد تصل حد النسبة، فيقول: نحن أحباب الله. لكن هذه المحبة وهذه الدعوى والنسبة تحتاج إلى تحقيق. إذن ليس العبرة يا عبد الله بأنك تتشدق بكلمات أو أنك تتلفظ بعبارات توضح وتوهم أنك على ذاك الدرب أو أنك على ذاك الطريق. العبرة يا عبد الله ليست إلا الراية والانتساب، هذا أمر، لكن أعظم من هذا الأمر صحة الانتساب، صحة الانتساب لهذا المسلك ولهذا. قال ربنا جل وعلا: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾. إذن المحبة تحتاج إلى برهان، ألا وهو الاتباع، ألا وهو الاتباع لنبينا عليه الصلاة والسلام. قال عليه الصلاة والسلام: «ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه». النسب أخص من الانتساب، النسب أخص من الانتساب. ومع ذلك هذا النسب الذي أنت يا عبد الله تفتخر إليه والذي أنت تنتمي إليه، لا أقول أنك تدعيه كباب الانتساب، لا، بل هذا أنت به حقيق. لكن إذا كان نسبك هذا لم يستغل بعمل، فإن نسبك يا عبد الله لا ينفعك. لا ينفعك أن تكون من الوجهاء أو تكون من الشرفاء أو تكون كذلك من سلالة آل البيت، ثم بعد ذلك تخالف ما عليه طريقة آل البيت من التعظيم للسنة، فإن هذا ليس بنافعك. «ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه»، فإذن يا عبد الله يفهم من هذه الفقرة على أن النسبة تكون صحيحة ليس فقط بأنك تدعيها، لا، وإنما بأنك تأتيها بأقوال وأفعال تبرهن صحة ما أنت عليه. وهذه المسألة نجد العجب العجاب في هذه الأزمان، أن الكثير يدعي وصلا بليلة، كل يدعي بأنه على الحق وأنه على طريقة القرآن والسنة وأنه على منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم. لكن تجد العجب، تجد من بعض المبتدعة في هذه الأزمان لربما يلوحون لأهل السنة ويوبخونهم بأنكم لا تحبون رسول الله وأنكم لا تعظمون رسول الله. مفهوم المخالفة أنهم هم أهل التعظيم وأنهم هم أهل التوقير لرسول الله عليه الصلاة والسلام. فإذا رأيت إلى أفعالهم ورأيت إلى أقوالهم ورأيت عين التناقض، فهم من أبعد الناس عن تحقيق أمر الرسول واتباع طريقته عليه الصلاة والسلام. وهكذا بقية الفرق الضالة، كلهم ينتسب إلى الدين وينتسب إلى الشريعة وينتسب إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم من أبعد الناس عن السنة. حتى قال من قال من علمائنا عندما سئل: هل الفرقة الفلانية من أهل السنة؟ قال: كيف يكونوا من أهل السنة وهم يحاربون السنة؟ فهذا عين التناقض. كيف تدعي السنة وأنت من أعظم المنفرين عنها والمحاربين لها؟ إذن إخواني في الله، فمفهوم هذا الباب أن أهل الجاهلية تناقضوا في باب الانتساب، وذلك أنهم ادعوا أنهم على دين إبراهيم عليه السلام، ومع ذلك من أبعد الناس عن تحقيق دين إبراهيم. إبراهيم أتى بالتوحيد، إبراهيم أتى بالإخلاص، إبراهيم أتى بالامتثال والاستسلام لشرع الله. لكن أين الكفار من هذه النسبة؟ بل هم أبعد الناس، جاءوا بالشرك، جاءوا بالكفر، جاءوا كذلك بما لا يرضي الله جل في علاه. بقي كذلك مسألة مهمة في هذا الباب، وهما يتعلقان بالانتساب. قلنا أنك يا عبد الله حتى يتحقق لك صحة الانتساب عليك أن تأتي ببرهان يثبت هذه الصحة، صحة انتسابك لهذا الشيء. بقي هذه النسبة التي أنت تنتسب إليها، لماذا وبمن؟ وهل الانتساب يا عبد الله أن لك أن تفتح الباب على مصراعيه كما نرى في هذه الأزمان؟ أن من أحب أن ينتسب إلى شيء انتسب إليه، لا، ليس هذا المطلوب. الانتساب يا عبد الله في باب الشرع أنك تنتسب إلى أسماء شرعية. الانتساب في هذا الدين والملة أنه يجب عليك أن تنتسب إلى أسماء شرعية. الشرع الحكيم جعل لهذه الأمة ألقابا وأسماء وأوصافا لهم أن ينتسبوا إليها، وما عدا ذلك فلا. كما حرر ذلك العلماء، وقد تكلم شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في «اقتضاء الصراط المستقيم» على ضرورة لزوم الانتساب للإسم الشرعي، ضرورة الانتساب للإسم الشرعي. من الأسماء التي ينبغي أن ننتسب إليها الإسم الإسلام، الإسلام، أن ننتسب إلى الإسلام. بل قال ربنا جل وعلا: ﴿هو سماكم المسلمين من قبل﴾. وفي هذا قال علماء: في قوله تعالى: ﴿هو سماكم﴾، هو الضمير عائد -من جمهور العلماء من أهل التفسير- أنه عائد إلى الله جل وعلا، والقليل منهم من قال: أن الضمير عائد إلى إبراهيم. فمعنى ﴿هو سماكم﴾ أي أن الله جل في علاه هو الذي أطلق على هذه الملة وعلى أتباع هذه الأمة لفظ الإسلام. ﴿هو سماكم المسلمين من قبل﴾ أي في الأديان السابقة، جاء وصفنا وجاء اسمنا فيما مضى من الأديان والملل بأن اسمنا المسلمون. وجاء في القرآن كذلك هذا الاسم، أن الله جل وعلا نادانا باسم المسلمين. فإذن ينبغي إخواني في الله -إذا أراد أن ينتسب إلى شيء- أن ينسب إلى الإسلام، يقول: أنا مسلم. ثم يأتي بهذه القاعدة: أن الانتساب للإسلام يا عبد الله ليس عبارة عن كلمة تشدق بها، كما نرى من كثير من أبناء هذه الأمة، يقول: أنا مسلم، وإذا رأيت إلى تعاليم الإسلام هي في واد والنسبة في واد آخر. ولهذا كان الدليل على صحة إسلامك وعلى صحة نسبتك للإسلام أنك تعمل بتعاليم الإسلام. قال إمام الطحاوي رحمه الله تعالى مبينا عظم هذه العلاقة والنسبة: «ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام». لا تثبت قدم الإسلام على أنك تكرر في ليلك ونهارك قول: أنا مسلم، أنا مسلم، أنا من المسلمين. هذا ليس كونك تدعي النسبة، هذا ليس تحقيقا، إنما تحقيقها أنك تنتسب تحقق الذي تنتسب إليه. أنت انتميت وانتسبت للإسلام، فحقق معاني الإسلام. ومن أعظم معانيها الاستسلام لله جل وعلا. فإذا الإسلام اسم شرعي. كذلك الإيمان جاء من أوصاف أبناء هذه الملة وهذه الملة أنهم من أهل الإيمان، فننتسب إلى الإيمان، فنقول: نحن مؤمنون، نحن مؤمنون، نحن من أهل الإيمان. هذه نسبة شرعية، نسبة صحيحة. وإن كانت ليست كالإسلام، يقول العلماء: أن لفظ الإسلام أطلق فقط لأبناء هذه الأمة ولأتباعها. يعني تجد أن عند اليهود والنصارى يسمون بأننا من المسلمين، لكن لفظ الإيمان فهو لفظ مشترك. عندنا نقول: أنا مؤمن، وعند اليهود يقول يهودي عن نفسه: أنا مؤمن، ويقول النصراني عن نفسه بأنه مؤمن. فلفظ الإيمان قد يعم، لكن الإسلام أخص، اسم شرعي خص به هذه الأمة من بين الأديان والملل. كذلكم الانتساب يا عبد الله من الانتساب الذي ينتسب له المرء في هذا الدين إلى أن ينتسب للسنة، يقول: أنا من أهل السنة. وقد دلت الأدلة الشرعية على ذلك، قال عليه الصلاة والسلام: «إنه من سيعيش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي». فاستفاد العلماء أنه يمكن للمرء أن ينتسب للسنة ويقول: أنا سني، ويقول: أنا من أهل السنة. لأن السنة هي الإسلام، ولهذا قال البربهاري رحمه الله تعالى في «شرح السنة»: «والسنة هي الإسلام، والإسلام هي السنة». السنة هي الإسلام، كونك تنتسب للسنة معناها كونك تنتسب إلى الإسلام. وهكذا كذلك من الألقاب الشرعية الجماعة، لك أن تنتسب للجماعة، تقول: أنا من أهل الجماعة. ومنهم من يوظف، يقول: أنا من أهل السنة والجماعة. لكن الجماعة من الألقاب والأوصاف الشرعية التي يشرع أن تنتسب إليها. وقد دلت أدل على ذلك، منها قال عليه الصلاة والسلام: «وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة». قال في رواية: «هي الجماعة»، إذن الجماعة هي فرقة الحق، فلك أن تنتسب لهذا الاسم. وهكذا يا عبد الله من العبارات التي درج عليها السلف الصالح الانتساب إلى السلف، الانتساب إلى السلف. أصبحت السلف كلمة شرعية عليها عمل العلماء، أنك تنتسب إلى السلف، تقول: أنا من أتباع السلف الصالح، هذا يجوز، نعم هذا يجوز، ولا عيب. بل قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى -كما في «مجموع الفتاوى»-: «ولا عيب على من أظهر مذهب السلف وانتسب إليه واعت، بل يجب قبول ذلك منه. فإن مذهب السلف لا يكون إلا حقا». لماذا مذهب السلف لا يكون إلا حقا؟ لأن مذهب السلف هو مذهب الصحابة، بل مذهب نبينا عليه الصلاة والسلام، وما كان عليه سلفنا الصالح، بل ما دل عليه القرآن والسنة. فالانتساب إلى السلف هو انتصاب إلى الكتاب والسنة. ولهذا يشرع أنك تنتسب إلى السلف الصالح، بل أصبح من الضروري في هذا الأزمان أنك ترفع وأن تنتمي وأن يرفع مثل هذه الراية، الانتساب إلى السلف الصالح. لأننا وجدنا من الناس من أهل الأهواء من لربما يزاحم أهل الحق في هذه النسبة. فنحن انتمينا إلى الإسلام، نجد من المعطلين ومن المخرفين من تمسك إلى الإسلام. انتمينا إلى الإيمان، انتمى من المخالفين معنا في الإيمان. انتمينا وانتسبنا إلى أهل السنة والجماعة، ورأينا أقواما وجماعات وزرافات أدخلت تحت هذه المظلة، الأشاعرة يتشدقون إلى هذه الساعة بأنهم من أهل السنة. وهكذا الماتريدية وغير من الملل والفرق والنحل كذلك لا زالوا يدغدغون أتباعهم بأنهم لا زالوا تحت سقف أهل السنة والجماعة. إذن قال علماء: لا بد أن نأتي بوصف أدق. ما هو وصف أدق؟ السلف الصالح. ولهذا عند هذا الوصف الكثير من الفرق خالفوا في إطلاقات هذا الوصف. لماذا؟ ما استطاعوا لأن هذا يفضح ما هم عليه. لأن قولك: أنا على مذهب السلف الصالح، معناه أنك على ما آل عليه سلفنا الصالح. وأهل البدع يعترفون -وهم يعرفون ذلك- أنهم من أبعد الناس عن السلف الصالح. بل كان السلف الصالح عندهم محل طعن ومحل غمز ومحل كذلك لمز. فلما رأوا ذلك انفضوا عن هذا اللقب. ولهذا كان العلماء يشيرون حول ما يتعلق: هل يصح إطلاق أو الانتساب إلى مذهب أهل السنة والجماعة؟ أم لا بد أن ننتسب إلى السلف الصالح؟ علماء على التفصيل في هذه المسألة، قالوا: إن كان المتكلم ينتسب إلى أهل السنة والجماعة، وأراد بهذا الانتساب أنه ينتسب إلى ما كان عليه نبينا والصحابة، فيقبل منه هذا الانتماء، ولا غضاضة عليه. أما من أطلق هذا الانتساب، وقال: أنا من أهل السنة والجماعة، وأراد بهذه النسبة أن يدخل معه من أدخله من أصحاب المنهج الأفيح، فهذا لا يقبل هذا منه، بل لا بد أن يأتي بوصف أدق حتى يخرج من أدخلهم، وهو الاقتداء بالسلف الصالح. إذن إخواني في الله، ما يتعلق بالانتساب أمره مهم جدا، ولابد أن تحرر به المقامات. وهو أن الانتساب لا يكون يا عبد الله أنك تنتسب لأي أحد كما نرى في هذا الأزمان. نرى من كثير من جماعات أنهم رفضوا الأسماء الشرعية وجاءوا بأسماء محدثة. إما بعضهم ينتسب إلى فكرة، فكرة إلى رأي وإلى هوى في نفسه، فجعل هذه الفكرة وجعل هذه الرأي نسبة ينتسب إليها، كنسبة المعتزلة ونسبة كذلك القدرية والجبرية. وهكذا الخوارج من أوصافهم. ومنهم ما لو ربما انتسب إلى شخص معين، جعله إماما له، فعليه يوالي وعليه يعادي، وجعل عليه عقيدة الولاء والبراء. بل ولا يصدر ولا يخرج إلا عن قول هذا الإمام، بل وانتسب إليه، كما تسمت الجهمية، جعلت جهم بن صفوان إماما لها. وهكذا الحن الأشعري -كما في مذهبه القديم- وهكذا للماتوريدي والكلابية لابن سعيد بن كلاب. وهكذا هذه الانتسابات، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: بأنها بدعة، هذه بدعة. قال رحمه الله تعالى: «وأما مجرد الانتساب للأشاعرة فهي بدعة». لماذا؟ لأنك انتسبت إلى اسم ليس باسم شرعي. الحاصل إخواني في الله، إذن بعدما يحرر المقام في هذا الباب أنك عليك أن تأتي بالأمر الثاني، وهو أنك تحقق هذا الانتساب، تحقق صحة الانتساب، بعدم التناقض، بعدم المعارضة. فمن يقول أنه من أهل السنة عليه أن يحقق السنة، لا أن يحاربها. ومن دعا إلى الجماعة وقال: من أهل الجماعة، عليه أن يحقق معاني الوحدة والإتلاف والجماعة، لا يكون مشتتا ولا مفرقا للصفوف، ولكذلك مشتت الجماعات. ومن كان قال: أنا على مذهب السلف الصالح، فعليه أن يلتزم بنفسه بمذهب السلف الصالح، عقائديا وخلقيا وسلوكيا وعبادة. أما تجعلها شماعة يا عبد الله، تقول: أنا منهم وأنت لست منهم، فالحينها النسبة لا تنفعك بشيء، لأنك وقعت في عين التناقض. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.