شرح مسائل الجاهلية  60

شرح مسائل الجاهلية 60

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 60، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

جحود آيات الله وخصال الجاهلية

يتحدث عن جحود بعض آيات الله وربطه بخصال أهل الجاهلية، ويوضح اختلاف الكفار في تكذيبهم وكفرهم. يبين أن الكفر يمكن أن يكون بدرجات متفاوتة.

وجوب الدخول الكامل في الدين

يؤكد على ضرورة الدخول الكامل في دين الله بدون تفرقة، والإيمان بجميع الأنبياء والملائكة والكتب السماوية. من يفرق بين أجزاء الدين يعتبر كافرًا.

أحوال الكفر وأسبابه وتفاصيله

يشرح أحوال الكفر وأسبابه، موضحًا أنه يمكن أن يكون بالعقيدة أو اللسان أو العمل، ويبين حكم الكفر سواء كان بكل آيات الله أو ببعضها.

حقيقة الإيمان والكفر ومصيرهما

يفرق بين الإيمان الحقيقي والإيمان المشوب بالمصلحة أو الهوى، ويبين أن الإيمان المغشوش لا يعتبر إيمانا حقيقيا ومصير صاحبه كالكافر.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: التاسعة والأربعون، جحدوا بعضها، والضمير هنا عائد إلى الفقر السابق، حين ذكر في الفقر السابق الكفر بآيات الله، هنا عرج بقوله جحدوا بعضها، أي جحدوا بعض آيات الله سبحانه وتعالى، وهذا من خصال أهل الجاهلية، الجحود والنكران لبعض آيات الله سبحانه وتعالى. وهذه الفقرة شبيهة بالفقرة السابقة، وهذا الذي جعل جماعة من الشراح يجمعون هذه مع تلك، ويجعلونها كمسألة واحدة، ويتم الشرح عليها معًا، لأن المعنى واحد، والمعنى متبادر، وخاصة أن كلمة جحد تأتي أحيانًا بمعنى الكفر، تأتي بمعنى الكفر كما في قوله تعالى: ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً﴾، جحدوا بها، قال إمام السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره لكلمة الجحود: أي كفروا بها، فالجحود يأتي بمعنى الكفر. لكن هنا فائدة، أن في هذه الفقرة مما لربما يستفاد من عبارة المؤلف رحمه الله تعالى أن هنا الكفر أحيانًا يكون ببعض الآيات، ببعض الآيات، وهذا معناه أن الكفار في باب التكذيب، وفي باب الكفر بآيات الله جل وعلا، هم ليسوا على مستوى واحد، وإنما يختلفون، فمنهم من لربما يكفر ويجحد بجميع آيات الله جملة وتفصيلًا، يوجد هذا مثل أهل الجاهلية من أهل العرب، ما كان عندهم شيء يسمى النبوة أو الرسالة أو كتب سماوية أو كتب مقدسة منزلة، ما عندهم هذا، ما كانوا يعترفون بنبي، وما كانوا يعترفون بكتاب منزل. فأولئك ينطبق عليهم الفقرة السابقة، أنهم كفروا بآيات الله بجميع آيات الله، لا يترددون في ردها وفي صدها، ومنهم من أهل الكفر من لربما يقع منه الجحود والكفر ليس في جميع آيات الله، وإنما في بعضها، وهذا كأهل الكتاب، فأهل الكتاب عندهم الإيمان ببعض الكتب، وعندهم الكفر ببعضها الآخر، عندهم الإيمان ببعض الأنبياء، وعندهم الكفر ببعضهم. فإذا فالمؤلف رحمه الله تعالى لعله أراد من التمييز بين الفقرتين ما يتعلق بذكر أحوال الكفار، أن منهم من عنده الكفر بجميع آيات الله، وأن منهم من عنده الكفر ببعض آيات الله، وكل ذلك من خصال أهل الجاهلية، ومع هذا فالذي يجحد بعض آيات الله لا يخرج هذا عن كونه من أهل الكفر، بل إنه يكفر، وبهذا يستفاد فائدة على أن المسلمة بل أن المرأة عليه أن يدخل في دين الله جل وعلا جملة وتفصيلًا، لا يجوز لأحد من الناس أنه يتخير من دين الله ما شاء. «يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة»، لا بد أن تدخل في دين الله جميعًا، لا تجعل الدين على مشتهاك وهواك، كحال رجل يدخل في دين الله جل وعلا يقول: دينكم طيب، لذيذ، جميل، لكن هذا وذاك ما يتعلق بحقوق المرأة، أنا ما نقتنع به، فهذا ما حكمه؟ هذا كافر، لا يدخل في ديني كامل، يعجبك التشريع ولا ما يعجبك، «يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة». ولهذا العقيدة الإسلامية ما ينبغي لأحد أن يفرق فيها بين أصل دون أصل، عليك أن تؤمن بالأنبياء بجميع الأنبياء، «آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله»، ما يجوز أن تفرق بين رسول دون رسول، أنا أؤمن بهذا وذاك أما نوح وإدريس أنا ما أعرف عنهم شيء، أنا متوقف في الإيمان بهما، هذا كافر. لا تفرق، تدخل في هذا الدين تؤمن بجميع الأنبياء، تدخل في باب الملائكة تؤمن بجميع الملائكة، «من كان عدوًا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال»، حتى جبريل وحده لو أنك آمنت بعالم الملائكة ثم كفرت بجبريل تكافر، فإن الله عدو للكافرين، وهكذا قل في حق آيات الله جل وعلا، في آيات الله سبحانه وتعالى، فأنت ملزم بالإيمان بجميع الكتب، «أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض»، فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا. لا تفرق بين كتب الله، أؤمن بهذا وأنا متشكك في ذاك وأنا متوقف في الآخر، لا يا عبد الله تؤمن بجميع الكتب، فدل ذلك على أن دين الله جل وعلا لا يقبل التبضع أو التبعض أو التمييز والتفصيل بين ركن دون ركن، وإنما تؤمن بجميع ما أنزل ربنا سبحانه وتعالى. فهذا قول رحمه الله تعالى: جحد بعضها، وكذلك قد ذكرنا في بداية العبارة أن الجحود يأتي بمعنى الكفر، لكن هذا ليس دائمًا، فهذا ربما في بعض الأماكن من التشريع فرق بين الجحود وبين الكفر، مثل في مقام الإيمان، الجحود هو ليس كفر، وللجحود أخص من الكفر، الجحود أخص من الكفر. لا تجعل الجحود هو الكفر، كما تقول المرجئة وانسلاخها كالجهمية، يرون أن الكفر لا يصدر من مسلم، ولا يكفر أحد من أهل الإسلام إلا بانتفاء تصديق القلب، بانتفاء تصديق القلب، لابد إذا انتفى تصديق القلب إذا يكفر، أما الإيمان على الإسلام فلا يكفر، ألا ليس بصحيح، بل إيمان كما أنه قول وعمل واعتقاد، فإن الكفر قول وعمل واعتقاد. فإن المرأة قد يكفر عن عقيدة وإن لم يظهر ذلك على فلتات لسانه وإن لم يظهر ذلك في أفعاله، مثل موضوع التكذيب، موضوع الاستحلال، موضوع الجحد، مثل أن رجلًا يعتقد أن الله جل وعلا ما يتعلق بوجوب صلوات الجماعة أو صلوات المكتوبات الخمس، أنا غير مفروضة، وأن الصيام غير مفروض، وأنه غير فرد وغير لازم، وأنت غير ملزم به، يعتقد هذه عقيدة، فهذا كافر، ولو صلى ولو صام. وقد يكون الكفر كذلك باللسان، لأن رجلًا في قلبه على ما يدعي أنه معظم لرسول الله معظم لله جل وعلا، إلا أنه في لسانه يسب الرب ويسب الدين ويسب النبي عليه الصلاة والسلام، ما حكمه؟ هذا كافر بلسانه، ولو كان يدعي أن القلب على الإيمان والإسلام، يقول: تكفر بلسانك، وهكذا قل بالعمل، قد رجل يدعي أن قلبه على الإيمان وأن لسانه وحَّد الله جل وعلا، لكن عمله أعماله تصدر منها أعمال الكفر، كمن يسجد لغير الله، يسجد لصنم، أو على قول طائفة من العلماء يترك الصلاة المكتوبة، وهذا مذهب جميع العلماء أنه تارك الصلاة كافر. فهذا في عمله كافر، ولو كان قلبه على أصل الإيمان، ولو كان يهلل ويذكر الله ليلة نهار، لكن بفعله يخرج عن الدين والملة، فهذا الذي يبينه العلماء بأن الجحود في باب الإيمان أخص من الكفر، لكن أحيانًا يكون الجحود هو بمعنى الكفر، «وجحدوا بها» أي وكفروا بها. فنبه إخواني رعاكم الله حول هذه الألفاظ من الألفاظ التي ربما تلتبس بعضها على بعض، مسألة الجحود، مسألة التكذيب، مسألة الكفر، مسألة الاستحلال، هذه مسألة قد يلتبس بعضها على بعض، فشاهد إخواني في الله أن المؤلف رحمه الله تعالى أراد من هذه الفقرة أن يبين أحوال أهل الكفر، وأنهم ليسوا في باب سواء إذا آيات الله جل وعلا، فمنهم من يكفر بها مطلقًا، ومنهم من يكفر ببعضها دون بعض، وحكمهما سواء. حكمهما سواء، لماذا حكمهما سواء؟ قد يقول قائل: أليس هذا الذي آمن ببعض يعني آمن ببعض، نقول: آمن ببعض في ماذا؟ لأن هذا لو تدبر الذي آمن بشيء من الكتاب وترك شيء، لماذا آمن بالذي آمن به؟ هل آمن لأنه منزل من عند الله؟ أم أنه آمن لأنه اتبع هواه؟ اتبع هواه، لو أنه أراد أن يَصف نفسه، لو أنه أنصف نفسه، وآمن بهذا لأنه منزل من عند الله، لكان من لازم ذلك أن يؤمن بالكل، لأن الكل من عند الله. لكن تجد بحقيقة الأمر أنه ما آمن بهذا وترك هذا، وآمن بهذا وجحد ذلك، أن الإيمان بالذي آمن به إنما كان عن هوى، إنما كان عن مصلحة، إما أشياء أرادها، فهذه حقيقته، فأمره حكمه كحكم الكافر الذي كفر بجميع الدين، ولهذا جعل ربنا جل وعلا حكمهم النار. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.