شرح مسائل الجاهلية  69

شرح مسائل الجاهلية 69

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 69، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في لي الألسنة بالكتاب

يبدأ الشرح بتوضيح معنى لي الألسنة بالكتاب وعلاقته بالتحريف، حيث يتناول تفسير العلماء لهذا المصطلح ومدى ارتباطه بالتحريف والتغيير في الكلام.

التحريف واللي والإعراض عن الحق

يتناول هذا الفصل العلاقة بين اللي والإعراض في القرآن، وكيف يجمع الله بينهما في سياق الحديث عن تغيير الحق وتجاهله.

التلاعب باللفظ والمعنى وتطبيقاته

يشرح هذا الجزء كيفية التلاعب باللفظ والمعنى وتغيير الكلمات أو نطقها لتوصيل معنى مختلف، مع الاستشهاد بأمثلة من القرآن والسنة.

خاتمة حول تعريف التحريف واللي

يختتم الشرح بتعريف التحريف واللي وبيان آراء العلماء في علاقتهما، مع الدعاء أن ينفع الله بما قيل والصلاة على النبي محمد.

  • 16 جمادى الأولى 1435هـ - 17/03/2014مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده وتعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: «لي الألسنة بالكتاب»، أي هذه الفقرة في ذكر بعض صفات أهل الجاهلية، ما كان من صنيعهم من ليهم لألسنتهم، فقال رحمه الله تعالى: «لي الألسنة بالكتاب»، واللي من لوى يلوي لويا، بمعنى أماله، جاء في قوله تعالى: ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ بمعنى أمالوها. فإذا لي الألسنة بالكتاب، أي الإيمالة بالألسنة بالكتاب، فإذا كان اللي بمعنى الإيمالة، إذا لا فرق بينه وبين التحريف الذي قد سبق ذكره في المسألة السابقة لهذه المسألة. وهذا الذي حدى بأهل العلم من أهل الشروحات لهذه الرسالة أن يدمج بين المسألتين، بين مسألة تحريف الكتاب أو تحريف الكلم عن مواضعه مع لي الألسنة بالكتاب. وكما فعل ذلك العلامة الفوزان رحمه الله تعالى في شرحه، أنه جعل هذه مع تلك في فقرة واحدة؛ لأن التحريف هو إيمالة، واللي هو كذلك إيمالة، وكله عبارة عن تحريف وتغيير وتبديل وإيمالة عن المنطق المضمون عن حاله إلى حالة أخرى، لهذا هي بمعنى واحد. إلا أن من العلماء من يفرق، فيقول: إن هذا الباب من باب الخاص بعد العام، فيجعلون أن كلمة التحريف كلمة عامة، وأن اللي خاص، وهذا أوجه؛ لأن اللي هو عبارة عن تحريف يكون باللسان خاصة، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾، فذكر اللي هنا نوع من أنواع التحريف يكون بالألسن عند النطق. أما التحريف أعم؛ قد يكون بالنطق، وقد يكون بالكتابة، فهذا له وجه، فيكون هذا الباب من باب الخاص بعد العام، فكلمة التحريف لفظ عام، وأما اللي فهو أخص، وعلمنا وجهية الخصوصية بأن اللي هو خاص يكون بالألسن: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾. ومن مسائل هذه الفقرة أن نعلم، إخواني في الله، كما قال العلماء: إن الله جل وعلا جمع بين اللي وبين الإعراض، ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾، قال العلماء: اللي ما يكون في الألسن، والإعراض هذه تعتبر من المظاهر التي يرد بها الحق. فإن المبطل والخصم إذا أراد أن يصد عن الحق فإنه يتخذ هذه الطرق، إما اللي وإما الإعراض، وجه ذلك الإعراض: أنه يعرض عن الحق ولا يتمسك به ولا يذكره، وهذا يكون في حال من كان شيطانًا أخرس، أما اللي هو الذي يأخذ الحق لكن يغير فيه، فيخرج عن حقيقته وعن خلاف ما أراد الشرع، فهذا شيطان ناطق. قال علماء: جمع ربنا جل وعلا بينهما؛ لأنهم من المظاهر التي يرد بها الحق، إما الإعراض وإما إعراض عنه كلية، وإما بأخذه ثم التغيير في حقيقته. وقد ذكر العلماء كابن القيم رحمه الله تعالى: أن اللي وهو بمعنى الإيمالة يكون على قسمين اثنين، إما أن يكون باللفظ وإما أن يكون بالمعنى. فذكر رحمه الله تعالى معنى كلامه يختصر: أن اللي في الألفاظ يكون كذلك على صورتين، إما تغيير وإيمالة عن الكلمة إما بحذف وإما بزيادة وإما بتغيير أو تبديل، هذا من فعل أهل الكتاب، أنه لو ربما عند قراءتهم لكتاب للكتب التي منزلة عندهم، فإنهم عند تلاوتهم لو ربما أسقطوا كلمة، وهذا الإسقاط يغير المراد. ولهذا عبر عنه ابن القيم رحمه الله تعالى: أن يلفظ بها على وجه لا يستلزم الحق، هذا الضابط النوع الأول من التغيير اللفظي، أي اللي اللفظي. ويدخل في ذلك كذلك التغيير الإعرابي، التغيير لحركة إعرابية تغير المعنى، فهذا كان من صنعه. ومن التغيير ومن اللي اللفظي: أن هناك لي اللفظي يدخل في هذا، لكن لا يدخل في صنع الكلمة، وإنما يكون في كيفية النطق، أنه لربما يأتي بكلام لكن فيه ماذا؟ فيه غموض، بحيث يخرجه على مسمع وهو ما أراد إلا ما أراد في نفسه، مثل ما كان يفعله اليهود. وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في اقتضاء الصراط المستقيم، ما كان من ليهم من قولهم: «أسام عليك»، فماذا كانوا يعنون؟ يعني أرادوا أنهم يسلمون على رسول الله، فإنه «أسلام عليك»، «أسلام عليك»، «أسلام عليك»، فالذي يسمعه ماذا يظن؟ أنه قد سلموا، لكن ما أرادوا السلام وإنما أرادوا أسام بمعنى الموت، وهذا دعاء على نبينا عليه الصلاة والسلام بالهلاك. فهو ماذا؟ هذا يسمى لي باللفظ في الكيفية، يجعل الكيفية يتلاعب بالكيفية بحيث ماذا يسمعها المستمع بأنه على معنى وهو أراد معنى آخر. وكذلك في قول: «لا تقولوا راعنا وقلوا انظرنا»، واسمعوا، نهى ربنا أهل الإيمان أن يقولوا: «راعنا»، معنى «راعنا» ما فيها شيء، لكن لأن الكفار من اليهود كانوا يلوون ألسنتهم بها، كانوا يقولون: «راعنا يا محمد»، وليس أرادوا راعنا من المراعاة، بل أرادوا راعنا من الخشونة. فكان أهل يهود يتلاعبون بالكلمات في أدائها، وهذا من اللي، وهذا موجود كذلك من بعض من يستهزئ بأهل الحسبة وأهل التدين، فيقولون: «ما شاء الله جاء أهل الديك»، أنت تظن أهل الدين، هم أرادوا الاستهزاف، يقولون: «أهل الديك»، كما ذكر ذلك الشيخ حمد بن عتيق رحمه الله تعالى، بل جعل هذا من الألفاظ الكفرية في استهزاء بهذا الصلاح. هذا اللي باللسان، أنك تخرج اللفظة فتوهم أنك تريد لفظة لكن أردت الغير، فهذا أدخل ابن القيم رحمه الله تعالى كذلك من اللي اللفظي، إذن اللي اللفظي يكون على صورتين: إما أنك تغير في الكلمة إما بحذف وإما بزيادة وإما بتغيير وتبديل، أو هناك اللي يكون ماذا؟ بالكيفية، أنك تخرج الكيفية وتنطقها على غير النطق السوي وتريد بذلك معنى لا يفهمه غيره. وهناك ما يتعلق باللي المعنوي، وكما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «وتعريفه وتأويل اللفظ على خلاف مراد المتكلم»، وبمعنى التحريف، اللي المعنوي هو بمعنى التحريف، أنك يا عبد الله تأتي إلى لفظة فتؤولها إلى معنى غير المعنى المراد، وقد مضى ذلك معنى في مسألة التحريف، فهذه مسألة لصيقة بالمسألة التي مرت. ولهذا قلنا: من العلماء من جعلهم في حد واحد، وفي فقرة واحد، بأن التعريف هو اللي واللي هو التحريف، بل حتى العلماء إذا وجدتهم في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾، يقول: «يحرفون»، فيجعلون اللي بمعنى التحريف هذا الأصل، لكن بعضهم كما قلنا غايرًا، فجعل التحريف أعم واللي أخص، ويختص بأمر اللسان. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.