التعليقات على كتاب الأدب المفرد 327

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 327، ألقاها

تحريم القيام التعظيمي وبداية السلام

يتناول المقطع الأول تحريم قيام الرجل للرجل تعظيما مستندا إلى حديث نبويا، بينما يبدأ المقطع الثاني في مناقشة حكم القيام للرجل القادم وبدء مشروعية السلام.

تفصيل حكم القيام والسلام

يناقش المقطع الثاني التفريق بين القيام للتعظيم والقيام للإكرام، ويبين مشروعية السلام منذ خلق آدم عليه السلام.

فضل إفشاء السلام وتحية الإسلام

تشرح المقاطع الأخيرة أهمية إفشاء السلام بين المسلمين، حيث يعتبر مستحبًا وله أثر إيجابي في تحقيق السلام والأمان بين الناس.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد، باب قيام الرجل للرجل تعظيما. قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا شعبة. وحدثنا حجاج، قال: حدثنا حبيب بن الشهيد، قال: سمعت أبا مجلز يقول: إن معاوية خرج وعبد الله بن عامر وعبد الله بن الزبير قعود، فقام بن عامر وقعد بن الزبير، وكان أرزنهما. قال معاوية: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سره أن يمثل له عباد الله قياما فليتبوأ بيتا من النار». هذا الحديث صحيح، قد صححه شيخ الألباني رحمه الله في الصحيحة. وهذا الحديث كما سمعنا أن معاوية رضي الله تعالى عنه خرج وعبد الله بن عامر وعبد الله بن الزبير قعود، يعني كان عبد الله بن عامر وابن الزبير قعود جلوس. فلما رأوا معاوية قام ابن عامر وقعد ابن الزبير، ابن الزبير بقي في محله لم يقم وقام ابن عامر، وكان أرزنهما يعني ابن الزبير كان أرزن من ابن عامر، المراد بالرزانة هنا رزانة العقل. قال معاوية: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سره أن يمثل له عباد الله قياما فليتبوأ بيتا من النار». وهذا إنكار من معاوية رضي الله عنه على عبد الله بن عامر وقيامه له. وهذا الحديث يدل على تحريم قيام الرجل للرجل تعظيما، قيام الرجل للرجل تعظيما الذي يحب ذلك أن يقوم له الناس ويعظموه، فإن ذلك سبب من أسباب دخول النار. «من سره أن يمثل له عباد الله» يعني أن يقوم له الناس ويعظمونه بذلك «فليتبوأ بيتا من النار». وفي رواية: «مقعده من النار». ودخول النار بمثل هذا العمل مما يدل على أنه كبير من الكبائر، ويدل على تحريم مثل هذا العمل. ولذلك بوّب الإمام البخاري رحمه الله هذا الباب: باب قيام الرجل للرجل تعظيما، يعني أن ذلك لا يجوز، وفعل مثل ذلك محرم. فتبين من هذا أن هذا الحديث المراد به قيام محبة الرجل أن يقوم له الناس ويعظموه بذلك، فإن هذا سبب من أسباب تبوء النار. ولذلك كان من هدي النبي عليه الصلاة والسلام أنه يكره أن يقوم له الناس، كما مر معنا في حديث أنس: كان الصحابة رضي الله عنهم لا يحبون أحدا أشد من محبة النبي عليه الصلاة والسلام، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له، لما يعلمون من كراهته لذلك. وقيام على الرجل وهو قاعد، هذا كما مر معنا من فعل فارس والروم، كما في حديث جابر الذي مضى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كدتم تفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود». وهذا أيضا من فعل الكفار، ولا يجوز أن يجلس الرجل ويقوم الناس عليه ويحب أن يكون الناس قيام فوقه، هذا لا يجوز. وهكذا أيضا ما جاء في هذا الحديث من محبة قيام الناس له تعظيما فهو أيضا لا يجوز. وأما قيام الرجل للرجل القادم، للرجل القادم من غياب أو سفر أو نحو ذلك، من باب أن يكرمه ويقابله بمثل حالته، فهذا جائز. ويدل عليه الأحاديث التي مضت في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «قوموا إلى سيدكم». وهكذا قيام طلحة لكعب بن مالك رضي الله عنه لما دخل المسجد، فقام إليه طلحة يهنئه بتوبة الله سبحانه وتعالى عليه، فمثل هذا جائز. فتبين من هذا أن القيام على أحوال، قيام الرجل أو قيام الناس على الرجل وهو قاعد، هذا من فعل فارس والروم ومن فعل الكفار لا يجوز. كذلك محبة أن يقوم الرجل له الناس تعظيما، فهذا لا يجوز. وأما قيام الرجل إلى الرجل القادم إكراما له، فهذا الذي جاءت به السنة وهو جائز. ومثل هذا ما جاء في هذا الحديث قد يقع فيه بعض المدرسين الذين يلزمون الطلاب بالقيام لهم، يلزمون الطلاب بالقيام لهم من باب التعظيم، فيحب أن يقوم له الطلاب إذا دخل، فهذا يخشى عليه من الدخول في هذا الحديث. قال: باب بدء السلام. قال: حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن همام عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خلق الله آدم على صورته، وطوله ستون ذراعا، ثم قال: اذهب فسلم على أولئك نفر من الملائكة جلوس، فاستمع ما يحيونك به، فإنها تحيتك وتحية ذريتك». فقال: السلام عليكم. فقالوا: السلام عليك ورحمة الله. فزادوه ورحمة الله. «فكل من يدخل الجنة على صورته». فلم يزل ينقص الخلق حتى الآن. هذا الباب بوّبه الإمام البخاري رحمه الله بقوله: باب بدء السلام، أي بيان متى شرع السلام، متى بدأ مشروعية السلام. والجواب جواب هذا الباب ظاهر في حديث أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خلق الله آدم على صورته» يعني على صورة آدم التي خلقه عليها، «وطوله ستون ذراعا» يعني طول آدم ستون ذراعا. خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا، ثم قال: «اذهب فسلم على أولئك نفر من الملائكة جلوس، فاستمع ما يحيونك به، فإنها تحيتك وتحية ذريتك» يعني أن هذا السلام الذي ستسلم به عليهم هو تحيتك التي تحيي بها من لقيت، وهكذا ذريتك من بعدك تحيتهم نفس هذه التحية. فتبين من هذا أن السلام شرع منذ أن خلق آدم، منذ أن خلق آدم عليه السلام. قال: فقال: السلام عليكم. سلم عليهم بالسلام المشروع. فقالوا: السلام عليك ورحمة الله. فزادوه ورحمة الله. والسلام مأخوذ من السلامة، فيه معنى السلامة. فالسلام عليكم يعني عليكم السلامة من الشرور والآثام والمصائب والآخر ذلك من معاني السلامة. فالمسلم لما يسلم يدعو لمن سلم عليه أن يسلمه الله، أن يسلمه الله ويعافيه. السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله. فزادوه ورحمة الله، لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ إما أن تحيي بأحسن مما حييت به، وإما أن تردها. يعني أن تسلم عليه بمثل ما سلم عليك: السلام عليكم، وعليكم السلام، هذا مثلها. وأحسن: وعليكم السلام ورحمة الله. فإذا قال: السلام عليكم ورحمة الله، فأحسن منها: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. قال: «فكل من يدخل الجنة على صورته» يعني على صورة آدم التي خلقه الله عليها، وذلك أن يكون فيه شبه منه. وكذلك أيضا طولهم ستون ذراعا، كما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيح، أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن أهل الجنة يدخلون الجنة على صورة أبيهم آدم، طولهم في السماء ستون ذراعا. قال: «فلم يزل ينقص الخلق حتى الآن» يعني خلق الله عز وجل آدم طوله ستون ذراعا، ثم جاء ذريتهم من بعده، وكان طولهم ينقص ينقص، حتى بعث النبي عليه الصلاة والسلام، فصارت ذريته وأمته على هذا الخلق الذي عليه الناس اليوم، فلا ينقص عن ذلك حتى يرث الله عز وجل الأرض ومن عليها. قال: باب إفشاء السلام. قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا عبد الواحد عن قنان بن عبد الله النهمي عن عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفش السلام تسلموا». والحديث حسن، العلامة الألباني رحمه الله. هذا الحديث فيه أمر النبي عليه الصلاة والسلام بإفشاء السلام: «أفش السلام». وهذا الأمر للاستحباب، هذا الأمر للاستحباب. وقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على استحباب إفشاء السلام. وأما رده فهو واجب كما سيأتي. قال: «أفش السلام تسلموا». وهذا فيه إخبار النبي عليه الصلاة والسلام ببعض فوائد السلام، وأن من فوائده حصول السلامة، حصول السلامة بكل معانيها. «أفش السلام تسلموا»: تسلموا من الشرور، تسلموا من الأحقاد، تسلموا من البغضاء، تسلموا من التقاطع والتهاجر، إلى آخر ذلك من معاني السلامة. فإن المسلم إذا سلم دل ذلك على سلامة صدره وسلامة سريرته، وكذلك أنه ليس في قلبه شيء. وإذا لم يسلم وقع في القلوب ما يقع، إذا مر عليك إنسان تعرفه ولم يسلم عليك، يقع في نفسك: لماذا لم يسلم؟ ماذا فعلت له؟ هل أخطأت عليه؟ هل يعني أسات إليه؟ تقع الوساوس في القلب ويدخل الشيطان: هذا متكبر، هذا كذا. وبعد ذلك تحصل الشرور العظيمة. لكن إذا سلم حصلت السلامة: السلام عليكم ورحمة الله. وذهب ما يقع بقلبك شيء، تعرف أنه ليس بقلبه شيء عليك، فتحصل السلامة. «أفش السلام تسلموا». انظروا ما أقلها من كلمات، وما أعظم معانيها وفوائدها التي تحصل للمسلم بإفشاء السلام والعمل بما في هذا الحديث العظيم. «أفش السلام تسلم».

شاركنا على