الدرس في وقفات مع آيات الصيام 13، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
تثبت مشروعية الاعتكاف بالقرآن والسنة وإجماع الأمة، ويشترط لصحته أن يكون في مسجد جامع تُقام فيه الصلوات الخمس والجمعة. حديث حصر الاعتكاف في المساجد الثلاثة ضعيف ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم.
الراجح أن حديث «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة» نفي للكمال لا للصحة، فيصح الاعتكاف في أي مسجد جامع مع أفضلية المساجد الثلاثة لمضاعفة الصلاة. لا يجوز للمعتكف الخروج إلا لضرورة كجلب الطعام إذا لم يتيسر، مستدلين بفعل النبي مع صفية.
لا يخرج المعتكف إلا لحاجة ضرورية ولا لقربات مستحبة، بينما يجوز الخروج للواجبات كصلاة الجمعة، ويجب اجتناب مباشرة النساء لقوله تعالى. يجوز للمرأة الاعتكاف إذا أمنت الفتنة ولم تخل بحق زوج أو أولاد، وقد اعتكف أزواج النبي من بعده.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: نزلنا في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. فمما تدل عليه هذه الآية: مشروعية واستحباب الاعتكاف، وقد دلت عليه أدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة. فأما الكتاب: فهذه الآية، وقوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾. وكذلك السنة: جاء حديث عائشة، قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: «اعْتَكَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَاعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ» متفق عليه. وأجمع أهل العلم على ذلك. وهذه الآية فيها ذكر بعض شروط الاعتكاف، فقوله تعالى: ﴿وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، استدل بهذا أهل العلم على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد، ولا بد أن يكون هذا المسجد جامعًا، يعني: تقام فيه الجماعات، وكذلك تقام فيه الجمعة؛ حتى لا يضطر المعتكف أن يخرج إلى مسجد آخر، فيعتكف في مسجد جامع وتقام فيه كذلك الجمعة. وأما حديث حذيفة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي الثَّلَاثَةِ الْمَسَاجِدِ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى». فهذا الحديث أولًا مختلف في صحته، فجماعة من أهل الحديث على ضعف هذا الحديث، فكثير من الأئمة ضعفوا هذا الحديث، وجعلوا الموقوف هو الصحيح، وأما المرفوع فلم يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن المعاصرين: شيخنا الوادعي رحمه الله، وكذلك الشيخ ابن باز عليه رحمة الله. وبعض أهل العلم صحح هذا الحديث وأخذ بظاهره، وبعضهم صحح هذا الحديث ولم يحمله على نفي الصحة وإنما على نفي الكمال، فمعنى قوله عليه الصلاة والسلام: «لَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي الثَّلَاثَةِ الْمَسَاجِدِ» أي: لا اعتكاف تام وكامل إلا في هذه المساجد الثلاثة، ولا ينفي ذلك أن يكون هناك اعتكاف صحيح في غيرها من المساجد الجامعة، ولكن فضل الاعتكاف فيها ليس كفضل الاعتكاف في هذه المساجد الثلاثة التي جاء فضلها ومضاعفة الصلاة فيها. فالمسجد الحرام الصلاة فيه تعدل مئة ألف صلاة، وفي المسجد النبوي ألف صلاة. نعم، فلأجل شرف هذه المساجد ومضاعفة الصلاة فيها لا شك أن الاعتكاف في هذه المساجد أفضل وأتم وأكمل. ولكن من لم يستطع أن يصل إلى تلك البقاع، فلا نقول له: لا يصح اعتكافك في غيرها من المساجد الجامعة في بلدك، وإنما يصح الاعتكاف إن شاء الله تعالى في أي مسجد جامع. ولذلك ذكر أهل العلم تبعًا لهذا الشرط: أن من شروط الاعتكاف في المسجد أن لا يخرج من المسجد إلا فيما لا بد منه في أمر واجب، لا بد منه. مثلا: لا يوجد في المسجد طعام، فأنت تريد أن تأتي بالطعام، ولم يوجد من يأتي لك بالطعام إلى المسجد، فقال أهل العلم: لا بأس أن تخرج لسد جوعك، ثم ترجع إلى المسجد، أو تأتي بطعامك وتأتي إلى المسجد. واستدل على هذا بخروج النبي صلى الله عليه وسلم مع صفية لما جاءت تزوره في معتكفه، وتحدثت معه شيئًا، ثم قلبها إلى بيتها، يعني: ردها وأرجعها إلى بيتها. قال أهل العلم: وكان هذا الرجوع فيه ضرورة أو مصلحة، نعم؛ فإنها امرأة، فكان عليه الصلاة والسلام ذهب معها كي يغانسها ويبعد عنها ما قد يحصل لها خلال تلك الطريق، فلذلك ردها إلى بيتها. فاستدل أهل العلم بهذا على أن المعتكف له أن يخرج في حاجة لا بد منها، وأما في حاجة ليس له بد منها فلا، ولو كانت من القربات المستحبة. فلذلك قال أهل العلم: لا يخرج المعتكف لعيادة مريض، ولا لاتباع جنازة؛ لأن هذه ليست من فروض الأعيان، فيقوم بها من لم يكن معتكفًا. فلذلك لم يشرع للمعتكف أن يخرج، ولو كان لقربة مستحبة. أما إذا كانت القربة واجبة، كمثل حضور صلاة جمعة، أو إلى غير ذلك، إذا لم يعتكف في مسجد جامع، فهذا أهل العلم قالوا: لا بأس به؛ لأنه واجب، والاعتكاف مستحب. وهكذا من شروط الاعتكاف كما تقدم: عدم مقاربة النساء، يعني: مباشرة النساء، لظاهر الآية: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. فلذلك يبتعد المعتكف عن مباشرة أهله؛ لأن هذا يخل بالمقصود من الاعتكاف، كما تقدم: الخلوة مع الله عز وجل، وكذلك اجتماع القلب على ذكر الله، وعلى طاعة الله سبحانه وتعالى، وإلى غير ذلك من المقاصد العظيمة من مقاصد الاعتكاف. فيأخذ من الآية هذا الحكم الشرعي، وهذه الشروط: شروط الاعتكاف. وهل على المرأة أن تعتكف؟ نعم، إذا أمنت الفتنة، وتيسر لها ذلك من غير إخلال بحق زوج، أو بحق أولاد وذرية، فلا بأس بهذا؛ فقد اعتكف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، واعتكف أزواجه من بعده. فإذا كان المسجد آمنًا كهذا المسجد، وغيرها من المساجد، قسم خاص للنساء، والمرأة متفرغة، ما عندها زوج تشتغل به، ولا عندها أولاد تقوم عليهم، وإلى غير ذلك، وأحبَّت أن تتفرغ لطاعة الله سبحانه وتعالى، فيجوز ذلك كما تقدم: عند أمن الفتنة، وعند كذلك عدم التفريط في حق زوج، أو في حق أولاد. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى. ترجمة نانسي قنقر