الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 23، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يناقش مفهوم التشابه في القرآن، ويصنفه إلى نوعين: حقيقي ونسبي. التشابه الحقيقي يتعلق بالأمور الغيبية، بينما التشابه النسبي يرتبط بفهم الآيات القرآنية ويختلف باختلاف مستوى الفهم لدى الناس.
يتناول كيفية التعامل مع التشابه النسبي في القرآن برد المتشابه إلى المحكم لتوضيح دلالته. يشير إلى أن نقص العلم هو سبب التشابه، وأن القرآن واضح لمن يرجع إلى أهل العلم.
يتناول تفسير بعض الآيات المتشابهة وتأويلها بما يتوافق مع الآيات المحكمة، ويظهر كيف أن أهل السنة يرجعون المتشابه إلى المحكم، بينما يفعل المبتدعة العكس.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال رحمه الله تعالى: أنواع التشابه في القرآن. قال: التشابه الواقع في القرآن نوعان، وقد مضى معنى ما يتعلق بمعنى التشابه، وهو الذي لم تتضح دلالته. قال: أحدهما حقيقي، وهو ما لا يمكن أن يعلمه البشر، كحقائق صفات الله عز وجل، فإننا وإن كنا نعلم معاني هذه الصفات، لكننا لا ندرك حقائقها وكيفيتها، لقوله تعالى: ﴿ولا يحيطون به علمًا﴾، ولقوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير﴾. إذن، عرف المؤلف رحمه الله تعالى وذكر أن التشابه ينقسم إلى قسمين: التشابه حقيقي، ومعنى التشابه الحقيقي هو الذي لا يعلم حقيقته إلا الله عز وجل، وهو التشابه الذي إذا وصلت إليه ما كان لك إلا أن تكل علمه إلى الله. هذا هو التشابه الحقيقي الذي إذا وصلت عنده تكل أمره وعلمه إلى الله سبحانه وتعالى، مثل علم الساعة، ما يتعلق بيوم القيامة، ما يتعلق بحقيقة الجنة، ما يتعلق بحقيقة النار، ما يتعلق بعالم البرزخ. نحن نؤمن بهذه الأشياء، نؤمن بوجودها، بل هي من أركان الإيمان، لكن لو سئلنا عن ماهيتها وعن كيفيتها ما استطعنا أن نحرر لها جوابًا، وإنما نكل أمرها إلى الله. قل: الله أعلم بحقيقتها، لكن نؤمن بها. فهذه الأشياء تسمى من التشابه الحقيقي الذي لا يمكن لأحد كائنا من كان، ولو كان من أعلم الناس، ولوح كان من أعرف الناس بدين الله جل وعلا، لم استطاع أن يجيب لك بإجابة؛ لأنه أمر غيبي غاب عن علمه. فلا يمكن لأحد أن يبحث أو ينقب عن كيفيتها. والمؤلف رحمه الله تعالى هنا مثل بأمر، ويحتاج هذا الأمر إلى التنبيه. قول رحمه الله تعالى: وهو ما لا يمكن أن يعلمه البشر، كحقائق صفات الله عز وجل. انتبه للمعنى: التشابه في باب الأسماء والصفات إنما يكون في باب الحقائق، في باب الكيفية. كيفية هذه الصفة الثابتة لله جل وعلا، الله أعلم بها. لا ندري عن حقيقة الكيفية. فإذا كيفية الصفة الثابتة لله هذا مما غاب عن علمه. ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. ولهذا قال رحمه الله تعالى: فإننا وإن كنا نعلم معاني هذه الصفات، لكننا لا ندرك حقائقها. ثم ساق بهذه الآيات التي تلوناها. ثم قال رحمه الله تعالى: ولهذا لما سئل الإمام مالك رحمه الله عن قوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ كيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول، أي: غير مجهول المعنى. غير مجهول المعنى. الاستواء له معنى في لغة العرب. يأتي بمعنى العلو، يأتي بمعنى الارتفاع، يأتي بمعنى الصعود. على، وارتفع، وصعد. ومنه من أضاف لفظ الاستقرار: استقر. فكلمة الاستواء تدور في كتب اللغة على هذه المعاني. فإذا سئلنا: الرحمن على العرش استوى، ما معنى استوى؟ استوى بمعنى علا، بمعنى ارتفع، بمعنى صعد. إذن، علمنا معنى الصفة. لكن لو سئلنا: كيف استوى؟ حقيقة الاستواء؟ الله أعلم بها. لكن أمرها إلى الله. إذن، هناك شيء في باب الأسماء يعلم معنى، وهو المعاني. وأما الحقائق، فهذا أمرها مما استأثر الله بعلمه لنفسه جل في علاه. قال: قال الاستواء غير مجهول. إذن، معنى غير مجهول: غير مجهول المعنى. وانتبه إلى تأويل بعض المؤولة لهذا الأثر، إذ أنهم يقولون: معنى عبارة مالك رحمه الله: الاستواء غير مجهول، أي: غير مجهول الوجود. هذا ليس بصحيح. هذا التأويل من فسر هذه العبارة بمعنى غير مجهول الوجود. ماذا أردت من غير مجهول الوجود؟ أي: يقول: أن وجوده في القرآن، أي: هذه الآيات موجودة في القرآن. وهذا كتأويل؛ لأن إذا قلت بهذا المعنى، إذن، ماذا اعترفت؟ أنك لا علم لك بمعنى الاستواء. فانتبه لهذا التأويل. وإنما المقصود بغير مجهول، أي: غير مجهول المعنى. قال: والكيف غير معقول، والإيمان به واجب. والكيف غير معقول: هذا من التشابه. كيفية الاستواء، الله أعلم بها. تكل أمرها إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأنه غير معقول لنا. قال: والإيمان به واجب. والسؤال عنه بدعة. وهذا النوع لا يسأل عن استكشافه؛ لتعذر الوصول إليه. وهذا الأثر كما قال المؤلف رحمه الله تعالى: ثبت عن إمام مالك. وهناك من قيل: أن هذا الأثر ثبت عن غيره. فهناك ثلاثة شخصيات ينسب إليهم هذا الأثر: لربيعة شيخ مالك، وإليه الإمام مالك، وإلى أم سلمة. ينسب هذا الأثر إلى هؤلاء الثلاثة. أما ما يتعلق أنه روي عن أم سلمة، فضعيف. لم يصلح. وأما يذكر أنه ثبت عن ربيعة شيخ مالك، فالأكثر من العلماء لا يثبتون ذلك عن ربيعة. وإن كان شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في أكثر من موضع وثبت ذلك عن مالك وعن ربيعة. يرى أن هذا قد ثبت عن ربيعة. أكثر العلماء لا يثبتون ذلك عن ربيعة، وإنما ثبت هذا الأثر بكل جلاء عن إمام مالك رحمه الله تعالى. وإن كانت في هذه المسألة في السؤال عن الاستواء، إلا أن أصبحت حقيقة وقاعدة يسند بها أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات قاطبة. إذن، هذا هو التشابه الحقيقي. التشابه الحقيقي وهو الذي غاب علمه عن الناس، ولا يمكن لأحد من البشر أن يطلع عليه، منها: كما قال: حقيقة الأسماء والصفات، ما يتعلق بقيام الساعة، ما يتعلق بحقيقة الجنة، بحقيقة النار، ما يتعلق بعالم البرزخ. نؤمن بالبرزخ، لكن كيفية البرزخ الله أعلم. العذاب الواقع، النعيم الحاصل، لعذاب في القبر، نؤمن به. كيف؟ الله أعلم. هذا مما نكل الأمر إلى الله؛ لأن هذا من التشابه الحقيقي الذي إلى هيئة المطاف أنك تكل الأمر إلى الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: النوع الثاني، أي: النوع الثاني من أنواع التشابه، قال: النسبي. قال: وهو ما يكون مشتبهًا على بعض الناس دون بعض، فيكون معلومًا للراسخين في العلم دون غيرهم. وهذا النوع يسأل عن استكشافه وبيانه؛ لإمكان الوصول إليه. إذ لا يوجد في القرآن شيء لا يتبين معناه لأحد من الناس. هذا التشابه ويسميه العلماء بالتشابه النسبي. وهذا الذي ورد في القرآن. ومنه آيات مشتبهات. فالآيات المتشابهة هي التي لم تتضح دلالتها. وقد ذكرنا ذلك عرضًا في دروس ماضية: أن التشابه الذي يوجد في كتاب الله عز وجل هو التشابه نسبي. ما معنى التشابه النسبي؟ أي: أنه باعتباره لبعض الناس قد يتشابه عليهم. أي: أن هذه الآية لا أقول: أن هذه آية متشابهة، أو هذه آية متشابهة. ليس هناك آية محددة أنها من المتشابه. لكن التشابه يرجع إلى الناظر. يرجع إلى الناظر. فرب رجل قد يقرأ آية من كتاب الله، وهذه الآية قد تستشكل عليه، فتكون هذه الآية بالنسبة إليه -انظر: بالنسبة إليه- تكون من المتشابه. ويأتي أحد من الناس على اطلاع على علم، يقرأ نفس هذه الآية، ولا تستشكل عليه. إذن، هذا يسميه العلماء بالتشابه النسبي. وهذا الذي ورد في كتاب الله عز وجل. وهذا الذي قال العلماء: أن هذا التشابه إذا حصل لديك يا عبد الله، عليك أن ترده إلى المحكم؛ لأنه لا يمكنك أن تعمل بالمتشابه، وهو فيه تشابه. التشابه دلالته غير واضحة. فكيف تعمل بالمتشابه، ولم تتضح دلالته؟ وقد ذكرنا عبارة شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، والذي حكى فيها أن من السلف من كان يقول: أن آيات المحكم يعمل بها، وآيات المتشابه يؤمن بها. تؤمن بها، ولا تعمل بها. الآيات المتشابهة تؤمن بها، ولا تعمل بها؛ إذ أنها في طور التشابه. لكن ما الذي عليك؟ أن ترجع هذا المتشابه إلى المحكم، حتى يصير الكل محكمًا. قال رحمه الله تعالى: وقد ذكر العلماء -كما ذكر ذلك السعدي رحمه الله تعالى- لماذا يقع التشابه عند بعض الناس؟ لماذا بعض الناس إذا قرأ آية من كتاب الله تشتبه؟ ذكر ذلك رحمه الله تعالى. قال: أن التشابه الذي يحصل فيه الحيرة، قال: إما لناقص العلم، أو ناقص المعرفة. تقع هذه الإشكالات، وهذا التشابه لمن نقص علمه، ولمن نقص معرفته بدين الله. أما الذي عنده علم بدين الله، لا يقع منه التباس، ولا يقع منه تشابه. ولهذا ابن عباس رضي الله تعالى عنه، قال: لما قرئت هذه الآيات من آل عمران، قال: أنا ممن يعلم تأويله. أنا ممن يعلم تأويله؛ أي: لرسوخه في علم التفسير. ما تستشكل عليه آية من كتاب الله عز وجل. وفي هذا أعظم رد على المفوضة ممن يرى أن من الآيات ما هي من المتشابه الذي كل الناس لا يعرفون معناه. وهذا باطل. ما نقول: أن هناك آيات من كتاب الله لا أحد يدري بمعناها، وأن أمرها غيبي. لا. ليس هذا. بل القرآن أنزله ربنا جل وعلا تبيانًا للناس، تبيانًا لا غموض فيه، وإنما تبيانًا وإيضاحًا؛ حتى يؤمن به ويعمل به. قال رحمه الله تعالى: قال: إذ لا يوجد في القرآن شيء لا يتبين معناه لأحد من الناس. قال الله تعالى: ﴿هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين﴾. حتى من هذا الباب ما يتعلق بالحروف المقطعة التي تأتي في أوائل السور. تجد أن بعض العلماء من المفوضة يقول: وهذه الحروف المقطعة علمها عند الله. بعضها العلم. ما يرى هذا العبارة صحيح. وما ينبغي أن نقول: أن علمها إذا أنعمنا الحروف المقطعة من المتشابه الذي لا يعلم علمه إلا الله. ولهذا يرى جماعة من أهل العلم -ليس هذا صحيح- ومنهم بعضهم من أتى ببعض الطرق التي تفسر بها هذه الأحرف المقطعة. ومسألة يطول ذكرها. لكن من أجمل ما يقال في حق هذه الحروف: أنها غير معروفة المعنى. قال: ليس لها معنى، لكن لها مغزى. ليس لها معنى؛ لأنها أحرف. نحن نقف على ظاهر نص. ليس لها معنى؛ لأنه أحرف: صاد، باء، سين، كاف. ها: هذه أحرف. ما يمكن لأحد أن يأتي لها بمعنى. وهذا هو حكم اللغة. حكم اللغة في الأحرف العربية أنها بهذه الأحرف المقطعة ليس لها معنى. لكن يقال: أن لها مغزى. ليس لها معنى، ولكن لها مغزى. وهذا قاله جماعة من العلماء. قال الله تعالى: ﴿هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين﴾. وهنا سرد المؤلف رحمه الله تعالى الآيات الدالة على أن القرآن واضح، وأن القرآن بيّن، وأن لا تظن يا عبد الله أن هناك في القرآن ما هناك آيات متشابهة تشتبه على جميع الناس. نعم، أنت وفلان وزيد وعبيد. لربما تشتبه علينا بعض الآيات، لكن نردها إلى أهل العلم، إلى أهل الرسوخ، فيتضح ذلك، فيزال اللبس الذي وقعنا فيه. قال رحمه الله تعالى: وقال تعالى: ﴿ونزلنا عليك الكتاب بيانًا لكل شيء﴾. وقال: ﴿فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه﴾. فربنا جل في علاه هو الذي تكفل ببيان القرآن. فليس فيه ما فيه إبهام وغموض لا يعرفه أحد من البشر. قال: يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورًا مبينًا. قالوا: أمثلة هذا النوع كثيرة. منها قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾، حيث اشتبه على أهل التعطيل، ففهموا منه انتفاء الصفات عن الله تعالى، وادعوا أن ثبوتها يستلزم المماثلة. وأعرضوا عن الآيات الكثيرة الدالة على ثبوت الصفات له، وأن إثبات أصل المعنى لا يستلزم المماثلة. وقد جاء ذلك -كما في درس ماض- عما يتعلق بباب الأسماء والصفات. فأهل البدع والأهواء لربما تشتبه عليهم بعض الآيات، لكن إذا أنهم أصحاب إنصاف، وأرجعوا هذا المتشابه -على حد زعمهم الذي تشابه عندهم ولديهم- لو ردوه إلى المحكم من كتاب الله، والمحكم كثير، والمحكم كثير جدًا. وكما قلنا: مثل مسألة الاستواء. تجد أن آيات الاستواء، وأحاديث الاستواء، وعقيدة الاستواء عند علماء أهل السنة ثبتت من ألف دليل. ألف دليل يدلك على علو الله. تجد أن أهل البدع يعرضون عن هذه الأدلة الكثيرة المستفيضة من الكتاب والسنة، ومن أقوال السلف، وإجماعات الأئمة، يعرضون عن ذلك إلى آية مشكلة غير واضحة: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾. يقول: هذه الآية فيها أن الله في كل مكان، وأن الله لا مكان. طيب، عند هذه الآية أشكلت عليك، وهذه الآيات الواضحة التي فيها علو الله سبحانه وتعالى تردونها. هذا فعل أهل البدع والزيغ. فربنا سبحانه وتعالى أوضح الآيات المحكمات. فالآيات المحكمات كثيرة جدًا. فأنت يا عبد الله إذا أشكلت عليك آية، فرد هذه الآية إلى الكثير من المحكم، فيزول بهذا الإشكال الذي يطرأ. وهكذا في باب الأسماء والصفات. تجد أنهم لو ربما تعلقوا بآية أو بحديث، وتركوا مئات الأحاديث، ومئات الآيات الواضحة في إثبات عقيدة الأسماء والصفات. لكن الزيغ الذي طرأ في قلوبهم أدأهم إلى هذا التعامل مع كتاب الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: ومنها قوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابًا عظيمًا﴾، حيث اشتبه على الوعيدية. الوعيدية هم ممن يقدمون آيات الوعيد -وهو المعتزلة والخوارج- ويعرضون عن نصوص الرجاء. يقدمون أحاديث، آيات الوعيد على نصوص الرجاء. قال: ففهموا منه أن قاتل المؤمن عمدًا مخلد في النار. وطردوا ذلك في جميع أصحاب الكبائر. وأعرضوا عن الآيات الدالة على أن كل ذنب دون الشرك فدون مشيئة الله تعالى. انظر في مسألة ما قام به الخوارج، مثلًا، وهكذا المعتزلة في حق الفاعل في الدار الآخرة أنه كافر. كعقيدة عند المسلم: أن ما من معصية يفعلها المسلم بفسقه وفجوره فإنه تحت مشيئة الله. إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. وجاءت الآيات والأحاديث الكثيرة كيف أن الله يعذب أصحاب الذنوب على معاصيهم، ثم بعد ذلك يدخلهم إلى الجنة برحمته وفضله، على ما كان من التوحيد. آيات كثيرة مستفيضة جدًا في هذا الباب. لكن تجد أهل البدع جاءوا عند هذه الآية الوحيدة، وهي أن الله سبحانه وتعالى حكم على أن قاتل النفس خالد مخلد في نار جهنم. فجعلوا من هذه الآية وحكموا على أن كل من قتل نفسًا أنه يخلد في نار جهنم. ثم سحبوا هذه القضية في جميع الذنوب والمعاصي. يعني: سحبوا الآيات المحكمات إلى هذه الآية من المتشابه. هذا كما يقال: هذا هو العور بعينه. العور بعينه: أنك تأتي إلى آية وحيدة، فتجعل هي المتحكمة بجميع الآيات المحكمات. ولهذا قال: مثل بن عثيمين بهذه الآية. فقال رحمه الله تعالى: وأعرضوا عن الآيات الدالة على أن كل ذنب دون شرك وتحت مشيئة الله. ولهذا العلماء رحمه الله تعالى لإبقاء هذه الآيات على إحكامها، وهذه الآية مما تشتبه على الناس. العلماء لهم فيها تأويل، ولهم فيها مخارج. فقالوا: هذه الآية التي حكم فيها ربنا سبحانه وتعالى على أن قاتل النفس خالدًا مخلدًا في نار جهنم، تحمل على إحدى أمور. إما الأمر الأول: تحمل على أنها خرجت مخرج الزجر والتهديد. خرجت مخرج الزجر والتهديد، لا حقيقة الوعيد. مثاله: كما يفعل الوالد مع ابنه. يهدده يقول: إن فعلت كذا لأقتلنك، لأقتلنك. وهل هو الأب يريد حقيقة القتل لابنه؟ ما سيقتله. وهذا يعرفه كل القريب والداني. لن يقوم بوعده. وإنما أراد بالقتل التهديد. يرعبه، يزجره بهذا الوعيد. إذن، قال علماء: وهذا من هذا القبيل. فربنا حتى يزجر الناس من هذه المصيبة العظيمة -وهو القتل الأنفس- أن الله تهددهم بالخلود في نار جهنم، وليس المراد الخلود. وإنما المراد الزجر والتهديد. الوجه الثاني من محمل هذه الآية، قال علماء: أن الخلود هنا بمعنى طول المكث. طول المكث، ليس المراد بها الأبدية. ليس المراد بها الأبدية. ولهم استدلال على ذلك. وقول آخر منهم: من قال: أن هذه الآية تحمل في حق المستحل. في حق المستحل: أن من استحل قتل النفس فإنه يخلد في نار جهنم. وهذا القول وإن قال به جماعة من أهل العلم، إلا أن الإمام أحمد أنكر ذلك. إمام أحمد أنكر هذا التأويل، وأن هذا لا يصح. لماذا؟ لأن الإمام أحمد يقول: كيف تقولون: يعني من استحل قتل النفس ثم قتل يخلد في نار جهنم؟ قال: ليش؟ من يقول بهذا؟ قال: أن هذا الرجل لو أنه استحل بقلبه، ولو لم يقتل، فإنه كافر. وأوضح المسألة: إمام أحمد يقول: أن رجل هنا جالس في بيته، ثم من توه اعتقد عقيدة على أن قتل، سفك دماء المسلمين مستباح لي. اعتقد، ولو لم يفعل، فإنه يكفر. ولو لم يفعل، فإنه يكفر. أي: أن الاستحلال هذا لا يحتاج إلى عمل أصلا. ولهذا عاب إمام أحمد رحمه الله تعالى على أن من فسر هذه الآية بأنه من استحل ثم قتل. فإن هذا ليس من التأويل بصحيح. وهكذا بعض العلماء قال: أن هذه الآية تخرج على أنه أن من فعل هذا فإنه يخلد في نار جهنم، إلا أن يأتي بمانع. هذا قول معتبر. العلماء في تفسير هذه الآية: أي: أنه من قتل مؤمنًا متعمدًا، فإن جزاءه أن يخلد في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها، إلا أن يأتي بمانع. كالإيمان. يأتي بمانع: الإيمان. فإن كان من أهل الإيمان، فإنه يصرف عن الخلود في نار جهنم. فهذه التأويلات بعضها مقبول. بعضها مقبول، بل مؤيد بأدلة كثيرة. إذن، هذه الآية استطعنا ماذا؟ أن نجعلها تنصر في المحكم. تنصر في المحكم، ونجعل أن قتل المؤمن ليست من الكفريات، بل هي من سائر المعاصي والذنوب. ولا أننا نزعزع بتلكم الآيات المئات التي فيها إقرار على أن الذنوب تحت مشيئة الله. نجعلها من آيات الوعيد الذي صاحبها يخلد في نار جهنم. وهذا الذي عليه أهل السنة والجماعة: أنهم يرجعون المتشابه إلى المحكم، لا أنهم يرجعون المحكم إلى المتشابه، كصنيع المبتدعة. قال رحمه الله تعالى: ومنها قوله تعالى: ﴿ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير﴾، حيث اشتبه على الجبرية. الجبرية ممن ينفون القدر، ويجعلون أن العبد مجبور على فعله. مجبور على فعله، وأن الله هو الذي يجبره على فعل الأشياء، والعبد ليس له قدرة، وليس له إرادة. بل هو عنده مسلوب القدرة والإرادة. الجبرية يشبهون الإنسان في حياته كحال الريشة في مهب الريح. تأتي بريشة، ثم ترمي بها في مهب الريح. كيف هي الريشة تتمايل يمنة ويسرة؟ بما لا تتمايل؟ هل هي تتمايل بنفسها؟ أم بالريح الذي يتمايل بها؟ الريح هو الذي يلعب بها يمنة ويسرة. ويقول: وهكذا الإنسان في الدنيا فإنه ليس له قدرة، ولا إرادة، وإنما الذي يحركه هو الله سبحانه وتعالى. هكذا قال. واستدلوا بهذه الآية على هذه المسألة: على هذه الآية: ﴿كل ذلك في كتاب﴾، أي: كل ذلك قد وجد في الكتاب. فالإنسان إنما يجبر على ما كتب له. قال رحمه الله تعالى: حيث اشتبه على الجبري، ففهموا منه أن العبد مجبور على عمله. وادعوا أن ليس له إرادة، ولا قدرة عليه. وأعرضوا عن الآيات الدالة على أن للعبد إرادة وقدرة، وأن فعل العبد نوعان: اختياري، وغير اختياري. وهذا الإعراض: يعني جئتم عند هذه الآية التي فيها اللبس. تقول: بما أن الله كتب أحوال العباد في اللوح المحفوظ، إذن العباد سيكونوا قد أجبروا على أفعالهم. طب: هل هذا لازم؟ طب: أين الآيات التي قد ملئ بها القرآن، وربنا يدلك، وأثبت لك على أن الله قد جعل للناس إرادة، وجعلهم قدرة، هم يتصرفون بها؟ قال ربنا جل وعلا: ﴿فمن شاء منكم أن يستقيم﴾. أثبتوا ربنا لكم المشيئة. قال ربنا جل وعلا: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾. أعطاك ربنا سبحانه وتعالى المشيئة. فهذه الآيات وهي مئات الآيات: ﴿منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة﴾. أثبت ربنا الإرادة لعباده. بل ربنا جعل أن حساب العبد يحاسب على أعمال هو التي كسبها: ﴿يوم تجزى كل نفس بما كسبت﴾. هي التي كسبت، هي التي كسبت. فهذه آيات كثيرة جدًا في أن الله أثبت للعبد إرادة وقدرة. لكنهم تركوا هذا المحكم، وتمسكوا مثل هذه الآية، وجعلوها هي المحكمة. وهذا هو الضلال. ولهذا قال رحمه الله تعالى: أن فعل العبد نوعان: اختياري، وغير اختياري. نعم، العبد أحيانًا يفعل أشياء باختياره، وهذا الذي يراه من نفسه. وأحيانًا يضطر إلى فعل أشياء ليس باختياره. وهذا كحال الإكراه. كحال الإكراه: إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان. قد يضطر العبد أن يفعل شيئًا مكره عليه. وهذا الإكراه لا يؤاخذ عليه؛ لأنه غير اختياري، ليس باختياره. لكن الأفعال تفعله باختيارك يا عبد الله: من فعلك، ومن تركك، ومن معصيتك. فهذا مما يحاسب. قال رحمه الله تعالى: والراسخون في العلم أصحاب العقول يعرفون كيف يخرجون هذه الآيات المتشابهة إلى معنى يتلاءم مع الآيات الأخرى، فيبقى القرآن كله محكمًا لا اشتباه فيه. وسيأتي إن شاء الله في فصل بعد هذا الفصل: يأتي المؤلف إذا كان أمر كذلك، ما الحكمة؟ لماذا جعل ربنا جل وعلا كتابه المحكم؟ لماذا جعل المتشابه؟ وهذا يأتي لحكم عظيمة ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى في كتبهم. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.