شرح أصول في التفسير للعثيمين  2

شرح أصول في التفسير للعثيمين 2

الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تعريف القرآن لغة واشتقاقه

يناقش تعريف القرآن لغة واشتقاقه، حيث يرى العلماء آراء مختلفة حول كونه جامدًا أو مشتقًا من 'قرأ'. يُوضح آراء العلماء في اشتقاق كلمة 'القرآن'.

تعريف القرآن في الشرع وحفظه

يعرّف القرآن في الشرع بأنه كلام الله المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، والمحفوظ من التغيير والتبديل. حمى الله القرآن من الزيادة والنقص.

ضمان حفظ القرآن وصفاته وأحكام التلاعب به

تكفل الله بحفظ القرآن وأمر بتدبره، ووصفه بأوصاف عظيمة. من يزعم تغيير القرآن فهو كافر عند العلماء.

فضل القرآن وأثره في الهداية والإيمان

القرآن سبب للهداية وزيادة الإيمان، يهدي إلى الصراط المستقيم ويزيد المؤمنين إيمانًا، بينما يزيدهم رجسًا على رجسهم للكافرين.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فقد مر معنا في درس ماض عما يتعلق بمقدمة رسالة للمؤلف -رحمه الله تعالى- "أصول في التفسير"، وذكرنا ما يتعلق بتعريف هذا الفن، وأيضًا ما يتعلق بأهم المباحث التي سيتطرق إليها المؤلف -رحمه الله تعالى-، ثم عرجنا على أهم الفوائد والثمرات التي يجنيها الباحث في هذا الفن العظيم. ثم قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: "القرآن الكريم". قال: "القرآن في اللغة مصدر قرأ بمعنى تلا أو بمعنى جمع". تقول: "قرأ قراءة وقرآنًا"، كما تقول: "غفر غفرًا وغفرانًا". فعلى المعنى الأول "تلا" يكون مصدرًا بمعنى اسم مفعول، أي بمعنى متلو. وعلى المعنى الثاني "جمع" يكون مصدرًا بمعنى اسم الفاعل، أي بمعنى جامع لجمعه الأخبار والأحكام. بدأ المؤلف -رحمه الله تعالى- أول ما بدأ في ذكره التمهيد لهذه الكلمة، وهو القرآن الكريم، ما معناه في اللغة وفي الشرع؟ فذكر -رحمه الله تعالى- ما يتعلق بتعريفه اللغوي، فذكر اشتقاقات هذه الكلمة. وقبل هذا المدخل إلى كلام المؤلف -رحمه الله تعالى-، كذلك ناسب أن نذكر ما هو أعم من ذلك حول ما يتعلق بأصل هذه الكلمة ووضعها اللغوي. اختلف العلماء -باديء ذي بدء- في كلمة "القرآن"، والقرآن أصبحت الآن علمًا على هذا الكتاب المنزل الذي أنزله ربنا سبحانه وتعالى. لكن بقي هذا القرآن، وهذا العلم، هل هو في أصله جامد أم مشتق؟ هل هو جامد أم مشتق؟ على قول من يقول بأنه جامد، أي أنه علم جامد، فيكون ماذا؟ علمًا مرتجلًا، جاءت العرب وسمته بهذا الاسم ارتجالًا، لم يكن عن أمر سابق. وهذا مثل "التوراة" ومثل "الإنجيل"، أصبحت أسماء فقط، طُرحت على هذه الكتب. هذا كتاب سمي "التوراة"، وهذا كتاب سمي "الإنجيل"، فأصبحت أعلامًا وضعت مرتجلة، جامدة، ليس لها اشتقاقات أو صفات. وهذا القول من يقول بأن القرآن كلمة علم مرتجل، وهذا المشهور عن إمام الشافعي -رحمه الله تعالى-. الشافعي يرى هذا، ولا يرى أنها مأخوذة من "قرأته" ولا من شيء، لا يرى هذا، بل له إلزامات على من يلزمه بهذا. يلزم بغيره، وهذا ليس المقام مقام التفصيل في إلزامات الشافعي -رحمه الله تعالى-. والشافعي -كذلك- مع الفائدة يرى أن هذه الكلمة غير مهموزة، ويرى أنها "قرآن" بغير همز. وهذا ترجيح الشافعي، وكذلك جماعة ممن دخل في علوم القرآن من الشافعية، ذهبوا إلى ما ذهب إليه الإمام -رحمه الله تعالى- بأن القرآن جامدة وليست مشتقة. وجماعة من أهل العلم يرون أن القرآن هي كلمة مشتقة. ونعني بكلمة مشتقة، أي أنها علم يدل على صفة. كما مر معنا في "الرحمن" و"الرحيم"، فهي أعلام للباري سبحانه وتعالى، وهي كذلك تتضمن صفة، صفة الرحمة. صفة الرحمة. فالقول الثاني، وهو قول كثير من العلماء، إلى أن القرآن هو علم مشتق، بمعنى المشتق، أي دال على صفة. طبعًا هذا -أخوان- مختصر لهذا المباحث، تحتاج إلى تفاصيل. نأتي إلى من ذهب إلى أن القرآن مشتق، بقي اختلف في اشتقاقه من ماذا؟ فهنا قسم العلماء إلى قسمين: إلى أن القرآن مشتق من وأصله مهموز، ومن من قال مشتق من أصل غير مهموز. هذا قول، وهذا قول. فذهب جماعة -مثلًا- إلى أن القرآن هي كلمة مأخوذة من أصل غير مهموز، ليس فيه همز من أصله. ومثلًا من ذهب إلى أن القرآن مأخوذ من "قارنة" من الاقتران. ومن "قرن" الشيء بالشيء. قالوا: وهذا أخذ القرآن منه. لهذا هم يرون أن الذي يرى أن أصله غير مهموز، فيرى القرآن غير مهموز. فيرى أنه "قرآن" بغير همز. "قرآن" من أين جاء؟ قال: "جاء القرآن" هذا من أنه أصله غير مهموز. ما هو أصله؟ قالوا: من الاقتران. سمي القرآن قرانًا لأنه فيه اقتران الشيء بشيء. ما وجه الاقتران الموجود في القرآن؟ قال: الاقتران بعضه ببعض، سورة بسورة، آية بآية، كلمة بكلمة. هذا الاقتران الموجود، كان أصله، فهو مأخوذ ماذا؟ من "قرن" من الاقتران، فهو غير مهموز. وذهب جماعة أنه مأخوذ من "القرائن". ومعنى "القرائن" هنا التشابه. فقالوا: القرآن قرين بعضه ببعض. ما معنى "القرين" هنا؟ أنه يشبه بعضه بعضًا، يشبه بعضه بعضًا. فهذه الأقوال -قول من قال بأنه مأخوذ من القرائن أو مأخوذ من الاقتران- كلهم ذهبوا إلى أنه غير مهموز، وأن النون فيه أصلية. القول الثاني، وهذا الذي ذكره الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله تعالى-: قول من يقول بأن القرآن مشتق، واشتقاقه من أصل مهموز، من أصل مهموز. الذي ذهب إلى أن القرآن علم مشتق، وأن اشتقاقه من كلمة مهموزة. ومهموز في علم الصرف، ما كان أصله فيه همزة، إما في البداية أو في الوسط أو في الآخر، أي في أصله همزة. فالذي ذهب إلى أن القرآن مشتق من أصل مهموز، ذهبوا إلى هذا المذهب الذي ذكره العلامة ابن عثيمين -رحمه الله تعالى- بأن معناه إما مأخوذ من "تلا" أو مأخوذ من "جمع". لأن "قراءة" بالهمز في لغة العرب تأتي على هذين المعنيين، تأتي على معنى "تلا" وتأتي على معنى "جمع". قال -رحمه الله تعالى-: "قال القرآن في اللغة مصدر قراءة بمعنى تلا أو بمعنى جمع". وهذا هو المذهب الثاني في قول من يقول بأن القرآن مشتق، وأن اشتقاقه من أصل مهموز. يذهب إلى هذه المعاني. قال: "تقول قرأت قرآنًا وقرآنًا، كما تقول غفر غفرًا وغفرانًا". قال: "فعلى المعنى الأول تلا، أي لو قلنا أن القرآن مأخوذ من قرآن الذي بمعنى تلا". إذا قلنا بأن القرآن مأخوذ من قرآن الذي بمعنى تلا، فيكون هنا ماذا؟ المصدر دال على ماذا؟ على معنى مفعول. قال: "لأن تلا بمعنى متلو". لقلنا: "القرآن" هنا أصله من قرآن. كيف قرآن؟ قال: "قرآن" هنا بمعنى "تلا". وهل القرآن يتلو؟ لا، القرآن متلو، فهو اسم مفعول، فهو اسم مفعول. فهذا على قول من قال بأن القرآن بمعنى "قرأ" الذي بمعنى "تلا"، فيكون المصدر بمعنى اسم المفعول. قال -رحمه الله تعالى-: "يكون مصدرًا بمعنى اسم المفعول"، أي بمعنى متلو. وعلى المعنى الثاني "جمع"، لأن "قرأ" تأتي في لغة العرب بمعنى "جمع". يقول قائلهم: أو يقول: "قرأت الماء في الحوض"، أو "قرأ الماء في الحوض"، معنى "قرأ الماء" بمعنى "جمع الماء". هذه لغة في لغة العرب. "قرأ" بمعنى "جمع". "قرأ الماء في الحوض" بمعنى "جمع الماء في الحوض". فـ"قرأ قرآنًا" معنى "جمع القرآن". فهنا إذا فسرنا أن القرآن مأخوذ من "قرأ" بمعنى "جمع"، فهنا قال -مؤلف- رحمه الله تعالى: "يكون مصدرًا بمعنى اسم الفاعل"، أي أن القرآن هو الذي جمع، هو الذي جمع، اسم فاعل. وما الذي جمع؟ قال -رحمه الله تعالى-: "أي بمعنى جامع لجمعه الأخبار والأحكام". هذا تخريج لأنه بمعنى "جمع" باسم فاعل. هناك تخريج آخر أيضًا لأنه جامع. قال: "لأنه جامع للكتب السالفة والكتب السابقة فيه". فهو جامع، ليس جامعًا فقط للأحكام. قال: "كما ذكر المؤلف". هناك معنى أعم. قال: "أن القرآن جامع من أنه جمع الكتب السابقة، وجعلها فيه". ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾. وأيضًا يقول علماء: حتى على قول من قال "جمع"، أن "قرأ" بمعنى "جمع"، ليس فقط يكون على اسم فاعل، بل يأتي كذلك على اسم مفعول، يأتي كذلك "جمع" على اسم مفعول، بمعنى أنه مجموع، بأنه مجموع. وهذا كذلك حاصل، وهذا معنى صحيح. لأن القرآن قد جمع، أن القرآن قد جمع. إذن عندي القرآن مأخوذ من "قراءة" بمعنى "جمع". "جمع" هنا المصدر يكون إما اسم فاعل، بأنه جامع، أو أنه اسم مفعول، بأنه مجموع. وكل ذلك صواب. فهذه -أخوانا- في ذلك ملخص ما ذكر المؤلف -رحمه الله تعالى-. وهذه خلفية تكون -يا عبد الله- على اطلاع بها، وأنت تسمع هذه اللفظة "القرآن الكريم". تعلم أن القرآن اختلف فيه العلماء: هل هو جامد؟ هل هو مشتق؟ وعلى قول من قال أنه مشتق: هل هو مهموز أو غير مهموز؟ فتكون على هذه البينة. تأتي مسألة أخرى: لو قلنا "الراجح"، وهذا الذي عليه الكرام العلماء، على أن القرآن مهموز. القرآن مهموز، فكيف تفعل في بعض القراءات؟ كقراءة ابن كثير -رحمه الله تعالى- أنه يقول: أنه يقرأ "القرآن" في قراءته بغير همز. ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ يذكرها بغير همز. إذن هذا دلالة على صحة من ذهب إلى أن القرآن في أصله غير مهموز، وأنه مأخوذ إما من الاقتران أو مأخوذ من القرائن. قال العلماء: "لا، ما نقول بهذا". نقول على صحة الرواية التي جاءت عن ابن كثير -رحمه الله تعالى- بأن القرآن نطق بغير همز. قال: "إنما هذا يخرج من باب التخفيف". من باب التخفيف، وهذا موجود كثيرًا في العرب. فإن العرب يخففون. "القرآن" حركة الهمزة من أجل التخفيف، أخذت و"أُولِت" إلى سكون، وحركة الهمزة أعطيت ماذا؟ للراء الساكن، فأصبحت "قرآن" هي "قرآن". لكن ما الذي فعله؟ من باب التخفيف. أخذت حركة الهمزة وجعلت على السكون طلبًا للتخفيف، وأعطيت حركة الهمزة للذي قبله، وهو الراء، فأصبح متحركًا. فإذا ألزمته بهذه الكلمة، وأنت تقول بأن القرآن أصله مهموز. فقال بعض من قال: "لا، القرآن ليس مهموز، بدلالة القراءة الواردة عن ابن كثير -رحمه الله تعالى- أنه يقرأ بغير همز". فإلهي مخرجة على أن أصله غير مهموز. قل: "لا، لا تلزمني بهذا". لا ألتزم بهذا. لأن ما أقول: أن أصله غير مهموز، بل أقول: أن "قرآن" ذكرت هكذا من باب التخفيف. ليس فقط من باب ماذا؟ الرجوع إلى الأصل. وهذا -أخواني في الله- مبحث يذكره العلماء في علوم القرآن. ثم قال -المؤلف- رحمه الله تعالى: "والقرآن في الشرع". وهذا الذي يهمنا. وإنما ذكرنا ما ذكرنا استطرادًا. لأن المؤلف أشار إليه. ويهمنا في هذا الباب القرآن في الشرع. ما تعريفه؟ وما هيته؟ قال -رحمه الله تعالى-: "والقرآن في الشرع كلام الله تعالى المنزل على رسوله وخاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، المبدوء بسورة الفاتحة، المختوم بسورة الناس". قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾. وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. عرف المؤلف -رحمه الله تعالى- القرآن الكريم، عرفه بهذا التعريف. فقال: "القرآن في الشرع كلام الله". وهذا هو منهج أهل السنة والجماعة. القرآن هو كلام الله، فليس هو كلام نفسي، وليس كذلك حكاية عن كلام الله، بل هو كلام الله حقيقة. قال: "هو كلام الله تعالى المنزل". وهنا كلام الله المنزل أخرج الكلام الذي لم ينزله ربنا سبحانه وتعالى، وإنما استأثره لنفسه جل في علاه. فهذا التقييد لهذا المعنى، حتى نخرج الكلام كلام الله سبحانه وتعالى الغير منزل، فهو كلام استأثره الله سبحانه وتعالى لنفسه. فهذا ما يسمى القرآن. فقال: "القرآن هو كلام الله تعالى المنزل على رسوله وخاتم أنبيائه محمد". وهذا بهذا القيد أخرجنا الكتب السماوية الأخرى. فـ"الإنجيل" لا يسمى قرآنًا، و"التوراة" لا تسمى قرآنًا. لأن من وصف القرآن أنه كتاب أنزل على محمد عليه الصلاة والسلام، خاصة بهذا أخرجنا ما سواه، ما عدا. قال: "كلام الله تعالى المنزل على رسوله وخاتم أنبيائه محمد صلى الله عليه وسلم، المبدوء بسورة الفاتحة والمختوم بسورة الناس". وطبعًا هذا على الترتيب الذي مشى عليه الصحابة في جمعه من القرآن. وهذا الذي عليه العمل في هذا الأزمان، أن الناس قد تواثرت عنهم الرضا بهذا الترتيب، من سورة الفاتحة إلى سورة الناس. وإلا فإن المصاحف التي كانت في يد الصحابة تختلف في ترتيبها، تختلف في ترتيبها. فبعضهم كان يبدأ بالقصص ثم الطوال، بعضهم بالعكس. بعضهم كان يبدأ بأسباب النزول، أول ما نزل بسبب النزول. فلم ترتيب أنواع وأقسام في الترتيب. لكن بعد ذلك تلاشت هذه الأنواع من الترتيبات المصحف، واستقر الناس على هذا الترتيب، البدء بسورة الفاتحة وانتهاء بسورة الناس. فهذا التعريف الذي ذكره المؤلف اختصارًا لمعنى القرآن، فهو كلام الله تعالى المنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم. وبعضهم يضيف قيدًا، يضيف قيدًا، وهو "المتعبد بتلاوته". المتعبد بتلاوته. وطبع هذا خاصية لا توجد إلا في القرآن. وبعضًا أضاف هذا القيد، ما الذي أراد من هذا القيد؟ إخراج الحديث القدسي. لأن الحديث القدسي فيه نوع مشابه من القرآن، فهو كلام الله منزل على نبينا عليه الصلاة والسلام، لكن فارقه بأن القرآن يتعبد بتلاوته، بخلاف الحديث القدسي، فهو لا يتعبد بتلاوته. وهناك فرق عديدة ترجع في مضانها. والقرآن -إخواني في الله- من باب الفائدة، إطلاق "القرآن". إذا علمنا معنى القرآن، فالقرآن هو لفظ مشترك. أحيانًا يطلق القرآن على القرآن بأكمله. يقال: "هذا القرآن الكريم" على القرآن بأكمله. وأحيانًا يطلق القرآن على آية من آياته. فهو لفظ مشترك يشمل الكل ويشمل البعض. يدخل في هذا ويدخل في هذا. ولهذا في قول تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾. ما معنى "إذا قرئ القرآن"؟ أي: لا بد أن القرآن يقرأ بأكمله، حتى تنصت ولو آية، ولو آية من كلام الله سبحانه وتعالى، فهذه الآية تسمى قرآنًا، تسمى قرآنًا. فهو لفظ يدخل فيه عموم الجميع، الجميع السور، ويدخل كذلك فيه ولو بعض آياته. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: "وقد حمى الله تعالى هذا القرآن العظيم من التغيير والزيادة والنقص والتبديل، حيث تكفل عز وجل بحفظه". فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. نعم، القرآن -إخواني- فلا تكفل ربنا بحفظه، فلا يدخله التغيير ولا التبديل، وهو صحيح لا شك فيه ولا ريب. ومن هنا قال علماء: أن الناظر في القرآن الكريم يحتاج إلى أمر واحد، وهو استخلاص الحكم. استخلاص الحكم، هذا الناظر في القرآن. أما الناظر في السنة فيحتاج إلى أمرين اثنين، يحتاج إلى النظر في ثبوته، ويحتاج بعد ذلك النظر في الاستدلال به. إذن تجد أن القرآن من حيث الصحة لا إشكال فيه، ولا غبار عليه. لأن الله قد تكفل بحفظه، تكفل ربنا سبحانه وتعالى بحفظه. فقال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. قالوا: لذلك مضت القرون الكثيرة، ولم يحاول أحد من أعدائه أن يغير فيه أو يزيد أو ينقص أو يبدل، إلا هتك الله تعالى ستره وفضح أمره. نعم، أصبح. وحاول بعض الزنادقة من الدس التغيير والتبديل في كتاب الله سبحانه وتعالى، لكن سرعان ما يفضح أمرهم، سرعان ما يفضح أمرهم. لأن الله قد تكفل سبحانه وتعالى بذاته العلية أن يصون هذا الكتاب من أي تغيير أو تبديل يحصل فيه. وبهذا نعلم كفر من يقول بأن القرآن قد بدل أو أن القرآن قد غير، كحال الروافض من الاثنى عشرية، من من يزعمون بأن القرآن قد غير، وأن أياد التحريف قد نالت القرآن، فحذفت سور، حذفت سورة الولاية، حذفت سورة... ما ذلك؟ وإيش حذفت؟ وهناك كذلك آيات قد حذفت، آيات "البيع لعلي" حذفت. كلام -عوذ بالله- وكذلك تصحيف، قالوا: هناك آيات أدخلت وهي ليست فيه. هذا الذي يدعي بذلك، فهو كافر، وقد اتفق العلماء على كفره، وعلى ردته. على أن من يزعم -بل بعض المقال- من ظن بأن هناك حذف أو زيادة لكلمة من كلمة القرآن، فهذا لا شك في كفره. فكيف بالذي يرمي القرآن برمته، بأن قد حرف وغير وزيد فيه؟ فالقرآن -إخواني- فلقد تكفل ربنا سبحانه وتعالى بصيانته ورعايته، ورد أفعال المغيرين إلى نحورهم. فكم من رجل حقير ذليل زنديق، أراد أن يدخل في كتاب الله ما ليس منه، فإذا بأمره قد يفتضح أمام القاص والداني. قال -رحمه الله تعالى-: "وقد وصفه الله تعالى بأوصاف كثيرة تدل على عظمته وبركته وتأثيره وشموله، وأنه حاكم على ما قبله من الكتب". وهذا مما يتعلق بقرآن -إخواني في الله- وما يتعلق بعظمته، كثرة الأوصاف. فالشيء إذا كثرت أوصافه، تدل على عظمته. الشيء إذا كثرت أوصافه، كثرت أوصافه دلت على عظمته. فقال -رحمه الله تعالى-: والآن سيستطرد لنا المؤلف -رحمه الله تعالى- بذكر أهم الصفات التي وصف فيها ربنا سبحانه وتعالى هذا الكتاب العظيم الذي بين أيدينا. قال -مؤلفه- رحمه الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾. وقال سبحانه: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾. "المجيد" بمعنى العظيم. ومن هنا قال علماء: هذه فيها فائدة، إذا كان القرآن عظيم، فإن من تمسك به ستناله العظمة. الجزاء من جنس العمل. ستكتسب العظمة -يا عبد الله- متما كنت متمسكًا مستمسكًا بكتاب الله سبحانه وتعالى. لأنه قرآن عظيم، فمن تمسك به نالته العظمة. وأنت -يا عبد الله- على قدر تمسكك ستناله هذه العظمة، بين مستقل وبين مستكثر. وفي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾. اختلف العلماء في "سبع المثاني" ما هي؟ فجمع من العلماء إلى أنها "الفاتحة"، "الفاتحة" سبع آيات. ومن العلماء من ذهب إلى أن السبع المثاني هي السور السبع الأول في المصحف: "البقرة" و"النساء" و"العمران" و"المائدة" و"الأعراف" و"الأنعام" و"يونس". فقالوا: هذه السبع السور الأول. وهذه مسألة مختلفة فيها، يراجع في مظانها. الحاصل أن الله سبحانه وتعالى وصف قرآنه بالعظمة. قال: وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَتَدَبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. قال: "وهذا كتاب أنزلناه مبارك". فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون. إذن هذا الكتاب كذلك وصفه ربنا سبحانه وتعالى أنه منزل. "كتاب أنزلناه" وهو منزل من لدن ربنا عز وجل، فهو ليس من كلام محمد، يتلفظ به كما يدعي من يدعي من أهل الكفر. بل هو كتاب أنزله ربنا سبحانه وتعالى. وقوله سبحانه: "مبارك". مأخوذ من البركة. والبركة هي ثبوت الخير الإلهي. ثبوت الخير الإلهي. فهذا القرآن فيه بركة، وبركته عامة. تجد البركة واضحة جلية في أجره وثوابه. بركة القراءة. حرف حرف من أحرف القرآن بعشر حسنات، بعشر حسنات. كما جاء في الأثر. وإن كان قد أعله بعض العلماء، لكنه قبل التحسين. لا أقول: "ألف" لا، "ميم" حرف، بل "ألف" حرف، و"لام" حرف، و"ميم" حرف. الحرف الواحد بعشر حسنات. كم تظن -يا عبد الله- ستجني من الحسنات إذا قرأت سورة واحدة؟ فكيف بعدة سور؟ فكيف بأجزاء؟ فكيف إذا كان ديدنك -يا عبد الله- الإقبال على كتاب الله سبحانه وتعالى؟ فإنك تجد من الأجر العظيم ما لا يخطر على بال. فهذه بركة ما بعدها بركة. وأيضًا كذلك البركة في القرآن من حيث الأثر، من حيث الأثر والتأثير. يؤثر القرآن أيما تأثير. يؤثر القرآن في أصحابه أيما تأثير. سواء كان تأثير على مجتمع كامل. انظر إلى مجتمع الصحابة، كيف تأثر بدعوة نبينا؟ ما كان عنده السلاح، وما كان عنده السنان عليه الصلاة والسلام، وما كان معه جيوش حتى يخضع هذه الأمم لدعوته. وإنما كان معه القرآن، فكان القرآن يؤثر على النفوس. وكم سمعنا في السيرة النبوية من أناس من أمم وقبائل تأثرت بآيات من كتاب الله سبحانه وتعالى. ومع قصة الجن الذي سمعوا القرآن، ثم انصرفوا من أول وهلة، وقد آمنوا بنبينا لتأثير القرآن عليهم. وهكذا حتى الفرد، الفرد الواحد منا، لو قرأ القرآن، فإن سرعان ما يتأثر به. وهذا من بركة القرآن، أن جعل فيه ربنا سبحانه وتعالى التأثير. وهكذا في قوله سبحانه: ﴿لِيَتَدَبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. فيه رد على المفوضة. المفوضة يقولون: أن هذا القرآن هو إن كان خطابًا عربيًا، لكن المعنى الله أعلم به، الله أعلم به. وهذا المذهب -وإن كان مذهب- سرى على الكثير من الفرق، وانطلق على كثير من عامة الناس، بحيث أنهم احتجوا بأن مذهب المفوضة فيه السلامة. أننا لا نخوض بالعكس هذا في علماء عن كلام الله، أصبح الواحد يقرأ كلام الله ولا يدري ما الذي يقرأ. "الرحمن على العرش استوى" ما معنى "استوى"؟ الله أعلم. بل "يده مبسوطتان" الله أعلم. وهو "القاهر فوق عباده" الله أعلم. وهو "السميع البصير" الله أعلم. "عزيز الحكيم" الله أعلم. إذن ما بقي معك من كتاب الله ما بقي. يقول شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: قال: "وأن مذهب المفوضة من شر أقوال أهل الإلحاد". صحيح، من شر أقوال أهل البدع والإلحاد، أقوال المفوضة هؤلاء. لأنك أصبح سيقول القرآن لا شيء عندك، إنما حروف أمامك تقراها، ما متعلق بالمضامين، الله أعلم به. وهل هذا القرآن هكذا نزل؟ أم قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿لِيَتَدَبَّرُوا آيَاتِهِ﴾؟ إذن آيات لها معاني تتدبر. ولهذا كان هذا فيه رد على المفوضة ممن عطل معاني القرآن. قال -مؤلف- رحمه الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾. والكريم بمعنى كثير الخير، كثير الخير. وهذا من صفات القرآن. قال -مؤلف- رحمه الله تعالى: "إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوى". القرآن سبب من أسباب الهداية. كم من أناس يتخبطون في أبواب الضلالات والانحرافات، وأرادوا أن شيء يجرهم إلى الهداية وإلى الصراط المستقيم، فلا شيء -عبد الله- بمثل التمسك بكتاب الله سبحانه وتعالى. فالقرآن من أعظم أسباب الهداية. ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي﴾. وهنا الهداية من أي أنواع الهداية؟ هداية الدلالة والبيان. قال -مؤلف- رحمه الله تعالى: وقال تعالى: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾. هذه الآية كذلك فيها دلالة على قوة تأثير القرآن. بحيث أنه لو نزل على جبل، لو نزل على جماد لأثر في هذا الجماد. وهذا فيه إشارة إلى أن الجمادات لو تأثرت بكلام الله عز وجل، فمن باب أولى قلوب البشر، من باب أولى قلوب البشر. أن ينبغي أن تتعظ بكلام الله وبكتاب الله سبحانه وتعالى. لكن لما غلب الران على قلوبنا، قل التأثير. كما قال عثمان -رضي الله عنه-: "لو طهرت قلوبنا ما شبعنا من كلام الله". لو طهرت قلوبنا ما شبعنا من كلام الله. لكن غلبة الران والغفلة في القلوب، أصبح هناك البعد عن تدبر والتأثير الذي ينبغي أن يكون في قلوبنا إزاء كلام الله سبحانه وتعالى. فربنا يحكي أنه جبل، لو نزل عليه القرآن، لما كان من أمر هذا الجبل إلا التصدع من خشية الله سبحانه وتعالى. هنا "من خشية الله" أي بسبب خشية الله سبحانه وتعالى. وأيضًا فيه بيان على أن الجمادات جعلها ربنا سبحانه وتعالى لها مشاعر. فربنا أخبر أن الجبل تكون له خشية. والخشية شعور، فهو خوف مقرون بعلم. والخشية هو خوف مقرون بعلم. وربنا حكم على هذه الجمادات أن لها أحاسيس. وقد مضى ذلك معنا. وهذا كان يجرنا إلى مسألة مهمة حول ضبط كلمة "جماد". وأن الجماد لا كما يدعي بعضهم بأن الجماد هو الذي لا روح له. لا، لا نقول: أن الجماد لا روح له، بل نقول: الجماد الذي لا حركة له، هذا الجماد. والجماد الذي لا حركة له، مقابل قد يفهم، قد يشعر، قد يحس. وقد دلت أدلة القرآن والسنة على هذه المسائل. قال -رحمه الله تعالى-: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾. أيضًا كذلك من فضائل القرآن العظيم أنه سبب من أسباب زيادة الإيمان. سبب من أسباب زيادة الإيمان. فمن أراد أن يستزيد إيمانًا على إيمانه، فليقبل على كتاب الله سبحانه وتعالى، نظرًا، تأملًا، تدبرًا، فهمًا لكلام الله ولمعاني القرآن، حين يزداد إيمانه على إيمانه. كما جاءت هذه الآية: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾. فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانًا. قال: "علامة وجهه زيادة الإيمان من القرآن". لأن ما يكون من القرآن إما عبارة عن أخبار، وإما عبارة عن أحكام. القرآن لا يخلو عن هذه الحالات. الآية القرآنية إما حكم وإما خبر. والمؤمن إزاء هذا وإزاء هذا، لا يملك أمام الأخبار إلا التصديق، وأمام الأحكام إلا التطبيق. إذن زاد إيمانه. هذه آية ما بها خبر، فقمت وصدقت، هذه الزيادة في إيمانك. هذه آية ثانية ما فيها حكم، ما كان من أمرك التطبيق لها، إذن زاد إيمانك. فلهذا كان كل آية تتلى عليك تزيد في إيمانك. لأنك ستكون بين تصديق خبر، وبين التطبيق لحكم شرعي. وأما أهل الكفر وأهل النفاق، فهم على خلاف ذلك. فإذا كانت الآية خبر، فهم في شك منها، في جحود لها. هذا زادهم رجسًا على رجسهم. وإن كانت الآية عبارة عن حكم شرعي، فما لهم إلا الصد، ما لهم إلا الإعراض عن العمل بكتاب الله. فزادهم ذلك رجسًا إلى رجسهم. قال -مؤلف- رحمه الله تعالى: وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾. كذلك هذا من فضائل القرآن، ومن مزاياه، أن القرآن ما أنزله ربنا عز وجل لعهد نبينا، وفي زمنه خاصة، بل هو له ولسائر الأمة المحمدية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. فإذا استطاع نبينا -من خلال القرآن- أن يقيم الدعوة، إذن ما ينبغي أن يكون عليه الناس في بعد عهده عليه الصلاة والسلام، أن يتمسكوا بالقرآن. لأن هذا القرآن صالح لزمن نبينا، وصالح لكل زمان ومكان. وهذا أعظم رد على بعض الجماعات التي هونت من شأن القرآن في آخر الأزمان. يقول: "نعم، نبينا كان يحتج بالقرآن في دعوته على أولئك الكفار، لكن نحن هذه الأزمان نحتاج إلى طرق غير هذا الطريق". "السياسة، الدموقراطية، المجالس البرلمانية، بعض الأمور مثل الخلايا السرية، أشياء جديدة استحدثت على غرار القرآن". قال: "