الدرس في حديث بدء الوحي فوائد وأحكام 34، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
لجأ كفار قريش إلى الضغط على أبي طالب عم النبي ﷺ ليكف ابن أخيه عن دعوته، وعرضوا عليه الإغراءات مقابل ذلك. واجه النبي ﷺ هذا الضغط بثبات مطلق، معلناً أنه لا يستطيع ترك دعوته مهما كانت العروض أو التهديدات.
عرض عتبة بن ربيعة على النبي صلى الله عليه وسلم المال والزواج والملك ليكف عن دعوته، فاستمع النبي بصمت حتى فرغ عتبة ثم سأله أفرغت يا أبا الوليد. تلا النبي عليه سورة فصلت فامتنع عتبة وحذر قريشاً من مواجهته.
بعد وفاة أبي طالب ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف يدعوهم فأبوا عليه، وعرض ملك الجبال تطبيق الأخشبين عليهم فدعا النبي أن يخرج الله من أصلابهم من يعبده وحده. أظهر النبي ﷺ رحمةً عظيمةً وصبراً على الأذى في سبيل تبليغ الرسالة.
يختتم المتحدث بالدعاء إلى الله أن يوفقهم للخير وأن يجعلهم هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين. ويختتم بالحمد لله رب العالمين شاكراً على نعمة الإسلام والهداية.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، أيها الإخوة الكرام، من الأساليب التي استخدمها كفار قريش في الصد عن دعوة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم والتنفير عنها: استخدموا أسلوب الضغط والإغراء للنبي عليه الصلاة والسلام. يضغطون عليه بالكلام، وخاصة أيضًا يضغطون على عمه، أو يريدون أن عمه يفارقه، عمه أبو طالب يفارقه فيما هو عليه، أو أنه يرفع عنه الحماية. ولهذا جاءوه عدة مرات، فجاءوا إلى أبي طالب وقالوا له: إن ابن أخيك قد سفه أحلامنا، وسب آلهتنا، وفعل وفعل. فجاء فناداه، فجاء فقال: إن قومك يقولون كذا وكذا. فقال: والله ما أريد منهم إلا كلمة واحدة. فقال أبو جهل: والله لنعطينك عشرًا. فقالوا: يقول لا إله، أو يقول لا إله إلا الله. فنفر القوم وقالوا: أجعل الآلهة إلهًا واحدًا؟ إن هذا لشيء عجاب. وأيضًا جاءوه مرة أخرى كما ذكره ابن إسحاق عن عاصم بن عمر، أو أقصد عن يعقوب بن المغيرة مرسلًا، لكن جاء من طرق أخرى عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه إسناده حسن أيضًا. أن كفارًا... وجاء أقصد عن عقيل بن أبي طالب، عن عقيل بن أبي طالب أنه قال: جاء كفار قريش لأبي طالب وقالوا له: إن ابن أخيك قد سفه أحلامنا، وقد عاب آلهتنا، وإنا لا نصبر على ذلك، فإما أن تكفه عن ذلك وإلا يكون لنا شأن آخر. فأرسل أبو طالب إلى النبي عليه الصلاة والسلام حتى جاء، وقال: إن قومك قالوا كذا وكذا. فنظر النبي عليه الصلاة والسلام إلى السماء وقال: والله ما أقدر أن أترك هذا الأمر، ولو شعلوا لي شعلة من هذه... أي من الشمس... معنا ما أستطيع أن أترك هذا، ولا أتركه أبدًا مهما فعلوا، ومهما أعطوني، ومهما عرضوا علي. وجاء في رواية لكنها مرسلة كما قلنا من رواية يعقوب بن المغيرة أنه قال: لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته. لكن هذه الرواية ليست بإسناد صحيح، وما ذكرته جاء بإسناد صحيح إلى عقيل بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. ثم قال له أبو طالب: يا ابن أخي، افعل ما أردت، افعل ما أردت وما تدعو إليه، يعني: ادعُ إلى ما تدعو إليه، لا تبالي بهم. عندما رأى ما جاء به من الكلام الحق عليه الصلاة والسلام. ومن الإغراء أيضًا حوادث كثيرة، ومن ذلك القصة المشهورة التي جاءت في سيرة ابن إسحاق، لكن أيضًا فيها إرسال، لكن جاءت عند البيهقي وابن عيينة وغيرهما بأسانيد صحيحة عن جابر بن عبد الله: أن قريشًا اجتمعوا في شأن النبي عليه الصلاة والسلام، وقالوا: من يكلمه؟ فقال عتبة بن ربيعة: اجعلوا واحدًا يكلمه. فقالوا: ما أحد يكلمه إلا أنت. فقال: سأكلمه. ثم جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: يا محمد، أنت خير أم عبد الله؟ أي يريد أن يقول له: أنت خير أم أبوك الذي قد مات؟ فإنه لم يقل شيئًا من هذا. فقال: أنت خير أم عبد الله؟ ثم قال: أم أنت خير أم عبد المطلب؟ أم أنت خير أم هاشم؟ والنبي عليه الصلاة والسلام ساكت لا يرد عليه شيئًا. قال: يا ابن أخي، لو أردت مالًا لأعطيناك حتى جعلناك أغنانا، ولو أردت نكاحًا لزوجناك أجمل قريش، ولو أردت ملكًا لملكناك حتى جعلناك ملكًا علينا. يغريه بهذه الإغراءات، يظن أن النبي عليه الصلاة والسلام سيخضع له. حتى إذا فرغ قال له النبي عليه الصلاة والسلام: أفرغت يا أبا الوليد؟ أنا... عتبة بن ربيعة ابنه الكبير الوليد بن عتبة، وقد قتل عتبة بن ربيعة وأيضًا شيبة وابنه الوليد في بدر. فقال: أفرغت يا أبا الوليد؟ قال: قل. فقرأ النبي عليه الصلاة والسلام بداية سورة فصلت حتى وصل إلى قول الله عز وجل: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾. فوضع عتبة بن ربيعة يده على فم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: حسبك. ثم رجع إلى قريش، فقال له: يا أبا الوليد، ماذا معك وماذا وراءك؟ فقال: قد كلمته فأبى، وإن أردتم رأيي أنكم تتركوا هذا الرجل وشأنه، وتعتزلوا عنه وتتركوه والعرب، فإن قاتلوه وقتلوه لم تخسروا شيئًا، وإن قام عليهم... وأيضًا ملك العرب فملكه ملككم. فأبوا عليه ذلك، وقال: والله لقد رأيت... لقد سمعت الشعر ما هو بشاعر، لقد سمعت الكهانة وعرفتها، وعرفت السحر فهو ليس كذلك. فالمهم أن هذه الإغراءات، هذه الضغوطات فعلها أولئك لأجل أن النبي عليه الصلاة والسلام يترك ما هو عليه. لكن النبي عليه الصلاة والسلام ثابت، ثابت عليه الصلاة والسلام ثبات الجبال، لم يتقهقر، ولم أيضًا يدع لهم شيئًا، لم يتنازل عن شيء من دين الله جل وعلا، بل دعا قومه. وحتى أنه لما مات أبو طالب رضي الله عنه... لما مات أبو طالب عمه، خرج النبي عليه الصلاة والسلام من مكة إلى الطائف، وجلس كما قال ابن إسحاق عشرة أيام يدعوهم إلى الله جل وعلا، لكنهم أيضًا كانوا من المدبرين، ولم يستجيبوا لدعوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فخرج عنهم صلوات الله وسلام عليه حتى بلغ قرن الثعالب، فجاءه جبريل وملك الجبال، وقال له جبريل: هذا ملك الجبال. فقال ملك الجبال: يا محمد، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين. فقال عليه الصلاة والسلام: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئًا. فهذه من الأساليب التي استخدمها أولئك، وتجد أيضًا أن كثيرًا من أهل الباطل يستخدمونها ضد أهل الحق. فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا للخير، وأن يجعلنا هداة مهتدين، لا ضالين ولا مضلين. والحمد لله رب العالمين.