شرح مختصر سيرة الرسول  37

شرح مختصر سيرة الرسول 37

الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 37، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

اختبار قريش للنبي ﷺ بأسئلة أهل الكتاب ونزول سورة الكهف وآية الروح

بعثت قريش النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار اليهود ليسألوهم عن ثلاث مسائل تعجيزية، فأجابهم النبي ﷺ بنزول سورة الكهف وآية الروح دليلاً على نبوته. كان ذلك اختباراً عملياً أظهر صدق الوحي الإلهي.

دلائل النبوة والبعث في سورة الكهف

افتتاح سورة الكهف بالحمد على إنزال القرآن يثبت نبوة محمد ﷺ وإعجاز القرآن، وقصة أصحاب الكهف تدل على قدرة الله في البعث. أكد ابن عباس أن إعجاز القرآن أعظم من آية الكهف نفسها.

إخبار النبي ﷺ بالغيب دليل على نبوته وتمييزه عن الأولياء

إخبار النبي ﷺ بقصة أصحاب الكهف وأخبار الغيب دون تعلم من بشر يعد آية على صدق رسالته، ويثبت أصول الإيمان الثلاثة. علم الغيب مختص بالأنبياء بالوحي ولا يناله الأولياء ولا غيرهم.

حكمة بعثة النبي ﷺ وآية نبوته

بعثة النبي محمد ﷺ كانت بحكمة إلهية، وعدم تعلمه من البشر يعد آية قاطعة على صدقه ونبوته. اختتم المتحدث بالاكتفاء بهذا القدر من الحديث.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "مختصر السيرة" في كلامه على المرحلة المكية: وبعد وفاة عمه وزوجه خديجة رضي الله تعالى عنها، قال: سؤالهم عن الروح وأهل الكهف، وهذا من باب التعجيز؛ سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك حتى يعجزوه، ولكن الله أوحى إليه فهو مرسل من ربه، ويطلعه الله عز وجل على أمور الغيب ما أراد سبحانه وتعالى من أمور الغيب. قال: وكانوا يرسلون إلى أهل الكتاب يسألونهم عن أمره؛ لأن أهل الكتاب عندهم علم، وأنزلت عليهم كتب فيها خبر هذا النبي، وأهل مكة ما نزلت عليهم الكتب، وما عندهم من العلم كعلم أهل الكتاب، فكانوا يسألون إخوانهم الكفار من أهل الكتاب عن بعض ما عندهم من العلم، ويسألون النبي عليه الصلاة والسلام كي يعجزوه. قال ابن إسحاق عن ابن عباس: بعثت قريش النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار اليهود بالمدينة، يعني علماء اليهود، فقالوا لهما - يعني قريش قالت لهذين الرجلين: سلاهم عن محمد، يعني اسألوا هؤلاء الأحبار عن محمد، وصفا لهم صفته؛ فإنهم أهل الكتاب، وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء. فخرجا - أي النضر وعقبة - حتى قدما المدينة، فسألاهم عنه، ووصفا لهم أمره، فقالت لهم أحبار اليهود: سلوه عن ثلاث، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإلا فهو رجل متقول - أو متقول، نعم يعني كذاب - اسألوه عن هذه الثلاث، إن أجابكم هذه الإجابة التي نقولها لكم فهو صادق وهو نبي مرسل، أوحى الله إليه، وإلا لم يجبكم فهو كذاب متقول. قال: سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول، ما كان أمرهم؟ يعنون ما جاء في سورة الكهف، ما جاء في سورة الكهف من أمر الفتية، قال: فإنه قد كان لهم حديث عجيب، وهذا ذكر في القرآن. وسلوه عن رجل طواف، يعنون ذا القرنين، قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، فما كان نبأه؟ فما كان نبأه؟ وهذا جاء في آخر سورة الكهف. في أول سورة الكهف جاء خبر الفتية: ﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ﴾، وفي آخر سورة الكهف جاء خبر ذي القرنين: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ ﴾. قال: وسلوه عن الروح ما هي؟ وهذا جاء في سورة الإسراء: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾. فأقبلا حتى قدما مكة، فقالوا: قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أخبرنا أحبار يهود أن نسألهم عن أشياء أمرونا بها. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عما أخبرهم أحبار يهود، فجاءه جبريل بسورة الكهف فيها خبر ما سألوه عنه من أمر الفتية، وهو الرجل الطواف، وجاءه بقوله: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ﴾ أي في سورة الإسراء. وهذا الحديث أخرجه الإمام الترمذي في جامعه، وهو حديث صحيح، صححه الشيخ الألباني في صحيح الترمذي، بل وصححه كذلك شيخنا الوادعي في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين، أو في الصحيح المسند من أسباب النزول عند نزول قوله تعالى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ﴾. ولكن هل آمنوا؟ أجابهم إجابة صحيحة، فعلى قول أحبار اليهود فهو نبي مرسل، فهل آمنوا به؟ لا. وهكذا حال المعاند المكابر، مهما جئته بالأدلة الناصعة الصاطعة، فإنه لا يستجيب ولا يخضع وينقاد لما في نفسه من الكبر، وكذلك الجحود. قال: قال ابن إسحاق: فافتتح السورة بحمده، وذكر نبوة رسوله لما أنكروا عليه من ذلك، فقال: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ﴾، هذا في أول سورة الكهف. ففي أول هذه السورة حمد الله عز وجل: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾، وأعظم ما يحمد عليه الرب سبحانه وتعالى إنزال هذا الكتاب، القرآن الكريم، ولذلك قال: ﴿ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ﴾، أي القرآن. فذكر نبوة رسوله؛ لأن إنزال الكتب إنما يكون على الرسل، فهم أنكروا رسالته، فأثبتها الله عز وجل أولاً في هذه السورة، يعني: أنك رسول مني، أي تحقيق ما سألوا عنه من نبوتك. ﴿ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴾، أي أنزله معتدلاً لا خلاف فيه، وكما قال الله عز وجل: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾، ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ﴾، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً. فهذا القرآن ليس فيه عوج، ما فيه انحراف، ولا فيه ضلال، ولا خلاف، بل هو كتاب معتدل، معتدل، يهدي إلى الصراط المستقيم. قال: إلى أن قال: ﴿ أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا ﴾، أي: ما رأوا من قدرتي في أمر الخلائق، وفيما وضعت على العباد من حججي، ما هو أعظم من ذلك وأعجب. وحديثهم فيه من العجائب مما يدل على عظيم قدرة الله عز وجل. فهؤلاء فتية دخلوا إلى الكهف، وكانوا فارين بدينهم، فأماتهم الله عز وجل، أماتهم الله سبحانه وتعالى سنين عدداً، ثم أحياهم، ولم يتغيروا ولم يتعفنوا، هذه آية عظيمة تدل على عظيم قدرة الله سبحانه وتعالى. قالوا: عن ابن عباس: الذي آتيتك من الكتاب والسنة أعظم من شأن أصحاب الكهف، فكيف آمنوا بما جاء وصدقوا بما جاء في خبر هؤلاء الفتية، ولم يصدقوا بما أنزل إليك من هذا الكتاب؟ فهو أعظم من شأن أصحاب الكهف، فهو الكتاب المعجز الذي تحدى الله عز وجل أقحاح العرب وبلغاءهم وفصحاءهم - والفصحاء منهم - أن يأتوا ولو بسورة منه، فما استطاعوا ذلك، وهم أهل البلاغة والفصاحة. فهذا القرآن أعظم من شأن أصحاب الكهف. قال ابن عباس: والأمر على ما ذكروا، فإن مكثهم نياماً ثلاثمائة سنة، انظر: ثلاثمائة سنة ولم يتغيروا، آية دالة على قدرة الله ومشيئته، وهي آية دالة على معاد الأبدان. فأعاد الله عز وجل هؤلاء بعد ثلاثمائة سنة، أعادهم، هذا يدل على عظيم قدرة الله سبحانه وتعالى. قال: كما قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾، أن البعث والنشور حق، وأن الساعة لا ريب فيها، لا شك فيها، ﴿ إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ ﴾. قال: وكان الناس قد تنازعوا في زمانهم: هل تعاد الأرواح وحدها، أم الأرواح والأبدان؟ فجعلهم الله آية دالة على معاد الأبدان، وكذلك الأرواح. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقصتهم من غير أن يعلمه بشر، وكما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ﴾. فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يعلمه بشر، ومع هذا جاء بهذه الأخبار الغيبية، هذا دليل على صدق رسالته عليه الصلاة والسلام. قالوا: أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقصتهم من غير أن يعلمه بشر، آية دالة على نبوته. فكانت قصتهم آية دالة على الأصول الثلاثة: الإيمان بالله، وأنه سبحانه وتعالى له القدرة العظيمة، ورسوله إذ أخبر بأمور غيبية، واليوم الآخر، إذ أن في قصة هؤلاء الفتية دليل على البعث والنشور وإعادة الأجساد بعد موتها. ومع هذا فمن آيات الله ما هو أعجب من ذلك. قال: وقد ذكر الله سبحانه وتعالى سؤالهم عن هذه الآيات التي سألوه عنها ليعلموا: هل هو نبي صادق أو كاذب؟ فقال: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا ﴾، وقوله: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ ﴾ إلى قوله: ﴿ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ﴾. والقرآن مملوء من إخباره بالغيب الماضي، وقد عقد شيخنا الوادعي رحمه الله فصلاً في كتابه "الصحيح المسند" من دلائل النبوة فيما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام من أمور الغيب، وهو دليل من دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام. فذكر من ذلك خبر أصحاب الكهف، وهكذا الفتية، وهكذا يوسف وقصته مع إخوته، ونحو ذلك. قال: والقرآن مملوء من إخباره بالغيب الماضي الذي لا يعلم أحد من البشر إلا من جهة الأنبياء، لا أحد يعلم بذلك إلا ما أطلع الله عز وجل به من شاء من خلقه، وهم الأنبياء. قال: لا من جهة الأولياء، ولا من جهة غيرهم. الولي الذي هو مؤمن تقي طائع مستقيم على شرع الله، فإنه لا، لا يخبر بالغيب، لا يخبر بالغيب؛ لأنه لا يوحى إليه. وفي هذا رد على الصوفية عباد القبور الذين يذكرون في قصص أوليائهم ما فيه إخبار عن أمور الغيب، بل عن أمور الجنة والنار. جاء أحدهم إلى أحد هؤلاء وقال له: أين فلان؟ أهو من أهل الجنة أو من أهل النار؟ قال له: انتظر. فانتظر، فقال له: هو من أهل الجنة، فقد اطلعت على أهل النار فلم أره، واطلعت على أهل الجنة فرأيته. سبحان الله! يعني تريد تعرف أنت من أهل الجنة والنار؟ تذهب عند هذا الشخص ينظر مباشرة إلى الجنة وإلى النار ويخبرك: أنت من أي الفريقين، من أهل الجنة ومن أهل النار؟ هكذا يدعون. فالولي لا يخبر بأمر الغيب، وإنما الذي يخبر بأمر الغيب هم الأنبياء فيما أطلعهم الله عز وجل عليه. قال: ولا من جهة غيرهم. وقد عرفوا أنه صلى الله عليه وسلم لا يتعلم هذا من بشر، ومعرفون أنه نبي أمي لا يقرأ المكتوب ولا يكتب، كما في القرآن، وكما سمعت في قول الله عز وجل: ﴿ وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ﴾. لربما لو كان النبي عليه الصلاة والسلام متعلماً يقرأ ويكتب ويطلع ونحو ذلك، لقالوا: إنما يعلمه بشر، إنما تعلم هذا الذي جاء به وكتبه عن غيره ونحو ذلك. فمن حكمة الله عز وجل أن بعث نبيه على هذه الصفة. قال: وقد عرفوا أنه صلى الله عليه وسلم لا يتعلم هذا من بشر، ففيه آية وبرهان قاطع على صدقه ونبوته. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.