آثار وآداب الصيام 3

الدرس في آثار وآداب الصيام 3، ألقاها

أثر التوبة في شهر رمضان وتأثيرها على العبد

التوبة في رمضان رجوع إلى الله وإنابة إليه، وتتضمن الندم والعزم على ترك الذنوب. الله يفتح باب التوبة لعباده في هذا الشهر.

فضل قيام الليل وتأثير الصيام على تقليل الشرور

رمضان يقلل الشر ويبعد عن الإنسان بسبب قفل أبواب النيران وتصفيد الشياطين، وقيام الليل يزيد قرب العبد إلى الله وتدبره للقرآن.

التوبة والتحذير من التسويف وأهميتها في العبادة

يجب اغتنام الفرصة في رمضان للتوبة والرجوع إلى الله مع الحذر من التسويف، والتوبة جزء أساسي من العبادة تبدأ بها وتستمر وتنتهي بها.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله وعفور الذنب وقابل التوب شديد العقاب لا إله إلا هو إليه المصير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فإن شاء الله تعالى درسنا اليوم في أثر من آثار هذا الشهر العظيم، شهر رمضان، وهو أثر التوبة في هذا الشهر. شهر رمضان هو شهر التوبة والاستغفار والرجوع إلى الله جل وعلا. والتوبة هي من التوب، وهو الرجوع، فالتوبة هي رجوع وإنابة. والمراد بها شرعا هو ترك الذنب لقبحه، وأيضا العزم على تركه، وكذلك أيضا الرجوع إلى الله جل وعلا، وكذلك أيضا الندم على فعله وعلى تضييع ما ضاع من حقوق الله جل وعلا. وإن كان هناك أيضا مظالم بين العبد وإخوانه، فإنه أيضا ينبغي عليه أن يتحلل من هذا الذنب. فلهذا فالتوبة عظيمة، عباد الله، التوبة من أعظم العبادات والطاعات، حتى قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: إن التوبة هي أول العبودية وأوسطها ونهايتها. أول العبودية لأن العبد إذا تاب، سواء كان كافرا ثم تاب ودخل الإسلام، أو كان فاسقا فاجرا ثم رجع إلى الله وأناب، فهذا أول عبودية. ووسطها وهي أن العبد يحتاج للتوبة ويجدد التوبة في كل وقت وحين. وربنا جل وعلا يقول: «والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله»، فهي وسط العبودية. وأما نهايتها فلأن التوبة لا ينفك عنها أحد مهما بلغ من الطاعة. فهذا نبينا الكريم صلوات الله وسلامه عليه، كما جاء في حديث عمر بن مرة عن نبي بردة عن الأغر رضي الله عنه كما في مسلم، قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إني لا أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مئة مرة». فهذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوب إلى الله، فدل على أن الإنسان مهما بلغ من الطاعة والعبادة فيحتاج إلى التوبة. فالتوبة أول العبودية ونهايتها، أو وسطها ونهايتها. والتوبة، عباد الله، ربنا جل وعلا طلبها من كل أحد. طلبها من أهل الإيمان، «وتوبوا إلى الله أيها المؤمنون لعلكم تفلحون». وقال أيضا: «يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار». إلى آخر الآية. أيضا ربنا جل وعلا أيضا طلبها من الكفار، لما ذكر كفر النصارى: «لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم»، ثم قال ربنا جل وعلا: «أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه». أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه؟ كذلك أهل الإجرام وأهل الجنايات والذين يظلمون المسلمين وأيضا يعذبونهم، فالله عز وجل أيضا طلب منهم التوبة، كما جاء في سورة في قصة أهل الأخدود. الله عز وجل يقول: «إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق». الله يقول: «ثم لم يتوبوا»، كما ذكر الحسن، قال الحسن: «ثم لم يتوبوا». فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق. قال ابن حاتم وغيره عنه: يقول رحمه الله: «انظروا إلى كرم الله وجوده سبحانه وتعالى». هؤلاء قتلوا أولياءه وحرقوهم، كما في قصة أهل الأخدود، وضعوا أولياء الله عز وجل وأهل الإيمان في النار. قال: «انظروا إلى كرم الله وجوده، فهؤلاء يحرقون أولياءه ويعذبونهم، وهو يطلب منهم التوبة». يطلب منهم جل وعلا التوبة. فلهذا فالتوبة بابها مفتوح، فتح الله عز وجل بابها واسعا في التوبة، فقال جل وعلا: «قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا». ولهذا جاء في الصحيحين في حديث يرويه مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو قال ابن عباس في رواية مسلم: قال ابن عباس: «إن قوما جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قتلوا فأكثر، وزنوا فأكثر، فقالوا: يا رسول الله، إن دينك لخير، إن دينك لخير، لكن أخبرنا، فهل لنا من توبة؟ فقال: فأنزل الله عز وجل: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا». وأنزل الله عز وجل أيضا قوله سبحانه وتعالى: «والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب». فلهذا فالتوبة، عباد الله، عظيمة جدا. فالتوبة رجوع إلى الله جل وعلا، إلى الجبار سبحانه وتعالى، وانكسار بين يدي الله سبحانه وتعالى، وتذكر العبد أنه يعصي الله ويعصي ذلك العظيم سبحانه وتعالى الذي عليه نعمه، فيرجع إليه جل وعلا. وأثر هذا العمل، وهو التوبة إلى الله، أثره في هذا الشهر معروف. وأيضا جاء في الشرع، وجاء كذلك في الواقع والملمس. فمما جاء في الشرع ما جاء في البخاري ومسلم، بحديث الزهري عن ابن أبي أنس مولى التيمي عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين». وفي حديث سليمان بن جعفر عن نافع بن مالك وهو ابن أبي أنس عن أبي هريرة قال: «فتحت أبواب الرحمة». فتحت أبواب الرحمة. وهذا يدلنا على أن الله عز وجل فتح باب التوبة هذا الموسم، أو هذا الشهر، هو باب التوبة وشهر التوبة. فقال: «يفتح أبواب الرحمات». وجاء في حديث الأعمش عن أبي صالح أنه قال: أو حديث عطاء بن السائب عن أبي هريرة قال صلى الله عليه وسلم: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب السماء». فكل هذا يدل على أن الله عز وجل يفتح باب التوبة لعباده والرجوع إليه سبحانه وتعالى. وتجد أثر هذه التوبة في هذا الشهر من عدة أوجه، من عدة أوجه. فالوجه الأول هذا الحديث، هذا الحديث العظيم الذي يفتح لنا الباب العظيم في هذا الشهر، وهو باب الرحمات. كذلك أيضا فيه أنها تغلق أبواب النيران. ومعنى ذلك أن الشر يغلق، وأن الشر يبتعد عن الإنسان. كذلك أيضا في هذا الحديث: «وصفدت الشياطين». والذي تصفدهم مردة الجن، ومردة الشياطين الذين يسعون بالفساد في الناس ويحاولون يفسدون الناس أكثر، فهؤلاء يقل شرهم أو ينعدم شرهم في رمضان. وأما الشياطين الأغواث فهم موجودون، لكن الذين يسعون بالفساد من الشياطين يصفدهم الله عز وجل ويسلسلهم عنده سبحانه وتعالى. وهذا أيضا باب عظيم من باب الرجوع إلى الله جل وعلا، أن الإنسان يجد فرصة وفرصة للرجوع إلى الله جل وعلا، لأن الشر يقل في قلبه. وهذا أيضا هو الملموس في هذا الشهر العظيم، تجد أن الشر يقل في نفوس الناس، يقل في نفوس الناس. وهذه آثاره إما لعلة أن هذا الشهر هو باب التوبة، أو أنه أيضا كذلك أن كما قال الإمام ابن القيم: أن الصوم يقلل أو يضيق على الشيطان منافذ الصوم، من عظيم منافع الصوم أنه يضيق على الشيطان المنافذ. فيجد الإنسان في نفسه وهو صائم أنه أقرب إلى الله، فهو ترك الطعام وترك الشراب وترك الشهوات لأجل الله عز وجل، فيجد نفسه أقرب إلى الله سبحانه وتعالى وأقرب إلى الطاعات وأبعد عن المعاصي. فلهذا فهذا أيضا مما يحمله على التوبة إلى الله سبحانه وتعالى والرجوع إليه سبحانه جل وعلا. وكذلك أيضا أن هذا الشهر فيه قيام الليل، والناس غالبهم يصلون قيام الليل. وهذه الصلاة من أعظم الصلاة التي تقرب إلى الله سبحانه وتعالى، لأن النبي صلى الله عليه وعلا جعلها من أفضل الصلاة بعد المكتوبة، وهي صلاة الليل. فلهذا فهي تقرب إلى الله جل وعلا أكثر، وهي أحب الصلاة إلى الله سبحانه وتعالى. ولهذا كان الله عز وجل أمر بها نبيه صلى الله عليه وعلا، «يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد. «إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا». قال العلماء في تفسير هذه الآية الأخيرة: «إن ناشئة الليل هي معنى أنها تواطئ القلب واللسان في القراءة». «إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا». فأشد وطأ أي: تواطئ القلب مع القيل، وهي اللسان. فقال العلماء: أن في الليل القراءة في الليل تواطئ بها اللسان والقلب، الإنسان يتفهم القراءة في الليل وأكثر من النهار، ويتدبر القراءة في الليل أكثر من النهار، فتواطئ القلب مع اللسان. فبهذا يكون تدبره للقرآن أيضا يرجعه إلى الله، يرجعه إلى الله. فلهذا قال الله عز وجل في هذه الآية: هذا الأمر الذي أشار إليه العلماء وفسروه بهذا التفسير، وهذا التفسير صحيح قد أكثر أهل العلم عليه، أكثر أهل العلم على هذا التفسير في هذه الآية. وهذا أيضا من الآثار، أو من الأشياء التي تجعل العبد يقبل على الله، لأن الناس أكثرهم يصلون صلاة الليل، ويسمعون القرآن. وكلما كانت القراءة أطول كانت الصلاة أفضل. كلما كانت القراءة أطول في صلاة الليل كانت الصلاة أفضل. ولهذا سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أفضل الصلاة، قال: «طول القنوت». طول القنوت، أي: طول القيام، والمراد به القراءة، طول القراءة. ولهذا ذهب كثير من أهل العلم أن السجود أفضل ركن في الصلاة، لكن القراءة في صلاة الليل أفضل من السجود. القراءة في صلاة الليل أفضل من السجود، لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فضلها على السجود، فضل صلاة الليل إذا كانت في طول القراءة. فكلما قلت القراءة كلما كانت الصلاة أفضل. ولهذا كان السلف رحمه الله يجتهدون في صلاة الليل اجتهادا عظيما. وكان رسول الله، وهو قدوتنا صلوات الله وسلامه عليه، وقدوة السلف الصالحين صلوات الله وسلامه عليه، كان يقوم نصف الليل. يعني عادته أنه كان أكثر ما كان يقوم يقوم إذا صاح الصيف، كما جاء في حديث أبي العوام عن أبيه عن عائشة: «إذا صاح الديك قام النبي صلى الله عليه وسلم وصلى ما شاء من ركعات». وغالبا يصلي صلى الله عليه وسلم ثمان ركعات كما جاء في هذا الحديث، ويوتر بثلاث. ثم كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ قراءة طويلة صلى الله عليه وسلم. صلى معه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كما في الصحيحين، وصلى معه حذيفة، وصلى معه ابن عباس. أما ابن مسعود قال: «صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام فصلى فافتتح البقرة قال حتى انتهى، فافتتح النساء حتى انتهى، فافتتح آل عمران فقال حتى هممت بأمر سوء». يقول ابن مسعود: «حتى هممت بأمر سوء». قال له علقمة: «وما هممت؟» قال: «هممت أن أجلس وأدع رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما وحده». أنا من شدة قراءته، من كثرة قراءته، أنا يقول: «حتى هممت أن أجلس وأدع النبي صلى الله عليه وسلم قائما وحده». وكان أكثر اجتهادا في رمضان، حين يلقاه جبريل عليه الصلاة والسلام. بل كان في العشر الأواخر، كما ذكرت عائشة، يجتهد حتى أنه يحيي الليل كله. فهذا كان داب نبي صلى الله عليه وسلم في قيام الليل. وليس الغرض كما قلنا بقيام الليل، وإنما كان قيام الليل كان السلف رحمه الله، ومنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحبون قيام الليل ويطيلون في القراءة، لعلة أنه أقرب إلى الله. وكذلك كلما كثرت القراءة كلما كثر تدبر الإنسان لها، وكان رجوعه أكثر وتوبته لله عز وجل، وانكساره وذله لله أكثر. لأن العبودية هي أصل العبودية الذل والانكسار لله عز وجل، أصل العبودية. الله جل وعلا هي الذل له سبحانه وتعالى والانكسار له. فإذا حصل فقد حصل أصل العبودية وحقيقتها. فلهذا، عباد الله، فهذه الأشياء وغيرها كثير، يقرب العبد إلى ربه سبحانه وتعالى، ويجعله يرجع إليه سبحانه وتعالى ويتوب إلى الله جل وعلا. والله عز وجل كما جاء في صحيح مسلم، في حديث عمر بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل». من كان عنده ساعات في النهار، الله عز وجل يبسط يده في الليل ليتوب مسيء النهار. وآدم الرحمة، الله جل وعلا بعباده. وربنا جل وعلا هو قابل التوبة، شديد العقاب سبحانه وتعالى، وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون. فلو أن الله عز وجل أخذنا بذنوبنا لما ترك جل وعلا على هذه الأرض من دابة. لكن ربنا سبحانه وتعالى يعفو ويصفح جل وعلا، ويعفو عن عباده سبحانه وتعالى. فلهذا فالواجب على المسلم أنه يجد هذه الفرصة العظيمة، وهذا الشهر العظيم، يرجع إلى الله سبحانه وتعالى ويتوب إلى الله سبحانه وتعالى، ما لم يغرغر. في حديث سعيد بن جابر عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر». على ما لم يأتيه، تأتي الروح إلى الغرغرة، خلاص تخرج روحه من صدره فتأتي إلى حلقه. فلهذا فالتوبة ينبغي للإنسان أن يعجل. هناك أشياء ينبغي أننا ننبه عليها، من باب الفائدة، ومن باب طرح هذه المسائل العظيمة في هذا الشهر. أن هناك ينبغي أن الإنسان يحذر من أشياء في التوبة إلى الله والرجوع إلى الله. من هذه الأشياء هذا التأجيل، والتسويف كما يسميه السلف. هذا من أعظم الخذلان في التوبة، أن يقول مثلا: «إذا انتصف رمضان إن شاء الله سأتوب، إذا جاءت العشر الأواخر إن شاء الله سأتوب من هذه المعصية، سأترك هذه المعصية». وكذا فيسوف على نفسه الطاعات أو يسوف على نفسه التوبة حتى تترك وتهمل. كذلك أيضا بعض المثلا التائبين، تجد عنده ذنبا فينظر إلى ذنبه هذا، يقول: «أنا ما سأتوب حتى أترك هذا الذنب». لا، توب إلى الله عز وجل، والله عز وجل يوفقه لترك مثل هذا، أيضا وهو الأهم. أن كثيرا من الناس ينظر إلى المسيئين، كثير منا ينظر إلى المسيئين. إذا نظر يجد أناسا كثيرا من أهل الإسلام من يسيئون لله عز وجل، يسيئون أي: أنهم أهل سيئات، أهل معاصي، أهل فجور. ينظر إليهم يقول: «فلان وفلان وفلان، وأصحابي الذين أمشي معهم، ذاك يفعل كذا، وهذا يفعل كذا، وهذا يفعل كذا». فينظر إلى هؤلاء يقول: «هؤلاء ما شاء الله في راحة وفي كذا وكذا». وهذا من أشد الأمور التي تقلص الناس عن التوبة وتحجب العبد عن التوبة إلى الله جل وعلا. ولهذا جاء عند أحمد رحمه الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأيت الله عز وجل يعطي العبد وهو مقيم على معاصيه، إذا رأيت الله عز وجل يعطي العبد وهو مقيم على معاصيه، فاعلم أنه استدراج». فاعلم أنه استدراج. ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم قوله سبحانه وتعالى: «حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون». فالله عز وجل يمهل ولا يهمل. في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لا يمهل للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته». ثم قرأ صلى الله عليه وسلم قوله جل وعلا: «وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد». فلهذا لا ينبغي للإنسان أن ينظر إلى المسيئين كثيرا، ينظر إلى أهل الطاعة يقتدي بأهل الطاعة. فإن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود، وجاء أيضا من طرق عن عبد الله بن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله العلم والحكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس، ورجل آتاه الله القرآن أو آتاه القرآن فهو يقوم به آناء الليل وأطراف النهار». أن هؤلاء الذين يغبطون، يغبطون ويتمنى الإنسان أن يكون مثله. لا يتمنى أن يكون مثل عاص، لا يتمنى أن يكون مثل اللاعب الفلاني أو مثل الممثل الفلاني. هؤلاء الفساق، بل بعضهم كفر، لا ينبغي للإنسان أن يكون تمنيه أو غرضه مثل هذه الأشياء. بل يغبط وينظر إلى أهل الصلاة وإلى أهل الطاعة حتى يكون مثلهم. فلهذا فيحرص الإنسان على الرجوع إلى الله جل وعلا. ومن أعظم الأمور والأشياء التي تجعل هذا الرجوع والتوبة إلى الله عز وجل أمرها عظيم، ما أخرجه الإمام البخاري وكذلك مسلم في صحيحيهما عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رواه عن عبد الله بن مسعود، الأعمش عن عمارة بن عمير عن الحارث بن سويد، وهو من أصحاب عبد الله بن مسعود، وهو تيمي، رواه عن عبد الله بن مسعود أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم كان معه رحلته وزاده فضلت عليه رحلته، أو قال: فجلس عند شجرة ونام عندها، فضلت عليه رحلته». فلما قام لم يجد رحلته، فذهب يبحث عنها فلم يجدها. فقال: «أرجع إلى مكاني». فرجع إلى مكانه ووضع هكذا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وضع يده أو وضع رأسه على ساعده». فعنا نام، ويفكر كأنه كيف يفعل، ومنتظر الموت. فوضع يده على ساعده، قال: «فإذا بدابته قائمة عنده وما فيها زاده وما». فالله أشد فرحا بتوبة عبده من هذا. الله عز وجل العظيم سبحانه وتعالى يفرح من توبة عبده، إذا تاب إليه ورجع إليه. فانظر إلى هذا الحديث العظيم الذي يدل على أثر التوبة، وأن الله عز وجل يفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه. حتى ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذا المثل العظيم، حتى ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذا المثل العظيم الذي يبين أن الله عز وجل أشد فرحا بتوبة عبده من هذا العبد الذي قد أضاع رحلته ثم لقيها بعد أن أيس منها. فلهذا فيحرص الإنسان على هذا الأمر العظيم، العبودية والطاعة والرجوع إلى الله. فهذه فرصة عظيمة، وهو أيضا كما ذكرنا أيضا أنه شهر موسم وفرصة وحسنات وأجور، فهو شهر الرحمات وشهر الأجور والحسنات. فيتقذ هذه الفرصة العظيمة فيرجع إلى الله جل وعلا. وكلنا ذو ذنوب، وكلنا أهل خطأ. فالواجب علينا كلنا أن نرجع إلى الله. وكما قلنا: أن التوبة كما قال الإمام ابن القيم هي أول العبادة وأوسطها وآخرها. فنسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يوفقنا للتوبة والاستغفار. والحمد لله رب العالمين.

شاركنا على