الدرس في كتاب النكاح والطلاق 17، ألقاها
كفارة الظهار تكون بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينًا، ويجب اتباع ترتيب معين في أدائها. يُشترط في الإطعام أن يكون لكل مسكين مد من البر أو نصف صاع من قوت البلد.
يجب على من أراد التكفير عن الظهار أن يبدأ بعتق الرقبة، فإن لم يستطع صام شهرين متتابعين، فإن عجز أطعم ستين مسكينًا. إذا شرع في أحد هذه الأعمال، وجب عليه إتمامه.
الظهار المؤقت يصح ويترتب عليه أحكام محددة، ومن جامع زوجته قبل إتمام الكفارة فعليه كفارة واحدة مع الإثم. كما يُوضح حكم إتيان الزوجة أثناء صيام الكفارة.
إذا نسي الشخص صيامه أو كفارة الظهار وجامع زوجته نهارًا، لا يُعتبر ذلك ناقضًا للكفارة أو الصيام بسبب النسيان، استنادًا إلى الآية ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. فعرفنا أن كفارة الظهار مرتبة أولا بعتق الرقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، لا يفصل بين الشهرين إلا بصوم واجب، كصوم رمضان، أو إفطار واجب، كإفطار العيد وأيام التشريق، أو الإفطار للمرض والسفر. كذلك إذا مرض مرضًا يشق معه الصيام، فإنه يفطر ويستأنف، أو سافر سفرًا ضروريًا أو لحاجة، فإنه له أن يترخص برخص السفر، فيفطر ويستأنف الصيام. يستمر، لكن إذا أفطر من غير عذر، فحينئذ يستأنف الصيام جديد. قال: «فإن لم يستطع الصوم، فيطعم ستين مسكينًا، لكل مسكين مد من البر، أو نصف صاع من غيره من قوت البلد»، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، إلى قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾. فيطعم ستين مسكينًا، لكل مسكين مد من البر، أو نصف صاع من غيره، أي من غير البر، كالأرز أو الشعير أو غيره. وهذا القول قال به الحنابلة، واستدل بأثر معاوية رضي الله عنه، لما قدم المدينة وجد البر موجودًا، قال: «أرى نصف صاع من هذا يعدل صاعًا من غيره»، يعني أن المد من البر بمدين من غيره. وهذا اجتهاد منه رضي الله عنه، خلفه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه في صدقة الفطر، فرأى أن يخرج صاعًا حتى من البر، كما كانوا يخرجونها في زمن النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا أظهر - الله أعلم - أنه يخرج نصف صاع، سواء كان من البر أو غيره، كما في صدقة الفطر، أو فدية حلق الرأس. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنسك شاة، أو اذبح شاة، أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع». وقوله جل وعلا: ﴿سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾، هل لابد من إيجاد هذا العدد، أن يوجد ستون مسكين، أو يجزئ مثلا أن يطعم عشرة ست مرات، أو يطعم ثلاثين مرتين؟ الأظهر أنه لابد من وجود هذا العدد، لأن الله عز وجل قال: ﴿سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾. لكن لم يوجد، إذا ما وجد إلا ثلاثون مسكين، ما وجد غيرهم، فهنا يطعمهم مرتين، أو وجد عشرة مساكين فقط، ما وجد غيرهم، يطعمهم ست مرات. وقوله: «من قوت البلد»، يعني أنه يجزئ في الإطعام أن يطعمهم من قوت البلد، من غالب قوت البلد، من الأرز مثلا، أو غيرهم مما يقتاته أهل البلد، فإنه يجزئ في الإطعام، لأن الله عز وجل أطلق: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾، ما قص طعامًا معينًا. فكل طعام مما يقتاته الناس ويأكلونه، فإنه يجزئ في الكفارة. قال: ولحديث سلمة بن صخر البياضي، لما جعل امرأته عليه كظهر أمه، أمره النبي صلى الله عليه وسلم بعتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يجد فالإطعام. والحديث رواه الترمذي وابن ماجه وأبو داود، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله. وكان سلمة بن صخر البياضي شديد الشبق بالنساء، قال عن نفسه - كما في سنن الترمذي -: «كنت رجلًا قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري»، يعني كان كثير الجماع. فلما دخل رمضان، خشي على نفسه أن يقع على امرأته في نهار رمضان، فظاهر من امرأته، حتى يمنعه ذلك من الجماع. فما مضى نصف رمضان إلا ووثب على امرأته، فجاء معها. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن ذلك، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالكفارة، أن يعتق رقبة، فقال: لا أجد. فأمره بالصيام شهرين متتابعين، قال: «هل أصابني ما أصابني إلا من الصيام». فأمره أن يطعم ستين مسكينًا، فأخبره أنه لا يجد شيئًا، وأنه بات تلك الليلة بلا عشاء. فجاء إلى قومه، فقال: «وجدت عندكم الضيق، ووجدت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم السعة». وقد أمر لي بصدقتكم، فادفعوها لي. فدفعوها إليه. الشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالكفارة على هذا الترتيب. ومثل ذلك أيضًا في آية الظهار، قال الله عز وجل: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾. ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله. فتكون الكفارة على هذا الترتيب، يبدأ أولًا بعتق الرقبة، فإن لم يجد فيصوم شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينًا. طيب إذا ما وجد رقبة، فشارع في الصيام، وفي أثناء الصيام وجد رقبة، هل يترك الصيام ويعتق الرقبة، أو يستمر في صيامه؟ الجواب: يستمر في صيامه، ويكون هذا الواجب عليه. ومثله كذلك في الإطعام، لو شرع في الإطعام وكان عاجزًا عن الصيام، ثم استطاع الصيام، فإنه يستمر في الإطعام. قال: فإن جامع المظاهر قبل أن يكفر، كان آثمًا عاصيًا، ولا تلزمه إلا كفارة واحدة، وتبقى الكفارة معلقة في ذمته حتى يكفر. وتحريم زوجته عليه باق أيضًا حتى يكفر. الآن ظهر من امرأته، فيحرم عليه أن يقربها حتى يكفر. إذا جاء معها قبل أن يكفر، هل تلزمه كفارة أخرى، أو تلزمه كفارة واحدة ويكون آثمًا على هذا الفعل؟ الجواب الثاني: تلزمه كفارة واحدة، وهو آثم على إتيانه أهله قبل أن يكفر. وهذا قول جمهور أهل العلم. وقال بعض أهل العلم - كعبد الرحمن المهدي رحمه الله -: أن عليه كفارتين. لكن الصحيح أنه لا تلزمه إلا كفارة واحدة، وتبقى الكفارة معلقة بذمته مطالب بها حتى يكفر، ولا يجوز له أن يقرب امرأته حتى يكفر الكفارة التي أمر الله سبحانه وتعالى بها. طيب هل يجوز أن يعلق الظهار أو يحدده بفترة محددة؟ والظهار نفسه - كما علمنا - منكر من القول وزور، لكن لو حدده بفترة محددة هل يصح؟ يعني لو قال مثلا: «أنت علي كظهر أمي هذا الأسبوع»، هل يصح هذا؟ ويكون مظاهرًا؟ الجواب: نعم يكون مظاهرًا، فإذا مر هذا الأسبوع ولم يقربها، فليس عليه شيء. لأن هذا الظهار مؤقت ينتهي بالوقت الذي حدده، بخلاف لو كان مطلقًا، هذا الذي تجب فيه الكفارة. أما إذا كان مقيدًا بوقت محدد: «أنت علي كظهر أمي أسبوع أو شهر»، فإذا مضى هذا الشهر ولم يقربها، فليس عليه شيء. وأما إن قربها، فعليه الكفارة. ويدل على جواز أو صحة وقوع الظهار مؤقتًا حديث سلمة بن صخر، لأنه ظاهر من امرأته في شهر رمضان، ظاهر من امرأته في شهر رمضان، لكن أصابها في أثناء الشهر، فألزمه النبي صلى الله عليه وسلم وأمره بالكفارة. طيب إذا كان يصوم شهرين متتابعين، وفي الليل أتى امرأته قبل أن يكمل صيام شهرين متتابعين، فهل ينقطع التتابع، أو يكون آثمًا والتتابع صحيح؟ واضح أنه الآن يصوم في النهار شهرين متتابعين، لكن في الليل أتى امرأته التي ظاهر منها، هل انقطع التتابع؟ يلزمه أن يستأنف الصيام جديد، أو أنه يستمر في صيامه ويكون آثمًا على ما فعل؟ الجواب الثاني: أنه يكون آثمًا، ولا ينقطع التتابع، بل يستمر في صيامه. وهذا مذهب الإمام الشافعي رحمه الله، واختاره ابن المنذر، والإمام القدامي في المغني. طيب إذا أصابها في النهار ناسيًا، أما إذا كان عامدًا فإنه ينقطع وعليه الاستئناف. لكن لو حصل نسيانًا في النهار، نسي أنه صائم وأنه عليه ظهار من امرأة، فلا يقربها، فحصل منه الجماع في النهار نسيانًا، فالصحيح أنه كذلك لا ينقطع التتابع، بقول الله جل وعلا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.