الدرس في كتاب النكاح والطلاق 28، ألقاها
النفقة تعني كفاية من يمونه بالمعروف وتشمل عدة أنواع منها نفقة الإنسان على نفسه ونفقة الزوجة على الزوج. أنواع النفقات تختلف بحسب العلاقات الأسرية.
تجب نفقة الوالد على ولده إذا احتاج، وتقدر بالكفاية بالمعروف، ويجوز للزوجة أخذ نفقتها من زوجها إذا كان شحيحًا. يستند الحكم إلى القرآن والسنة النبوية.
تجب نفقة الوالدين على ولدهما إذا احتاجا، وللولد حق الإنفاق عليهما، ويجوز للوالد أخذ مال ولده إذا احتاج بشرط عدم الضرر به. الحكم يستند إلى القرآن والسنة.
للأب حق في مال ولده وفق ضوابط شرعية، بشرط عدم الإضرار بالولد وعدم إعطاء المال لغير مستحقه. الحكم مبني على دلالات شرعية.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف: قول الله. الباب الحادي عشر في النفقات، وفيه مسألتان. المسألة الأولى: تعريف النفقة وأنواعها. قال: تعريف النفقة: النفقة لغة مأخوذة من الإنفاق، وهو في الأصل بمعنى الإخراج والنفاد، ولا يستعمل الإنفاق إلا في الخير، يعني عندما يقال: أنفق، بمعنى في خير. وإذا كان في شر، فيقال: أسرف أو بذر، كما قال الله جل وعلا: «ولا تبذر تبذيرا، إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين، وكان الشيطان لربه كفورا». قال بعض السلف: من أنفق شيئا من ماله في حرام، ولو قليلا، فهو مبذر. فكل الإنفاق يكون في أمور الخير. قال: وشرعا: كفاية من يمونه بالمعروف، قوتا وكسوة ومسكنا وتوابعها. كفاية من يمونه، يعني من يقوم بمؤنته، ومؤنته: الرعاية وسد الحاجة من مطعم ومشرب وملبس ومسكن. فهي كفاية من يمونه بالمعروف، قوتا وكسوة ومسكنا وتوابعها، بقول الله جل وعلا: ﴿على المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾. قال: أنواع النفقات: أولا، نفقة الإنسان على نفسه. ثانيا، نفقة الفروع على الأصول. ثالثا، نفقة الأصول على الفروع. رابعا، نفقة الزوجة على الزوج. الفروع يراد بهم الأبناء وأبناء الأبناء، وإن نزلوا. والأصول هم الآباء وآباؤهم، وإن علوا. قال: أولا، نفقة الإنسان على نفسه، يجب على المرء أن يبدأ في الإنفاق على نفسه إن قدر على ذلك، لحديث جابر رضي الله عنه قال: أعتق رجل من بني عذرة عبدا له عن دبر، وهو ما يسمى به العبد المدبر، العبد المدبر: أن يعلق السيد أو مالك العبد عتقا لعبده دبر موته، يقول: إذا مت فأنت حر، هذا يسمى العبد المدبر. قال: إلى أن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك». الحديث. فهنا النبي صلى الله عليه وسلم أرشده إلى أن يبدأ بنفسه، «ابدأ بنفسك فتصدق عليها»، في أن الإنسان يبدأ بنفسه في الإنفاق عليها من مأكل ومشرب وملبس وما يحتاج إليه بالمعروف، يكون في ذلك معتدلا لا إفراط ولا تفريط. فلا يكون مفرطا في الإنفاق على نفسه مبذرا، ولا يكون كذلك مفرطا ومقصر مع كونه يستطيع ما هو أحسن من ذلك، فالأمر وسط. فينفق على نفسه على حسب حاله، إن كان من الأغنياء فنفقته كالأغنياء، وإن كان من الفقراء فنفقته كالفقراء، وإن كان من المساكين وكذلك في مأكله ومشربه وملبسه وما يحتاج إليه، ولا يبخل على نفسه. فالبخل كما نعلم خلق ذميم، ومع ذلك كذلك أيضا لا يعود نفسه على الترف، بل يكون الأمر وسطا. قال: ثانيا، نفقة الفروع، فيجب على الوالد، وإن علا، يعني الأب وإن علا، نفقة ولده، وإن سفل، يعني الابن وإن نزل، لقوله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾، فأوجب على الوالد نفقات رضاعة الولد، وعلى المولود له، من المولود له الأب، الأب هو المولود له، وفي منزلة الأب الجد، لأن هذا الولد هو ابن ابنه، وابن ابنه وأبوه وأب الأب كذلك في منزلة الأب. فالله عز وجل أوجب على الوالد نفقة رضاعة الولد، وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف. ولحديث عائشة رضي الله عنها أن هند بنت عتبة قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه، وهو لا يعلم. فقال: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف». والحديث في الصحيحين. إذن دلت الآية وهذا الحديث على وجوب نفقة الوالد على ولده، الآية الظاهرة: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾، وحديث عائشة بقصة هند بنت عتبة أن أخبرت النبي عليه الصلاة والسلام أن أبا سفيان رجل شحيح، يعني متمسك بالمال، فلا يعطيها ما يكفيها وولدها مما تحتاج له من نفقة. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف». فقوله عليه الصلاة والسلام: «خذي» يدل على الإباحة، أباح لها النبي صلى الله عليه وسلم أن تأخذ من مال زوجها، وهو لا يعلم، مما تحتاج له من النفقة، بالمعروف. فإن كان هذا الآن من الأغنياء، فتأخذ نفقة الأغنياء بالمعروف، وإن كان من الفقراء، فتأخذ نفقة الفقراء. وهذا الحديث استدل به أهل العلم كذلك على وجوب نفقة الزوج على زوجته، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خذي ما يكفيك»، يعني زوجته، «وولدك»، فدل على أنها نفقة الزوجة واجبة كما سيأتي، وأن هذه النفقة مقدرة بالكفاية بالمعروف، «ما يكفيك وولدك بالمعروف». وهذا قول أكثر أهل العلم أن النفقة مقدرة بالكفاية، فتأخذ أو ينفق الوالد على ولده ما يكفيهم بالمعروف. وهذا قول أكثر أهل العلم. وبعض أهل العلم يقدره بالمد، كما جاء عن الإمام الشافعي رحمه الله، ومشهور عنه ذلك، أنه قدر النفقة بالمد، فالموسر عليه كل يوم مدان، والمتوسط مد ونصف، والمعسر مد. لكن هذا ليس عليه دليل، ليس عليه دليل من الكتاب والسنة، وإنما الأدلة على اعتبار الكفاية، فالمعتبر هو الكفاية بالمعروف. واستدل أهل العلم كذلك بهذا الحديث على مسألة الظفر، وهي: إذا كان للإنسان حق عند غيره، لم يؤده له، ثم ظفر بمال لهذا الإنسان، هل يجوز له أن يأخذ منه حقه أم لا؟ مسألة خلافية بين أهل العلم، والصحيح أن له أن يأخذ حقه منه إذا ظفر بذلك بشيء من ماله، إذا أمن أن ينسب إلى الخيانة. والقول بجواز الأخذ في مسألة الظفر، قول الإمام الشافعي رحمه الله، ورجحه العلامة ابن باز رحمه الله، بهذا القيد: أن يأمن من أن ينسب إلى خيانة. واضح هذه المسألة، يعني مثلا: عندك مال، دين عند شخص، تطالبه، لن يسدد، وهو يستطيع أن يسدد هذا الدين، مثلا ثم ظفرت بمال له، ظفرت بمال له، هل لك أن تأخذ منه دينك الذي عنده؟ الجواب: نعم، لك أن تأخذ حقك من هذا المال إذا لم تنسب إلى الخيانة. هذه مسألة الظفر. قال: ثالثا، نفقة الأصول، قال: فتجب نفقة الوالدين على ولدهما، تجب نفقة الوالدين على ولدهما، لقوله تعالى: ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفا﴾، وقوله تعالى: ﴿وبالوالدين إحسانا﴾، ومن الإحسان الإنفاق عليهما، بل إن ذلك من أعظم الإحسان إلى الوالدين. وهذا أمر لا شك به، أن من أعظم الإحسان أن ينفق الولد على والدين، خاصة إذا كانا يحتاجان إلى نفقة، فليس من الإحسان أن تترك والديك يتكففان الناس ويسألان الناس، وأن تستطيع أن تنفق عليهما وأن تسد حاجتهما، فإن هذا خلاف المعروف والإحسان الذي أمر الله جل وعلا به. قال: ولحديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وولده من كسبه». والحديث رواه الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه. «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وولده من كسبه»، فالولد من كسب أبيه. ولحديث عمر بن الخطاب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنت ومالك لوالدك»، يعني الولد هو تابع لأبيه وجزء من أبيه، كما نعلم أن الوالد هو السبب في وجود الولد، فهذه من عظيمة حقوق الله جل وعلا بها الولد على أبيه، أن والده سبب في وجوده في هذه الدنيا. فإذا احتاج الوالد إلى ولده، وما عنده من مال في يده، فيجوز له أن يأخذ منه، لكن قيده أهل العلم بقيود، قوله النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت ومالك لوالدك». قال أهل العلم: هذا يقيد بقيود، منها أولا: أن لا يكون في ذلك ضرر على الولد، فما يقول مثلا الأب: «أنت ومالك لي»، هات الذي معك، ويأخذ كل ما معه من مال، ويترك الولد صفرا اليدين، هذا لا شك أن فيه ضرر عليه، مثلا هذا لا يجوز أن يفعل به هذا الفعل. فإذا كان سيأخذ من ماله ما يضر به، هذا لا يجوز، لكن يأخذ منه ما يحتاج من مال من غير ضرر عليه، لا بأس. والأمر الآخر، قال أهل العلم: أن لا يأخذ من مال ولده فيعطيه لأولاده الآخرين، يأخذ من مال هذا الولد ثم يعطيه لإخوته، لا شك أن هذا لا يجوز، لأن الولد أحق بماله، وهو إذا أراد أن ينفق عليهم، أي الأب، ينفق من ماله، أما أن يأخذ من مال ولده ويعطيه لأولاده الآخرين، فليس له الحق بذلك. إن كان هو يحتاج له، لا بأس أن يأخذه، أما أن يعطيه لغيره من أولاده، فلا. قال: «أنت ومالك لوالدك، إن أولادكم من طيب كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم». إذن دل هذا على أن الوالد له حق في مال ولده، أنه له حق في مال ولده، كما سمعنا بهذه الضوابط الشرعية، من غير إضرار بالولد، أو كذلك أيضا أن يأخذ ماله ويعطيه لغيره من أبنائه، هذا فيه ضرر كذلك عليه. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.