الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين  289

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 289

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 289، ألقاها

أهمية القدوة الحسنة للداعي

الداعي إلى الله يجب أن يكون قدوة حسنة في أفعاله، مستشهدا بحديث الحارث الأشعري وقصة يحيى بن زكريا. ضرورة ممارسة الداعي لما يدعو إليه.

تحذير العلماء من التناقض

تحذير العلماء والدعاة من التناقض بين القول والفعل، مع أهمية الاتساق بين ما يدعون إليه وما يفعلونه، مستشهدا بحديث أسامة بن زيد وآيات قرآنية.

شرح أوامر الله ليحيى بن زكريا

شرح الأوامر الخمسة التي أمر الله يحيى بن زكريا أن يأمر بها بني إسرائيل، وهي الصلاة بقلب حاضر، والصيام، والصدقة، وذكر الله بالقلب واللسان.

خاتمة الدرس والاستنتاج

الإشارة إلى أن هناك خمسة أمور ذكرها نبي الله صلى الله عليه وسلم سيتم ذكرها لاحقا، واختتام الدرس بالشكر والصلاة على النبي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه. بعد قرأنا في الدرس الذي مضى حديث الحارث الأشعري، وهو كما قلنا حديث طويل، فيه أمر الله عز وجل ليحيى بن زكريا أن يأمر قومه بخمس كلمات ويعمل بهن. وهذا تأخر يحيى بن زكريا في إخبارهم أو تباطؤ، فقال له عيسى ابن خالته: إن الله أمرك بخمس كلمات لتعمل بها وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، فإما أن تأمرهم وإما أن آمرهم. وقال يحيى: أخشى أن يسبقني بها أن يخسف بي أو أُعذب. وهذا كما قلنا فيه ما كان عليه الأنبياء من خوف من الله جل وعلا، ولهذا صاروا أنبياء اختارهم الله عز وجل لخوفهم الشديد من الله جل وعلا، وكذلك لحياة قلوبهم. وأيضا في هذا الحديث أن الآمر لا بد أن يكون قدوة، يدعو الناس إلى شيء هو يعمل به. ولهذا قال هنا: إن الله قال ليحيى: من ذكرني أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وأمركم أن تعملوا بهن، أنا أولا أعمل به. وكما قال الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾. وهذا يدل على أن الإنسان الداعي إلى الله ينبغي أن يكون قدوة. وإذا كان قدوة دعا بفعله وقوله. وأما إن كان يأمر الناس بشيء وهو من أكثر الناس مخالفة له، فهذا شيء عظيم. كما جاء في الآية، وجاء في حديث أسامة بن زيد في الرجل الذي تتمدد أقداب بطنه، تخرج أمعاؤه، فيدور حولها كما يدور الحمار حول رحاه، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان، ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: بلى، كنت أمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه. هذا -كما قال العلماء- أن هذا الحديث من أشد الأحاديث على العلماء. لكن ليس معنى ذلك أن من رأى تقصيرا في نفسه أنه لا يدعو إلى الله، فلو كان كذلك لما دعا أحد إلى الله. وإنما المراد أن الإنسان لا يكون أبعد الناس عن الله وهو يذكرهم بالله، فهذا لا يكون أبدا. ثم ذكر رحمه الله الخمس كلمات التي أمر الله عز وجل يحيى بن زكريا أن يأمر بني إسرائيل بها. أولها: عبادة الله جل وعلا وعدم الإشراك به، لأنه من أعظم الأمور، وأيضا مقدمة الأمور ومقدمة دعوة الأنبياء والرسل. فلهذا أول ما أمرهم أمرهم بعبادة الله وعدم الإشراك به. وأراد أن يقرب لهم المعنى فذكر لهم هذا المثال: «وإن مثل من أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله بذهب وورق، وقال: هذه داري وهذا عملي، فاعمل وأدِ لي. فأنا إذا كان أنا أمثله برجل اشترى عبدا بخالص ماله، ثم قال له: هذه داري وهذا عملي، اعمل. وما كان من دخل فهو إليه. فقام يعمل ويعطي دخله لرجل آخر، فهل هذا أنصف؟» فهذا لم ينصف أبدا. ثم قال: الأمر الثالث «صلوا، فإذا صليتم فلا تلتفتوا». وقول «فلا تلتفتوا» الالتفات يحمل على معنى التفات القلب والتفات الجوارح. وهذا الحديث حمل أكثر ما حمل على التفات القلب. إذا صليتم فلا تلتفتوا، أي لا تذهبوا يمنة ويسرى بقلوبكم وعقولكم. فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في الصلاة ما لم يلتفت. ثم ذكر رحمه الله الصيام، ثم ذكر في هذا الحديث: «وآمركم بالصيام. فإن مثل ذلك مثل رجل في عصابة معه صرة فيها مسك، فكلهم يعجبون أو يعجبوا بريحها». فكذلك الصائم في الناس، فإن عبادته تفوح إلى الله وأعماله تطلع إلى الله. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم». لأن الصائم ريح فمه أطيب عند الله من ريح المسك. ثم ذكر الصدقة، وذكر مثالا لها: الرجل أسره العدو فأوثقوا يده إلى عنقه، وقدموه ليضربوا عنقه، فقال: أنا أفديه منكم بالقليل والكثير، ففدى نفسه منهم. وأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين أن الصدقة تنقذ الهالك. ثم ذكر أيضا الأمر الخامس وهو ذكر الله جل وعلا، وقال: «مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعا، حتى إذا أتى على حصن حصين، فحرز نفسه منه». كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله. فإذا ذكر الله خنس الشيطان. وذكر الله عز وجل هنا المقصود به ليس فقط ذكر الله باللسان، بل ذكر الله باللسان وبالقلب. فهذه الخمس الأشياء التي أمر الله عز وجل يحيى بن زكريا أن يأمر بني إسرائيل بها. وبقيت الخمسة التي ذكرها نبي الله صلى الله عليه وسلم إن شاء الله تعالى نذكرها في درس لاحق. شكرا. صلى الله عليه وسلم.

شاركنا على